الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "المنهل"

) قصة المنهل ؛ فى المنهل (

Share

نشرت هذه القصة بمجلة التركستان العربية المصرية ، وقد قدم لها رئيس تحرير مجلة التركستان الاستاذ ابراهيم واصل بالكلمة التالية

" استاذنا المربى الجليل عبد القدوس الانصاري صاحب مجلة المنهل الغراء أشهر من ان يعرف ، فقد نشأ على يديه جيل من الشباب المثقف الذين يعرفون فضله على العلم والأدب ، وكان من حظ كاتب هذه السطور ان يتتلمذ على يديه فى مدرسة العلوم الشرعية فى المدينة المنورة عندما كان سيادته يدرس الادب العربي فى تلك المدرسة . ولا يزال ابناء الجيل الحديث يرتشفون ذلك الرحيق السائغ من منهله العذب الذى سد فراغا كبيرا ما كان ليملاه الا ادب السيد عبد القدوس وعلمه وقد كان المنهل فى ذلك الوقت فكرة تتملك خيال صاحبه . وتحول دون تحقيقها صعاب كثيرة ولكنها لم تستعص على همة استاذنا الكبير وهمته الماضية

وفى هذا الذى تلطف حفظه الله ، فخص به ) صوت التركستان ( يشرح لنا صاحب المنهل كيف نشأت هذه الفكرة وكيف تبلورت ، ويروى لنا قصة الكفاح فى ابرازها ، حتى انبثقت الى عالم الحقيقة قبسا خافتا ، اخذ يتدرج فى سطوعه حتى أصبح منارة يأخذ نورها بالابصار ويهتدى بهديها البدو والحضر "

قصة المنهل

يسائل الاخ الاستاذ ابراهيم واصل رئيس تحرير مجلة التركستان العربية . عن قصة المنهل لينشر هذه القصة فى العدد الخاص من مجلته عن هذه المملكة

واخي الاستاذ ابراهيم ممن يدرون الكثير من شؤون هذه القصة فقد كان زميلا لنا بمدرسة العلوم الشرعية فى المدينة المنورة ، كان طالبا نعرف فيه الجد والنشاط ، وكان

صاحب هذه المجلة مدرس الأدب العربى بتلك المدرسة ، وفى تلك الايام ظهر أول خط من خيوط قصة المنهل فقد صدر أول عدد منها فى ذى الحجة سنة ١٣٥٥ ه ضعيفا مهلهلا ركيكا فى كل شئ . اللهم الا فى الروح المعنوية والامال الطامحة التي يتجنح بها منشؤها كاتب هذه السطور .

وقد سارت مجلة المنهل على الخطة التى رسمها لها منشؤها منذ اول لحظة حتى الآن . . ولم تحد عن المبدأ الاساسي لها وهو نشر العلم والمعرفة فى هذه البلاد ، واحياء التراث العربى القح بها ، ومسايرة موكب النهضة فيها .

وقد نشر بالمنهل عشرات البحوث الادبية ، والقصص الصغيرة والوسطى وعشرات التراجم لرجالات هذه البلاد من المعروفين والمغمورين والمعاصرين والقدامى وساهمت فى توجيه النهضة الأدبية والثقافية الى الوجهات المثلى . . وكان من خططها الاساسية عدم العنف ، وحسن التوجيه ، واستهجان النقد الشخصى الذي طالما ران على ادب . البلاد العربية فغشاها بالأسي وجللها بالمأسى ، وردها سنوات الى وراء ، واثمر الحزنزات فى النفوس ، وقيل للابيض اسود ، وللاسود ابيض ، وقيل عن الجيد انه ردىء وللساقط انه راق وقيم وممتاز . . وقد لاقت فى سبيل الثبات على هذا المبدأ شتى الصعوبات المعنوية والمندية . وقيل عنها انها جامدة ، وقيل عنها انها خاملة ، وقيل غير ذلك من الاقوال مرارا وتكرارا ، ولكن على الرغم من كل ذلك ادرك القراء آخر الأمر ان خطتها هي المثنى . وانها حثيثة الخطى الى الامام . . وليست رجعية مطلقا . وبالجملة فان المنهل الآن بمجلداته الاربعة عشر التى صدرت فى ثمانية عشر عاما هى بحق احد مراجع العلم والثقافة والاقتصاد والاجتماع والعمران والتاريخ والأدب والتطور السياسي لهذه البلاد .

وقد سارت قدما فى سبيل تحسين اخراجها ، كما سارت قدما فى سبيل تحسين انتاجها ، ليتسق المخبر والمظهر معا . . وهى الآن تطبع شهريا على ورق صقيل وبغلاف جميل ، وما يكاد يحدث حادث فى البلاد مهم ، يؤمل ان يكون له عقبى حسنة فى نهضتها أو أثر هام فى تاريخها الا ورأى الناس المنهل يبادر باصدار عدد ممتاز ضخم خاص بذلك

الحادث ، علميا كان او اجتماعيا أو عمرانيا أو اقتصاديا . . وبذلك كثرت اعدادها الخاصة وتنوعت واصحبت مراجع لتطور البلاد . هذا الى أنها اولى صحيفة عنيت عناية خاصة بالنهضة القصصية فى البلاد ، فكانت رائد القصص الحديث فى أدبنا الحديث غير مدافعة .

هذه خيوط قصة المنهل بعد صدورها أما خيوط هذه القصة المختفية والتي ادت الى صدورها ، فها انا أجملها لقراء الزميلة مجلة ) صوت التركستان ( العربية الغراء . .

فقد كنت طالبا ؛ وكانت النفس نزاعة الى فن الأدب ، وكنا صديقين لا نكاد نفترق : السيد عبيد مدني عضو مجلس الشورى ، وأنا وكان الاستاذ السيد عبيد مدني إذ ذاك اديبا ناشئا طموحاجريئا . وكان لامعا ، وكنا نتذاكر  مختلف الشؤون والشجون . . كان ذلك حوالى سنة ١٣٤٥ ه . وكان الحديث يدور حول الأدب الحديث ، ولم يكن ان ذاك فى المدينة المنورة كاتب وشاعر واحد من الشعراء والكتاب الموجودين ان كانوا موجودين ، يتعاطى أي لون من الوان الأدب الحديث فى نثره وشعره . . كان الناس جميعا لا يزالون مبادرين فى مهامه الأدب التقليدى الجامد ، فى كلا الشعر والنثر فأما فى الشعر فهو الجناس والطباق والمحسنات اللفظية والأغراض التافهة من تشجير وتشطير ومديح وهجاء ، وغزل متطامن ، قريب المدى ، محدود الاهداف . . واما فى النثر فليس هناك سوى اسلوب المقامات ما يتخذ منارا وصوى وهدفا ومتجها ورأينا نحن الاثنين ، ان نسعى لتغير الحال بما هو احسن ، وبدأنا نروض انفسنا على تعاطي الاسلوب الحديث ، تعاوننا كتب المنفلوطي التى كنا نلتهمها التهاما ، وديوانى شوقي وحافظ واضرابهما ، واستوى لنا بعد كفاح شىء مما نريد وكان بدعا هذا الطريق الذي شققناه لأول مرة وحدنا فى المدينة المنورة اذ ذاك ، والنجاح يقود الى النجاح . فقدمت استفتاء عصريا بعد ذلك وشجعني صديقى السيد عبيد مدني وكانت اجوبة وتجاوب بعد ما انتشرت ظلال الاسلوب الحديث فى الأدب بين زملائنا من الناشئة

وفى ذات ليلة قال لي السيد عبيد مدني : إنه يزمع اصدار مجلة أدبية لرفع مستوى الأدب الحديث فى البلاد ويكون اسمها ) الفاتحة ( كانت الفكرة جميلة وقد أخذت منى كل مأخذ . وشجعته على اصدار الفاتة مرارا ولم يكن الجو مهيأ لشئ من ذلك لا فى المادة ولا فى المعنى ومضت ( الايه قدما وسراعا ولم تصدر الفاتحة المرتقبة وشغلنا نحن الاثنين ) بمطالب الحياة حتى اذا اقبل عام ١٣٤٦ ه نشرت اول بحث لى فى الصحافة العربية الخارجية وفى مجلة ) الشرق الادنى ( اللامعة اذ ذاك بمصر تحت عنوان : ) بماذا ينهض العرب ؟ رأيي انا ( وكانت المجلة قد اصدرت استفتاء عن موجبات نهضة العرب . . فرأى كاتب من الكتاب ان النهضة العربية لا تتم الا بزعيم يوحد شملها جميعا . ورأيت غير ذلك . . رأيت ان الزعيم المنشود هو نتيجة النهضة لا سببها وان السبب الذى سيقدم النهضة المأمولة للعرب انما يتمثل فى ) الوحدة العربية ( أولا ونشر المقال فى الشرق الادنى اللامعة ومن ثم بدأ التفكير يسايرني فى اصدار مجلة أدبية تحمل افكارى وتنهض بالادب الحديث فى هذه البلاد عاليا وتعيد سيرتها الاولى من المكانة السامية في العالم  ورسمت الخطط وفكرت فى الاسم المناسب فاذا هو : " المنهل " ؟ . وتقدمت الى الحكومة باصرار ، طالبا منحى رخصة رسمية باصدر المنهل . . كان ذلك فى عام ١٣٤٩ ومضت اجراءات الترخيص بين اخذ ورد حتى صدرت الرخصة الرسمية لى بالاصدار فى أواخر عام ١٣٥٥ ه أى بعد ست سنوات من علي الرخصة . فبادرت حالا إلى اصدار أول عدد فى مطبعة المدينة . انجازا للوعد وتحقيقا للرغبة الملحة ولئلا يتوقف العزم أو تفتر الهمة أو تحدث عوارض وعقبات . وقد كنت مبتدئا - وكذلك كانت المطبعة . وكان اصدار العدد طباعيا . مستعجلا . فجاء الاخراج مهلهلا . وقوبل العدد الاول بالفتور والتقدير معا بالنسبة لمظهره الضئيل ولما يؤمل له فى المستقبل

أما انا فقد حمدت الله على صدوره وظهوره ، ولم ابال مطلقا بمظهره . وانما نظرت إلى سنة الله فى خلقه . وهي أن اصل الاشياء الضالة والضعف ، ثم تتقوى وتضخم

بالتدريج ، وهذا هو التطور المنشود . . وسرت فى طريقي المرسومة حتى وصل " المنهل : الى ما وصل اليه حالا بعد اجتياز شتى العقبات الأدبية والمادية والمعنوية وغيرها

ومن الجدير بالذكر ان اميط اللثام هنا عن سر دفين . . ذلك ان العدد الاول من المنهل الذى صدر فى عام ١٣٥٥ صدر وليس عندى من النقود سوى ٤٠ ريالا سعوديا ، أى ما يساوى اربعة جنيهات مصرية ، دفعتها كلها للمطبعة وما اغنت شيئا . ثم استقرضت من صديق بقية القيمة وسددتها للمطبعة ، وجاء اوان العدد الثانى وهو التالي وليس فى جيبي من قيمة اصداره درهم واحد ، ولكنه صدر وصدرت بعده عشرات الاعداد ، وها هو المنهل يصدر ويصدر شهريا وتباعا . ولكن وراء صدور اعداده قصص ضخمة من المتاعب الفكرية والجسمية والمادية وغيرها ولكنه مع ذلك يصدر تباعا وباستمرار ان شاء الله ، دفاقا بكل ما يهم القارىء ، مليئا بما لذ وطاب .

وقد صدر المنهل اولا بالمدينة المنورة وحينما جئت الى مكة المكرمة صار يصدر بها منذ عام ١٣٥٩ ه حتى الآن .

( مجلة صوت التركستان بمصر

اشترك في نشرتنا البريدية