الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

قصة عربية :، , من أبناء الجزيرة

Share

كان سهل بن مالك الفزاري ذا فكر ووعى ، وكان ذا منطق عذب ، وقول فصل . وكان أديبا أريبا ، فى                                                                                الذروة العليا من حسن الاخلاق ، وطيب النفس ، وشرف المحتد .

وكان النعمان بن المنذر ملك الحيرة ، يحبه كثيرا جدا ، فاذا وفد إليه ابتهج به ، وأحسن وفادته وبالغ فى إكرامه . .

واتفق له في احدى رحلاته إلى النعمان ، أن يعرج على بعض أحياء طى ، وأن يضيف حارثة بن لام سيد      ، ولكنه لم يصبه شاهدا فأحب أن يتحول ، ولكن أخته أمامة أبت عليه ذلك ، وقالت له : " انزل في الرحب والسعة " . وأخذت تلاطفه ، وتحسن استقباله ، وتكرمه أبلغ الإكرام . .

كم نزل سهل ضيفا في احياء العرب  !! وكم استقبل بالحفاوة والبشر : ولكنه لا يذكر أنه أحس بما أحسه في هذا الحي ، من سعادة في القلب تفيض فيضانا ، ومن بهجة في النفس تشرق إشراقا ..

إنه رأى نفسه فجأة حيال غادة حسناء ، ندية الظلال ، فتانة جذابة ساحرة الحديث . بله أنها عقيلة الحي وسيدة نسائه . .

ومنذ الساعة التى عرفها فيها اعتزم أن تكون شريكة حياته ، ولكنه احتار في أمره حيث لم يجد من يأتمنه على تبليغها رغبته بالصورة التى يريدها دون أن يساء به الظن ، أو تشوه سمعته الكريمة الطيبة حتى ضاقت به الدنيا على رحبها ، واسودت أمام عينيه الأرجاء . واختلطت عليه الأفكار . .

وحفاه الغمض وأضواه القلق ، وأكبر أن يرحل قبل أن يعرف رأيها في الأمر ، واعتزم أن يحتال فى إعلان رغبته لها ، ولو أخفق . .

وفي صبيحة اليوم الذي اعتزم فيه الرحيل ، دنا من فناء خبائها ، وجلس حيث تسمع حديثه ، وأخذ يردد هذين البيتين :

يا أخت خبر البدو والحضاره

  كيف ترين فى فتى فزاره

أصبح يهوى حرة معطاره

  اياك أعني واسمعي يا جاره

وكان يترنم بهدين البيتين ، وهو

مطرق على الارض ، خجلا من نفسه ،

مرهفا أذنيه لكل نامة أو حركة ،

خشية أن يسمعه أحد خدمها ،

فينمونه الى سيدهم مشوها ، فيداخله شك فى شرفه ، والعربى الصميم أشد ما يحذره أن يوصم في شرفه . أما هي فأيام ضيافته أشعلتها أفكارا يقظى لكل حركاته وسكناته ، لأنها تبينته تجاهها معجبا بها اعجابا حائرا ملحا بين الإقدام والإحجام ، وتبينت أن إحجامه يهزل يوما فيوما حتى ليكاد يورطه فى كشف سريرته ولكنها أنكرت فى سريرتها ، أن يكون

منه شئ من ايماء إلى ما يريد ، فى غياب أخيها ، لأنها ترى ذلك خيانة ، لحق الاسرة وشرف العروبة ، وكريم السمعة . لذلك ما كادت تسمع تعريضه ، حتى ثارت ثائرتها ، وصدته صدا عنيفا ، بقولها : " ويحك ما هذا بقول ذي عقل أريب ، ولا رأى مصيب ، ولا أنف نجيب ، فأقم ما أقمت مكرما ، ثم ارتحل متى شئت مسلما " .

ولم يكن سهل يعتقد انه سيصفع بمثل هذه الكلمات العنيفة الجارحة ، لأنه كان طاهر النية للغاية . وما تعجل فى الاشارة إلى طلب يدها الا ليعرف رأيها في الأمر ، قبل اعلان الطلب ، ولكن حين صدمته بثورتها العنيفة صرخ من اعماق قلبه قائلا دون وعي : " ما أردت منكرا واسوأتاه " !!

وأحست الفتاة أنها شطت في الصد ، وأن ثورتها كانت في منتهى العنف ، في الوقت الذي رأت من سمو أدب الفتى . ولطف شمائله . وكريم أخلاقه الكثير الكثير . . كل ذنبه اليها ، أنه أومأ بلطف

وأدب وذوق الى طلب يدها . وكان من حقه أن يصرح بذلك ، ولكن غياب أخيها ، جعله يلجأ إلى التعريض المتحفظ . .

أجل أدركت أنها أخطأت ، وان مثله كانت تكفيه الاشارة البعيدة في الرفض . لذلك أطرقت حياء وقد حز فى نفسها الندم ، وقالت بصوت خافت يقطر اعتذارا : " صدقت صدقت " . .

ارتحل سهل وفي قلبه جرحان عميقان ، جرح الحب ، وجرح الإخفاق وكان يقطع طريقه الى الحيرة ، نادبا حظه ، لائما نفسه على تعجلها . وكان بوده لو ظل أياما أخرى ، أو لوظل إلى الأبد بجوارها ولم يذكر لها شيئا مما تكره . ولكن رأى بقاءه بعد اخفاقه ، يعد تطفلا و عارا ، وهو عربى ، والعربى لا يرضى لنفسه ذلك ولو قضى نحبه .

واذا اشتد به الغيظ يقول : " لن أعود الى ذلك الحي ، وسأتخذ لعودتي طريقا آخر " وحين يعزم على ذلك ، يحس خفقانا متتابعا فى قلبه ويسمع هاتفا يصرخ في أعماقه : " لا يا ابن مالك . لا بد لك من العودة الى حي بن لام ، والتعرف إليه ، فأمجاده زينة الأسماع والأبصار .

وصل الحيرة وبلابله المتفاقمة لم تتركه لحظة ، يستريح الى نفسه . ولم يجد لدى وصوله من الأشواق والأفراح . ومن البهجة والأنس ما كان يجده من قبل حتى أن الملك أحس

أنه على غير الحال التى تعرفها فيه . فمنحه من أوقاته على ضيقها ، فوق ما كان يمنحه إياه فى العادة . وبالغ فى الانس به ، وأكرم وفادته وحاول أن يستبقيه لديه ، أو يطيل مكثه فتلطف وأحسن الاعتذار . .

وقد قضى أسبوعا في الحيرة خاله عاما ، أسبوعا مشتعلا بحرقة البعاد وما كان يخفف عنه بعض حرقته ، إلا رجال من طي تعرف اليهم في الحيرة ، كان يتردد عليهم في الفترات التى يشتد عليه الضيق ، وكان الذي يسرى عنه أكثر من كل شئ جماعة من حي حارثة بن لام توطدت بينه وبينهم أواصر المودة والاخلاص .

قد أبهج عودته أنه كان في صحبة جماعة من حي حارثة بن لام ، وكانت جل أحاديثهم تدور حول بسالته النادرة ، وأمجاده الخالدة ، وأياديه الغامرة .

وكان سهل يحس أن الأرض تطوى له طيا ، وأن كل شئ يمر عليه ، يحييه ويهنيه بسلامته ، ويحس أن الجزيرة من أقصاها الى أقصاها تتغنى فرحة بكريم عودته ، بطيب عيشه ، بغده النضر ، أامانية الهنيئة ، بمائه السلسبيل .

وهذه المرة قصد سيد الحي حارثة بن لام ، وكان له في عشرته ألف عام ، وكان ابن لام يسمع كثيرا عن مزايا سهل السامية ، وعن أمجاده الرفيعة ، فاستقبله بما يليق به من الاحتفاء ، وأدرك أن الذي ضاعف في نفس ابن لام الاعجاب الفذ به ، هو تأثير أخته فيه ، وحديثها عنه يوم استضافه ، فلم يجده .

وكانت أمامة بمقدم سهل جد معجبة به كل الاعجاب . واحبت شمائله فرحة ، وجد مبتهجة . إنها أعجبت الكريمة وسمته وأدبه ، وأدركت أن الفرصة وافتها ، وأنها إن أضاعتها فربما لا تجدها بعد ذلك . فأرسلت اليه بعض خدمها : " أن اخطبنى ، إن كان لك الى حاجة يوما من الدهر ، فانى سريعة الى ما تريد " .

وموافقتها على القران كان سهل ينتظرها ، لما رأى من أفراح أخيها به ، لأنه ما كان يجهل بواعثه .

وفعلا ما انقضى الأسبوع الأول حتى كان كل شئ قد تم ، وما انقضي الاسبوع الثاني حتى كانت أمامة ترافقه في العودة الى آله .

اشترك في نشرتنا البريدية