الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

قصة غربية :، ( عودة المهاجر . . .)

Share

كان الطفل ( دافى ) جالسا أمام منضدة المطبخ وعلى وجهه المتورد الغض تبدو علامات التفكير يخط أحرفا وكلمات غير منتظمة على قطعة من الورق المتغضن ، وكان صرير قلمه يسمع من حين لآخر ، فلم يشعر لانهماكه فى الكتابة ، بأمه عندما دخلت وخاطبته باسمه فى لهجة مصطنعة بقولها : ماذا تعمل يا دافى ؟ فانتبه الطفل من غفلته واحمر وجهه ورد بقوله وهو يحاول أن يتجنب نظرتها المتسائلة : إنني أحرر خطابا

فقالت : ذلك ما يبدو لى ولكن لمن يا حبيبي ؟ فقطب دافي حاجبيه والتزم الصمت فقالت له : أريد ان أوجه اليك سؤالا يا عزيزى . . فعدل دافي من ركبتيه تحت المنضدة ونهض في مكانه بعد أن دس الورقة فى خفة بجيب بنطلونه وقال : على أن أذهب في الحال يا ماما فقد تأخرت عن الموعد ، و ( روني اسكوت ) يريد أن يرينى أرانبه الجديدة ، فمدت ( لوسى )

يدها دونه وقالت : لقد حررت الخطاب لوالدك أليس كذلك ؟ فهز رأسه موافقا من غير أن يرد بكلمه فقالت : حسبنا يا بني . ولكن هذا غير مجد في الوقت الحاضر . لقد كنت أريد أن أعمل لك مفاجأة ولكنى أراك غير متأهب لها الآن . وعضت

لوسى على شفتيها ، فلاحظ دافى عينيها مفعمتين بالدموع وأردفت قائلة : لطيف منك جدا يا حبيبي أن تكتب الى والدك تطلب فيه أن يأتي لرؤيتنا ، فأشار بالموافقة وقال : لقد قلت له اننا سنعمل " جاتوهات " لذيذة جدا واننى سأشترك في اعدادها معك وهو كما تعلمين يحب الجاتوه حبه للحياة ، فقالت لوسى : حقا ! إن والدك لا يزال طفلا شرها صغيرا فلم يرق له العيش بهذه الشقة الأرضية ذات الأربع غرف الواقعة

بهذه الضاحية المؤهولة المحببة ، بل مال الى الاختفاء وتجديد المكان ! . . فقال دافي : ماما ! أيمكنني أن أذهب الى منزل روني ؟ إنه فى انتظارى . ليكن ذلك ولكن احرص على ان تأتي في ميعاد العشاء . . أعدك بذلك ولكن ما هو العشاء الذى سنتناوله الليلة ، وبدأ الاشمئزاز على وجه دافى من اجابتها . وقال : أوه ! ماما ! على فكرة ، إذا عرض على روني

أن يبيعني إحدى أرانبه هل يمكنني أن أشتريه ؟ إن لدى بعض السوسات ( Sous) أدفعها له اما الباقي فسادفعه له يوم السبت . . فترددت ( لوسى ) برهة ثم قالت : ماذا تعمل يا بني بهذا الحيوان وهو يتطلب كنا    (Clapier)       اه !

ليس من الصعوبة فى شىء عمل قفص له فصندوق برتقال قديم يكفى لذلك وقد علمنى والد روني كيف اعمله . . ويظهر ان الصفقة كانت قد ابرمت بينه وبين صديقه من قبل ولم يتبق غير موافقة امه عليها فاندفع دافى راكضا والدنيا لا تسعه فرحا ناسيا والده والخطاب المخبأ فى اعماق جيبه ، وقد وجدته لوسى بعد ذلك ، وهو نائم عندما أخذت ملابسه لتغسلها فأمسكت الخطاب بأصابعها المرتجفة وترددت قليلا قبل أن تقرأه فلم تكن تريد أن

تتدخل فى شئون طفلها وأسراره فالطفل فى السابعة رجل صغير ومن حقوقه الخاصة أن يفكر ويكتب الى والده ، وإن كان ذلك يعنيها بعض الشئ لانه لم يزل بعد تحت رعايتها ، ويبدو انه كان متألما لغياب والده ، فمن حقها إذن أن تعمل مافى وسعها لإدخال البهجة والطمأنينة الى قلبه الصغير وأن تكشف له عن الحقيقة من غير اخفاء شئ !! وتنهدت لوسى وأحست بالتعب والأعياء من أعمال النهار المضنية فقد كان عليها ان تقف على قدميها من الساعة التاسعة

صباحا الى الخامسة مساءا بالمتجر ، وفي عمل متواصل عند رجوعها الى المنزل لتدبير شؤون البيت ، واعداد وجبات الطعام ، وغسل ورتق وترميم الملابس ، وكان ذلك شأنها طوال أيام الأسبوع عدا يوم السبت حيث تقضى بعض الوقت في شراء لوازم البيت ، وصباح يوم العطلة الاسبوعية المعتادة لترافق ابنها ومعيشة كهذه ليست مريحة لفتاة

لا تتجاوز الثانية والعشرين ربيعا . وقد أدخل وجود دافى الى جانبها على قلبها بعض البهجة والسلوى ، ولكنها لم تنس والده لحظة ، وكان يهمها أن تطلع على ذلك الخطاب ، فبدأت أولا بغسل الملابس ونشرها ثم وضعت المغلاة على النار لعمل الشاى ، وكانت الساعة إذ ذاك قد بلغت العاشرة والنصف مساءا ، وتناولت قدح الشاى وشربته فى جرعة واحدة ثم نشرت الخطاب امامها وقرأت به ما يلى :

" عزيزى بابا - سوف أشترى أرنبا صغيرا إذا سمحت ماما بذلك ، وهي من روني اسكوت الذي يسكن                                                                                   قريبا منا ، عملت ماما جاتوه لذيذا جدا ، لم بالله لا تأتي لقضاء أيام العيد معنا ، إنها ستكون خير هدية لنا ، وانا على يقين أن ماما ستفرح كثيرا بذلك ، وسيمكنك أن ترى أرنبى الجميلة وقفصها البديع الذي سأعمله لها . . ماما في صحة جيدة وسعادة طيبة ولكنها لفراقك ليست على ما يرام سألتمس منها إذا جئتنا أن تجعلك تبقى معنا ، وتقبل خالص تحياتي - ابنك المحب " . .

وابتسمت ( لوسى ) من خلال دموعها فى حنو من الكتابة الرديئة . وقالت : أى دافى بني العزيز ليس من السهل الاتصال بوالدك ! ليت ذلك ممكن . . ! لقد مضت على غياب دونكان ستة أشهر . إثر ذلك الشجار العنيف بينها وبينه الذى لم تدع فيه سيئا فى نفسها لم تقله . لقد التزمت الصبر طويلا حتى لم تعد تطيق صبرا آه ! تلك هي حقيقة ما حصل بينها وبين زوجها . . لقد كان

( دونكان ) زوجها أنانيا فاقدا للشعور بالمسئولية ، أحمق سريع الغضب ولكنها كانت سعيدة معه رغم كل عيوبه تلك ، لقد أحبته وشعرت بالفراغ الكبير الذي تركه فى حياتها بتغيبه ، لقد اختفى فلا تدرى أين هو ، ولم يأت لرؤيتها ولا حتى للسؤال عن ولده وتفقد أحواله كما لم يكتب أو يتكلم اليها ولو تليفونيا ، لقد سافر من غير ان يترك عنوانا له أو أى أثر له ، وكان أحد البنوك يدفع اليه مبلغا من المال فى مطلع كل شهر فسألت الموظف عنه فقال أنه تلقى تعليمات أن لا يخبر أحدا عن مكانه . ! لذا فانهالاتستطيع أن تبعث اليه برسالة ابنها بالبريد .

وتنفست الصعداء وصبت لهاقدحا آخر من الشاى ، لقد آن أن تذهب الى فراشها وترى فى الغد ما يكون ، ولكنها لم تملك ان تساءلت من جديد للمرة المائة أين هو يا ترى ؛ أتراه يعيش وحده ؟ أم بجانب تلك المرأة التى رأتها معه ذات مساء ؟ . . تلك المرأة التى كانت السبب فى ذلك الشجار بينها وبينه ، لقد قال دونكان : انه لم تكن له سابق معرفة بها ، وأنها المرة الاولى التى يتقابل معها بمنزل صديقه ذلك ولكن أحمر الشفاه البادى على خديه المعروقــــــــــــــــين والاضطراب الظاهر فى عينيه يشهد بغير ذلك ، ويجعلها تعتقد أنه يكذب فى دعواه تلك . . !

وانفتح الباب فجأة وبدت لها طلعة دافى ابنها على عتبته ، بوجهه المتورد المستدير ، وعينيه المثقلتين بالنوم وشعره الجعد الاشعث .

ففزعت لوسى فقد اعتاد ابنها ان ينام اثنتى عشرة ساعة ، متواصلة من غير أن يستيقظ ، فسألته قائلة : دافى ؟ لم لا تنام يابني ، أمريض أنت ؟ فهز رأسه بالنفي وقال : أوه ! كلا لقد فقدت الخطاب الذي كتبته ، ورآه فى يدها فاحمر وجهه وقال : انت إذن الذي أخذته ! فقالت : نعم لقد اطلعت عليه ، ونهضت من مكانها وطوقته بذراعيها . لقد كان يبدو فى ذراعيها شيئا صغيرا طفلا قميئا فى بيجامته المرقعة ثم حاولت فى منتهى الرقة أن تفسر له السبب في تدخلها قائلة : ليس فى الامكان أن

نبعث بهذا الخطاب بالبريد ياعزيزى لأننا لا ندرى أين هو بابا ! ! فاتسعت حدقتا الطفل وقال : أنا أدرى أين هو . . فشحب وجه لوسى كأن لم تكن به قطرة دم وقالت : انت تدري ! ولكن أنى لك ذلك ، يا بني ؟ فأجابها على الفور بقوله : لقد قال لى بابا عنه ، لم لم تخبرني بذلك ؟ فقال : انك لم تطلبي الى ذلك . . ! فهزت رأسها دهشة وقالت : هل رأيته ؟ هل رأيته يا دافى ؟ أجبني . . ؟

- نعم لقد جاء يودعني . وكنت انت بالمتجر ولم يكن من المتعين على أن أخبرك بشئ إذا لم تطلبي ذلك منى . أليس كذلك ؟

- كلا . . كلا يا دافى ليس عليك ذلك ما دمت لم افاتحك بشئ مطلقا ، وكبتت لوسى تأثرها وقالت : حسنا قل لي إذن أين هو ؟ أين والدك ؟

- بالمستشفى ولذا فانى كتبت

إليه ليقضي أيام العيد معنا ، لما أعلم من أنك ستسرين من ذلك كثيرا . فستكون هيئته فخمة ولا شك في لباسه الرسمى !

- لباسه الرسمي ؟ أى لباس تعنى ؟ ولم هو مقيم بالمستشفى ؟

- لأنه مريض يا ماما . . وعرفت لوسى القصة شيئا فشيئا ثم أخرج دافى من صندوق ألعابه حزمة من الرسائل التى وصلته من والده ، بعناوين مختلفة ، فتتبعت بها حركات دونكان خطوة فخطوة ، الى حيث نزل أخيراً بمستشفى ملبورن الذي هو به الآن ، ويبدو أن دافى أجاب على كل رسالة من تلك دافعا ثمن الطوابع للبريد من مصروفه الجيــبــي ، وكان روني أسكوت صديقه يعطيه الظروف لها فيلقيها بالبريد عند رجوعه من المدرسة . .

وأوصلت لوسي ابنها إلى فراشه فى اضطراب ، فنام بعد أن دس الخطاب تحت وسادته ، ثم رجعت الى المطبخ فعملت لنفسها قدحا جديدا من الشاى وانهمكت في قراءة كافة تلك الرسائل ، الثمينة ، التى أخذتها من ابنها ، وقضت ساعتين كاملتين توقفت بعدهما عن القراءة ، وقد

اختنق الدمع فى عينيها وبلغ بها التأثر ، ثم تناولت الورق وحررت خطابين أحدهما للمتجر الذي تعمل به ، والآخر لزوجها وقد استأذنته فيه أن تأتي لرؤيته ، إذا أمكن ، وقد استغرق منها الخطاب له وحده

أكثر من ساعة لوصف وتصوير مشاعرها وأحاسيسها نحوه وعندما فرغت من الكتابة ألفت قدميها متخدرتين ويديها محمرتين باردتين لأنـها لم يسبق لها من قبل مطلقا أن حاولت تسجيل ما يجيش بصدرها من أحاسيس وشعور ، وكان معطفها معلقا بالصالة فارتدته في سرعة

وكانت غرفة التليفون على بعد نحو مائة متر من المنزل فهرعت نحوها وأدارت قرص التليفون فاذا الخط مشغول فتقهقرت وهى تكاد تحطم من غيظها القرص الزجاجي متمنية من كل قلبها أن تعرف عن هذا الدخيل الذي وقف دونها وأطال انتظارها لتشفي غليلها منه ، ثم واصلت سيرها الى المستشفى فوجدت من وراء باب

الغرفة الزجاجي ممرضا واقفـــــــــــا ، فقادها الى سرير زوجها فوجدت وجهه مصفر اللون مريضا ، فخاطبته قائلة : أوه ! دونكان لقد حاولت أن أبعث اليك ببرقية فقال : وأنا لكم كنت أتـمنى أن أتحدث اليك بالتليفون ولكن ليس بقربى جهاز تليفون كما ترين !! ودام اجتماعهما ذلك بضع دقائق ، خاضا فيها شتى الاحاديث ،

ثم قال دونكان : لقد اعتزمت أن استقل أول قطار ذاهب إليكم حال سماح الطبيب لى بمغادرة المستشفى لقد جئت الى المنزل يا لوسى لأودعك قبل سفرى وأرى ابنى دافى فلم أجدك . ففكرت أن أختار فرصة

أخرى فأزورك ولكن الجو كان مكهربا بيننا كما تعلمين فعدلت عن ذلك ظنا مني أنك لا ترغبين فى رؤيتى . . - كلا . . بالعكس يا دونكان فلم يكن أحدا أحب إلى من مقابلتك . . !

وارتمت لوسى فى ذراعيه وراحا يشكوان آلام الفراق ويرتويان بنشوة اللقاء ، وكان الطريق خاليا من المارة عندما خرجا من المستشفى فسارا يتأبط أحدهما ذراع الأخر إلى المنزل والتصق بها وهمس اليها قائلا  :

كوني مطمئنة يا عزيزتي فسنظل معا على الدوام ، فابتسمت فرحة بتلك البشرى وبان عليها الاضطراب وهي تضع المفتاح فى القفل . فقام دونكان عنها بفتح الباب ، وكان الخطاب ملقى على منضدة المطبخ ، وقدتم الصاق طوابع البريد عليه ، أما دافي فكان عند دخولهما لا يزال مستغرقا في نومه ويده البضة ظاهرة على الغطاء . وكانت أصابعه لا تزال ملوثة بالحبر من كتابة الخطاب . .

اشترك في نشرتنا البريدية