الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

قضية الانسان في أدب المسعدي

Share

تمثل منزلة الانسان فى الوجود والحياة محور أدب الاستاذ محمود المسعدى فى مؤلفاته الثلاثة : (( حدث أبو هريرة قال )) و(( السد )) و(( مولد النسيان )) ولا يستدعى هذا الامر استدلالا قويا . فقد صرح المؤلف نفسه فى مواطن عديدة من مقالاته أو محاضراته بأن (( الادب هو العبارة الشاملة عن الانسان )) و(( الادب هو تحقيق للمنزلة البشرية )) و(( الادب هو العبارة الجامعة - أى المعبرة عن جماع انسانية الانسان )) و(( لا انسان بلا أدب ولا انسانية بلا أدب )) . وجملة هذه الصيغ تقيم الدليل على مدى ارتباط الادب بالانسان فى الحياة والوجود فى نظر المسعدى .

والواقع فنحن لا نريد أن نناقش طويلا هذه المسألة - أى صلة الانسان بالادب ، فذلك يقودنا فى الحقيقة الى تحليل مفهوم الادب لدى هذا الكاتب الكبير وما له من علاقات أخرى تتصل بمفهومات الثقافة والفن والفلسفة . وليست غايتنا أن نقنع القارىء بأن قضية الانسان فى أدب المسعدى هى وحدها التى تمثل الاشكالية الاساسية . ذلك : إن ما كتبه المسعدى له من الخصوبة والتنوع والتعقد ما يجعل الدارس يواجه فى الآونة نفسها جملة من المشاكل منها ما يتعلق بالاسلوب وأخرى تتصل بالمضمون الفلسفى وابعاده الواقعية أو تلك التى تخص علاقة الشكل بالمضمون .

وغاية ما نطمح اليه فى هذه الدراسة القصيرة أن نتبين موقع الانسان الاشكالى انطلاقا من آثاره الثلاثة الآنفة الذكر . وتمثل هذا الموقع أو القضية يقودنا الى تصور أطر عامة تتلخص فى ثلاث نقاط جوهرية :

1) الانسان فى ميدان التجربة باعتبار أن التجربة تشكل جوهر الممارسة الانسانية . 2) تحقق العلاقات الاساسية فى الوجود الانسانى . 3) أشكال تعامل الانسان مع الاطر المكانية والزمانية على أساس أنها تحدد حيز التجربة الانسانية .

إن ما يلاحظ أن المسعدى صور الانسان فى جميع مؤلفاته الابداعية وهو منهمك فى صلب الممارسة والعمل - أو على حد تعبير الاستاذ القليبى - فى ميدان الفعل ساعيا الى تحقيق ذاته . فغيلان فى السد يعمل باصرار وعناد على تجاوز العراقيل والحدود الظاهرة والخفية من أجل أن يقيم سدا يحيى به الارض القاحلة تلك الارض التى يخضع سكانها الى صاهباء - ربة القحط واليبس - ومع أن الاحساس بالضعف ما انفك يلازمه فانه أنكره ولم يستسلم اليه بل ظل متماديا يختبر امكاناته الذاتية غير ملتفت الى ما يقيمه المجتمع أو الآلهة من عوائق عادية . وكذلك الشأن مع أبى هريرة فقد صوره المسعدى يخوض غمار ألوان من التجارب فى الحياة . بدأ بتجربة الحس أى الانغماس فى مطالب الحياة المادية الحسية ثم انخرط فى تجربة الجماعة وتجاوزها الى ممارسة التصوف والجنون . وأبو هريرة فى انتقاله من تجربة الى أخرى يمضى فى الواقع الى امتحان أشكال متجددة من المفاهيم للحياة مدفوعا برغبة متوقدة الى البحث عن كنه الحياة وسر الوجود . ولا يشذ فى (( مولد النسيان )) مدين عن هذا الهدف .. فقد انصرف يسعى الى اجراء تجارب طبية لانقاذ حياة البشر من آفات العلة والموت . ولما لا يتم له الامر ينفذ التجربة على نفسه يقوده الطموح الى الخلود .

وكائنة ما كانت هذه التجربة والممارسات التى تخوضها شخصيات أدب المسعدى فان تساؤلا آخر يواجهنا : فما هى طبيعة هذه التجربة ؟ وما هى معطياتها ؟

والواقع أن الفكر الوجودى هو الذى طرح هذه المسألة على بساط البحث ، أى طبيعة التجربة الانسانية . وهو الفكر الذى يأخذ المسعدى بكثير من مبادئه وتصوراته وحسبنا فى هذا المجال أن نقول : إن الوجود الانسانى لا يتحقق الا عبر الممارسة وحدها . ولذلك فهى تعتبر الميدان الفعلى الذى يجسد

الحياة الانسانية وهذا يعنى أن الانسان لا يستقبل الحياة والوجود بشكل سلبى أى بدون تفاعل مع هذه المعطيات فى واقع الوجود . وتنحصر تلك المعطيات فى كون الانسان فى أدب المسعدى يتواجد ضمن نسيج معقد من العلاقات تشكل جزءا لا يتجزأ من الوجود الذاتى . وأولى هذه العلاقات ما يربط بين الرجل والمرأة . وتتخذ هذه الرابطة شكلين أساسيين : الزواج والحب. فعلاقة الزواج أو الحب تجمع فى السد بين غيلان وميمونة وبين أبى هريرة وريحانة فى (( حدث أبوهريرة قال.. ))ومدين وليلى فى ((مولد النسيان)) واذا كان الرجل يمثل البطل الفاعل فى الاحداث فان المرأة تبدو دائما تابعة ، خاضعة لا تقوى على المجابهة . بل أنها أقرب ما تكون الى المرأة التقليدية . فهى البيت يسكن فيه الرجل . (( قالت ريحانة تخاطب أبا هريرة )) : - (( وما الراحل بك عنى ؟ قال : كره البيوت . وقد كنت بيتا فكرهته )) . وتظهر فى هذا المجال كأنها قيد يحرم على الرجل - الزوج حرية التحرك . بيد أن هذا القيد لا يستطيع أن يحقق غايته . فقد عجزت ريحانة عن استبقاء أبى هريرة الى جانبها ، فتركها وانصرف . وفشلت ميمونة فى حرصها على معاشرة غيلان لما قرر بناء السد وكذلك شأن ليلى حين هجرها مدين وراح الى الغاب وراء رنجهاد . وتنطوى هذه العلاقة على خيط آخر يمثله الجنس . وتلوح المرأة جسدا عاريا أمام الرجل تلهب فى احشائه الغريزة الجنسية وتوقظ فيه الرغبة الى التمتع فتنفجر فيه ثورة الجنس . فقد أرادت ميمونة أن تبقى عارية مع غيلان لا يفصل بين جسديهما فاصل من لباس حتى تصرفه عن الفعل . وريحانة ذات حسن غريب كان فى عينها قارا .. وبفيها ماء حميما أرادها فى يوم من أيام الربيع وقد تبرجت كعوبا . فدللته ولاعبته وكذلك ليلى لم تزل تغرى مدين حتى وقع لها ذات فجر (( وطلع الفجر فطلع مدين على ليلى . فقام عند رأسها وقال : هذا حسنك لا يزال عليك أرى فيه سناء الحياة يا ليلى . قالت : نحن كذا .. اجعل وجهك يا مدين على وجهى . فانحنى فعطف على وجهها . وملأها بعينيه وجالت نفسه فيها . وانتشر النور وردا وضحا )) .

ولا مراء فى أن الجنس فى أدب المسعدى يحتل مكانة هامة . ولا تتجلى هذه الظاهرة على صعيد العلاقات البشرية فحسب بل تلمسها شائعة تتحكم فى تصرفات الاشخاص وعلاقاتهم بمحيطهم وفى لغتهم . صحيح كذلك أن هذه الرابطة الجنسية بين الرجل وللمرأة فى كتابات المسعدى تندرج ضمن تصور معين للحياة . فهى رمز من رموز الارتباط بالواقع والرضى بالحياة تعطى للانسان يستقبلها ويطمئن اليها . غير أن فشل الابطال فى تحقيق هذا

التصور ينعكس مباشرة على صلاتهم بالمرأة . فيثورون عليها ويطمحون إلى التحرر من سيطرة جسدها وجماله فقد ترك غيلان ميمونه وأحب ميارى وانصرف مدين عن ليلى وأحب رنجهاد وخلى أبو هريرة ريحانة وأحب ظلمة . وهكذا فهروب الابطال من المرأة يقودهم الى الوقوع فى أحضان نساء أخريات، ألا يشكل هذا ضربا من التناقض ؟ وكما أن العلاقة الاولى تمثل معنى من معانى الحياة فى مرحلة معينة من مسيرة الابطال فكذلك النمط الثانى يعتبر انعكاسا لمفهوم جديد للحياة ، والمرأة فى هذا المجال تمثل رمزا للطموح والتجاوز وتوقا الى المطلق وتحسيدا للحرية . ((  وذهبت رنجهاد بمدين متوغله فى الغاب فقطعت به مسافات كأنها العصور طولا وخيل لمدين أن له جناحا وأنه يطير فى الزمان )) . ولئن كان الامر متناقضا فى التعامل مع المرأة فذلك يعود الى توظيف ما ترمز اليه المرأة فى رؤية الكاتب . والرمز يحمل أكثر من معنى . فالمرأة فى أدب المسعدى : هى المرأة الزوجة والمرأة العشيقة والمرأة المثال .

ثمة ميدان آخر تتحقق فيه تجربة الانسان الوجودية فى أدب المسعدى لا يقل شأنا عن تجسدها فى اطار العلاقة بالمرأة بكل ما ترمز اليه من مدلولات . ذلك ان الانسان فى هذه المؤلفات الثلاثة يمارس الحياة فى اطار المجتمع باعتباره قوة تفرض وجودها عليه وهو مطالب بتحديد موقفه منها . والمواجهة تجرى فى واقع التجربة بين الانسان الفرد والمجتمع ككيان كلى . ومع أن الموازين ليست متعادلة فان غيلان أراد بعناد ومثابرة أن يحرر المجتمع من سيطرة الآلهة صاهباء حتى يستطيع أن يسخر خيرات الارض لفائدة الناس. فأقام السد وجند العمال لا تثنى عزمه العراقيل والحدود . (( ليس فى الحدود والعراقيل حد واحد ولا عقال واحد يعجز عن كسره العزم )) .

وبالرغم من أن أبا هريرة فشل فى تجربة الحس فانه وجد مجالا آخر فخاض غمار تجربة الجماعة وهيأ الخيرات للناس ودفعهم الى العمل والجهاد ولكنه اصطدم بحقيقة أخرى مؤداها : أن البشر يتهالكون على متاع الدنيا ويقصرون وجودهم على طلب الملذات الحسية فيقتلون بعدا آخر فى ذواتهم . وتمثل هذه التجربة فى الواقع تحقيقا لشخصية أبى هريرة ولكنها وردت فى اطار المجتمع . بحيث يصير من الصعب التفريق بين ما هو ذاتى وما هو اجتماعى . ونفس الوضعية مر بها مدين فى مولد النسيان فقد وجد سكان القرية أسلموا أمرهم الى الساحرة فأراد أن يحررهم من الاذعان والاسلام فأقام لهم مستشفى لمعالجة أمراضهم (( نعم لقد كان فى نفسه حين جئنا هذه

البلاد شعلة الانبياء ، يريد محق الامراض واحياء الموتى . وأقمنا المارستان ونشرنا على الناس الدواء . وقلنا : اسلامكم للعلة ضعف أيها الجبناء )) .

إن ما يلفت النظر فى هذه التجارب جميعا أنها تسفر عن خيبة مريرة وهزيمة وتكون النهاية ضربا من المأساة تهز كيان ابطال المسعدى . فهل يعنى أن الانسان فى اعتقاد الكاتب مقضى عليه بالفشل والاخفاق فى صراعه مع قوى المجتمع .

إن التحليل الداخلى لهذه الآثار من ناحية تقدير موازين القوى فى صراع الانسان فى كتابات المسعدى يكشف أن الانسان يجابه فى الحقيقة مصاعب خطيرة . ذلك أن الآلهة والقوى المجتمعية المؤمنة بها تتحالف للقضاء على ارادة البطل وتنجح فى تحقيق هذا الهدف . غير أن الكاتب الى جانب ذلك قد رسخ احساسا فى نفسية أبطاله جعلهم لا يواجهون قوى الغيب والمجتمع بل يجتازون امتحانا عسيرا مع ذواتهم أى الشعور بأن الموت والفناء يضعان حدا للحياة الانسانية بما فيها من طموح نحو الكمال . وأيا كان اقرارهم بتحدى الموت فهم لا يستطيعون انكار هذه الحقيقة .

يسأل غيلان ميمونة قائلا : (( مم الخوف . ميمونة ، ولو مت يا غيلان ؟ )) .  غيلان : انا لا أخون ما أعده بنفسى من الاعمال والموت خيانة . ميمونة : لو مت مع ذلك الموت لا يبالى بالبقاء ، بالوعد . غيلان : سؤال ولا وجه للسؤال : نحن لا نموت الا فى آخر القصة .

ونفس التحدى والخوف نلمسه فى الحوار بين مدين وليلى : ليلى : تريد أن تقتل الموت يا مدين - مدين : نعم يا ليلى . ومع هذا أريد أن أقتل الموت لان الابد واجب والحياة كرهت عينى أن لا تصيب الا جثث الموتى . ونفسى لا يقع لها الا معانى الموت والفناء . صارعت الموت وناصرت الحياة ! .

وسيرة أبى هريرة أيضا لم تكن فى جوهرها الا جهادا من أجل الحياة وما تجاربه الا أشكال من الصراع ضد الجمود والسكون باعتبار أنهما يمثلان الموت . وما افاقة أبى هريرة فى بداية الرواية الا احساس حاد ووعى عميق بجوهر الحياة . كان فيما مضى يمارس حياة هى الى الموت أقرب .. أجل إنه يسعى الى تحقيقه كيانه الذاتى ولكن نفسه تنطوى طول هذه التجربة على

شعور داخلى يهدده بالفناء . فانطلق فى مغامرة شاملة هى المغامرة الوجودية . ان البعث هو أبلغ تعبير عن صراع أبى هريرة ضد الموت . ألم يكن قبل ذلك منعدم الوجود . ألا يمثل ذلك ضربا من ضروب الصراع ضد الموت أيضا .

إن الحياة الانسانية فى أدب المسعدى تقوم على أساسين متناقضين : إما الاستسلام أو التمرد . وكلاهما يتنزل فى اطار ذى بعدين : زمانى ومكانى يحدد مجرى التحريرية الانسانية والمصير بشكل عام ولا تقع الحياة خارج هذين البعدين . الولادة والموت ( الزمان ) والطبيعة والوجود ( المكان ) . فلا بد حينئذ من فهم صور العلاقة التى تربط بين الانسان والمكان والزمان فى أدب المسعدى وتبين اشكال التعامل بينهما وهى على أنماط ثلاثة :

التعامل الوجودى . التعامل الجنسى . التعامل الصوفى .

إن المكان فى أدب المسعدى يمثل عائقا أمام الارادة الانسانية . فالطبيعة تقوم حائلا فى وجه الانسان دون رغبته فى تحقيق ذاته . وكائنة ما كانت طبيعة المكان ( جبال ، صحارى ، أودية ، غابات ) فانها تفرض عليه نمطا معينا من الحياة . وتتخذ علاقة الانسان بالطبيعة شكلين رئيسين : علاقه خضوع وعلاقة تمرد وتحد . فالجبل فى المنظر الاول فى مسرحية السد ليس مجرد اطار طبيعى انه فى ثباته وبروزه يمثل تحديا للارادة الانسانية (( منطق الجبال بصغر عندها الانسان )) و(( على منحدر جبل أخشب ، غليظ ، حزيز ، نباته كالابر وأرضه ظمآى وغباره كثير وسماؤه صفراء )) وهذه الصورة الطبيعة ليست مجرد وصف لمكان انها تعنى وقوفا فى وجه غيلان وتحديا واستفزازا بدعوه الى التغيير . (( انظرى يا ميمونة الى هذه العين البديعة تنفجر عن جنب الجبل كيف تركوها منذ آلاف السنين تذهب فتغور مياهها وحياتها فى الهاوية بمنقطع الوادى ، وانظرى مياه المطر لا تسح الا على الجبل . كيف تركوها منذ آلاف السنين تسيل فتنحدر فتلحق مياه العين فتذهب فتغور فى لهاوية بمنقطع الوادى )) . وأبو هريرة يسقط فى آخر القصة من أعلى جبل وتضع الطبيعة حدا للوجود الانسانى : (( وعثر فرسى حتى كدت أقع على وجهى . فنظرت فاذا نحن وصلنا جبلا حزيزا صعودا لا أكاد أرى . فقلت : أتريد بنا شرا . قال : كلا . انما أطلب النهاية وذهب صاعدا وذهبت وأنا لا أكاد أرى أمامى شيئا لشدة الظلام . فلما أصبحت نظرت فاذا أنا على قمة

جبل يكاد يبلغ السماء . واذا دم على صخر )) . يمكن أن تدل هذه النهاية على تسامى الانسان . ولكن تبقى الطبيعة ويموت الكائن البشرى ويبقى الجبل شامخا ويتحول مدلول التسامى الانسانى الى تعبير عن المأساة النابعة من صراع الانسان مع المكان .

غير ان الطبيعة تنطوى فى أدب المسعدى على سر مثير . فالصحراء بامتدادها وانبساطها وتراميها فى الآفاق تلقى عليها الشمس أشعتها الاولى أوان الفجر تخفى حقائق كثيرة . فقد استطاع أبو هريرة أن يدرك فى عيشه الاول بالصحراء المعنى الحقيقي للحياة . ان اللقاء بين أبى هريرة والصحراء يمثل تحولا جوهريا فى مساره الوجودى . واكتشف فى جانب الصحراء معنى الجمال باعتباره سرا من أسرار الوجود التى كانت خافية عنه فبعث فيه حياة جديدة . إن الحمال البشرى المجسد فى جسمى الفتاة والفتى كان بدوره مبعث الوعى لدى أبى هريرة . ولكن الجمال يفقد معناه بدون الالتحام بجمال الطبيعة. ولعل المسعدى يعير وصف آيات الجمال فى الطبيعة اهتماما خاصا انما يصدر فى كل ذلك عن اعتقاد بأن الكون ينطوى على أسرار خافية عن عامة الناس واستيقظت فى روح أبى هريرة رغبة عارمة بعد هذه التجربة الى ممارسة حياة البدعة وانفتحت أمامه آفاق جديدة كتلك الابعاد المترامية فى فضاء الصحراء . ومن هنا انطلقت تجربته الوجودية فى مسارها الطويل .

وفى مولد النسيان نصادف الغاب شكلا آخر من أشكال المكان يتعامل معه المسعدى من منطلق وجودى . فرنجهاد الساحرة تسكن الغاب ، سعى اليها مدين فى مكمنها . ولما اشتدت حيرته الوجودية فى بحثه عن دواء الخلود لم يجد بدا من المغامرة فى الغاب . ((وقام مدين كمن تيقظ فيه داع جبار لا ترد له قوة وتوتر واشتد . فأدركت ليلى انه تاق إلى الغاب . فقالت : انى أجد الغاب يدعوك فاذهب يا مدين ودعنى : فهو عشي تحن فيه النفوس أن تطلق من عقالها فتذهب سائمة على وجهها ناشدة قرارها المفقود وقبل أن يسمعها ارتمى الى الغاب وطلق شئ فى نفسه . وسمعت ليلى من الغاب رقيق توق ودعوات عظاما وأحست منها كشديد العناق وذهب مدين كالمسرع الى الوصال ودخل تحت شعور الاشجار كالداخل على عرائس أبكار )) .

إن علاقة الانسان بالمكان فى أدب المسعدى تكتسى طابعا جنسيا . واستقراء بعض التعابير فى النص السابق من مولد النسيان كالوصال - العناق - عرائس أبكار .. ) يدل دلالة قاطعة أن الانسان يتعامل مع المكان

من منطلق جنسى بحت . لقد أحال غيلان ومدين وأبو هريرة الطبيعة الى موضوع جنسى . فيجد أبو هريرة فى لمس رمل الصحراء (( كمس لطيف النهود )) ويقول مخاطبا صاحبه فى موضوع آخر : (( أتعلم أنى اشتريت لى ضيعة أخرى . قلت : على بركة الله . قال : نعم على بركة الله . وأما الاولى فقد جعلت فيها من يحبلها حتى تلد وكتبتها له )) . ولما ثارت الطبيعة وتصاعدت فيها الريح والحر قالت ليلى : (( هذا الجنون قد عاود الكون . والله ما رأيت كهذه الارض أنثى تضبع وتعوى من قلة الصبر . أفليس فى الآلهة ذكر فحل يستطيع الضراب ؟ )) وذلك شأن غيلان حين يستعصى عليه الفعل فى الارض: (( هذه الارض المتجعدة المغبار كالعجوز الفاجرة لأحبلنها ماء فاملأن بطنها فاخرجن حياة )) .

إن مثل هذا التعامل لا يكون فى الواقع الا نتيجة الكبت . فأبطال المسعدى مكبوتون جنسيا . ومصدر هذا الكبت يعود الى مصدرين : فعلاقة الرجل بالمرأة متوترة لا تحقق الاتصال السوى . فكلاهما يعانى قهرا جنسيا متواصلا فى كثير من الاحيان . بل ان البطل يفرض على نفسه حرمانا ذاتيا . فيقمع  غريزته ويتسامى بها نتيجة رغبته فى تجاوز المصاعب التى يواجهها فى حياته . ويبدو أن المسعدى ينطلق فى هذا المجال من قناعة مؤداها أن الغريزة تلعب دورا حاسما فى الحياة وهى حقيقة أساسية لا يجوز تجاهلها باعتبار أنها تمثل مبدأ فى الحياة البشرية أى نبع الحياة .

غير أن التحديات فى وجه هؤلاء الابطال متعددة ولا تقوى الارادة الانسانية على مطاولتها . فقد ثارت صاهباء وقمعت ثورة غيلان وانهدم السد وخاب أبو هريرة فى تجاربه وأخفق مدين فى اكتشاف دواء الخلود . إن الهزيمة لم تكن كافية لتقنع الابطال بالاستسلام . فالإرادة البشرية لا تنكسر . ففى امكانها أن تعتنق نظرية جديدة وتتبنى تفكيرا جديدا أساسه أن الايمان بواقع الحياة المادية ( الحس ) هو اعتقاد مضلل ومن ثمة راح المسعدى يلتمس مسالك جديدة ليخرج أبطاله من المآزق التى تورطوا فيها ويلقى فى الحلول الغيبية التصوفية مجالا رحبا . فيختفى الابطال عن العالم بشكل عجيب بدعوى الاتحاد أو الذوبان فى الكون . فنهايات المؤلفات الثلاث واحدة تقريبا :

فهى فى السد على النحو التالى : غيلان وميارى ( يتعانقان ) : لنعلون برأسينا ولنفتحن لهما فى السماء بابا ( يرتفعان وقد طارت بهما العاصفة ) .

وفى مولد النسيان : (( وهتفت رنجهاد قامة ساحرة . ما الذى قعد بك يا مدين ؟ ثم لوت فاسودت . وظهر لها جناحان فنهضت وصفقت ثم قامت كالسحابة المغمة ودخلت فى عالمها )) .

والنهاية نفسها فى حدث أبو هريرة . قال : ولم يكد يتم كلامه حتى حث فرسه وأرسله كالريح . فأسمع حوافره على الصخور كالرعد وعاب عنى فى الليل . وتتفق الخواتم كلها فى غياب البطل عن واقع الحياة ، وبذلك يتدعم انتساب المسعدى الى الفكر المثالى ذلك الفكر الذى يقدس الروح ويلغى جميع القيم غيرها .

وتصور المسعدى لعلاقة الانسان بالزمن يندرج ضمن هذا التفكير المثالى . ويظهر أن المؤلف خص مولد النسيان بتحليل هذه العلاقه او الصراع بين الانسان والزمان . ويتغير بسيط يمكن أن نحدد مفهوم الزمان بكونه الحركة . وشكل هذه الحركة قوة تقود المصير الانسانى الى الفناء ولا بد حينئذ من مواجهتها باعتبارها نقيضا لطموح الانسان الى الخلود والوعى بهذه الحقيقة يمثل فاجعة فى وجدان مدين . فقد طلب الخلود من وجهين : الطب والسحر . يقول : (( لا بد من حذف الزمان مقوما للحياة فهو الذى أوجد الحركه والذى ثورته الحركة هو النفاذ يا ليلى . لانه كل متحرك فاسد نافد . وان الزمان لكالرحى الدائمة الرحى ولا بد من كسرها حتى تأمن الحبة ويطمئن الكيان )) .

بيد أن الزمان ليس حركة طارئة على الحياة . إنه حركة دائمة أبدية ، حتمية . إنه سنة من سنن الكيان والتمرد على هذه القوة يعنى رفضا لقانون من القوانين التى تسير بمقتضاها الحياة البشرية والمواجهة تعنى (( كسر الزمان أو تشويش دواليبه حتى يختلط ويهذى كالسكران طوعا أو كرها ولان الزمان يصير الحياة إلى الفناء ولان الموت تجسيد لهذا المعنى . فالموت يعد سرقة وافتراء واحتيالا لان الارادة الانسانية تتوق الى البقاء الدائم .

إن التعامل مع الزمان يتنزل فى اطار ماورائى . فالتمرد هو فى الحقيقة تمرد على قوة مجردة . ومن هنا يكتسب الصراع وجها آخر فى مولد النسيان. فاذا أمكن للانسان أن يقضى على الزمان - مقوم الحياة - فهل يستطيع أن ينتصر عليه بعد الموت . هل تستطيع الروح بعد فناء الجسد أن تتحرر من الزمان . إن العود الى مولد النسيان مفيد فى هذا المجال . فالزمان يلازم الروح أبدا يبقى يسكنها ويذكرها بالحياة (( فكأنى بالروح وقد تخلصت من

الجسد واجتازت الدنيا الى الآخرة فذهبت هائمة يسكنها الزمان وتحيرها الذكرى ويزورها ما انقضى من حياتها ويتحرك فيها ما ضاع من آراء وأحلام وأفراح إلى الابد . فاذا همت أن تقف وتستريح لدغتها عقرب الزمان فسارت )) . ظل مدين يطلب الموت . لان الموت هو الكمال - الاستقرار والسكون - أو لما كان الزمان وراء موت الجسد فان الصراع مع الزمان دائم . الموت ليس ذروة الآلام وكمال الحياة والراحة الكبرى . الموت تشويه للحياة اذن . فماذا يريد المسعدى ؟ يبدو أن الغاية المنشودة ليست فى الفعل ولا الحركة طبعا وانما هى نقيض ذلك أى طلب السكون والعدم . (( علمت أن الاموات تصارع الزمان صراعا . وقلت : الفعل من الحركة وليس مثلها عذاب ولبس كالزمان محرك . ثم قلت : أليس أن فى الوجود اعتدالا ؟ أليس الحى والكون كله توقا الى اعتدال السكون واجب الوجود ؟ فان بلغه الحى كان الاسلام والجمود وكان الشفاء والابد الخلود . فهل ترين للعدم بداية أو طولا أو نهاية ؟ أليس هو ضد الزمان . أليس هو أبد الأبد ؟ القرار الذى لا يتغير ولا يتحرك ولا يحدث ولا يزول الكل فى حضرة الكل ليس لحقيقته اسم ولا لابعاده حد )) .

ومدين كان يستهدى بهذه الرؤية فى صراعه مع الزمان وراح يقاومه بالطب والسحر ولما أخفق الطب انصرف الى رنجهاد لتمنحه سر الخلود واستطاع أن يكتشف دواء الخلود وما أن شربه حتى فاضت روحه . يبدو أن المسعدى فى نظرته للانسان واقع تحت تأثير فلسفتين : اسلامية شرقية ( هندية ) فقد استمد هذه الرؤية من الفكر الاسلامى من الجانب التصوفى فى مقولته واجب الوجود واستلهم فكره السكون من الفلسفة البوذية التى ترى أن الكمال لا يتحقق الا فى الاستقرار الأبدى والتأمل الدائم .

إننا نخطئ كثيرا حين نعتبر أن قضية الانسان فى أدب المسعدى هى قضية مطلقة . فالانسان بقضاياه يوجد فى نقطة التقاء بين خطي الزمان والمكان . وليس من الهين الفصل بينهما ، فالزمان هو التاريخ ولا يوجد تاريخ خارج المكان. كما أن الحياة لا يمكن أن تقع خارج هذا الاطار وعلى هذا الاساس فان قضية الانسان فى أدب المسعدى سواء ما اتصل منها بالممارسة والتجربة أو التحقق الوجودى والتعامل مع معطيات الكون مرتبطة بحيز زمانى ومكانى . فالفترة التاريخية والحضارية التى كتب فيها المسعدى شهدت أعنف الازمات فى التاريخ المعاصر الوطنى أو العالمى . فقد بدأت رياح التغير تهب على المجتمع التونسى على الصعيدين السياسى والعمالى فى ذلك الظرف التاريخى وكانت ارادة

التغير تسيطر على العقول والنفوس ولم يعد التراث يملك تلك القوة المسيطرة ولم يعد بامكان الاستعمار التحكم بشكل ولو قمعى فى الاوضاع ولا بد من تنزيل هذه العوامل فى اطارها الحضارى أى فى مجتمع تونسى ما يزال يعانى من سطوة الطبيعة والحكام الشئ الكثير ولابد ان المسعدى المثقف كان يتفاعل مع هذا الواقع بكل تناقضاته فى جميع مستوياتها وأبعادها المحلية والعالمية. وكان لهذا التفاعل صداه القوى فى نظرته للانسان . فالانسان فى أدب المسعدى يلاقى مصاعب جمة . وتكلل هذه المواجهة ملحمة الوجود الانسانى وتعبر عن مأساته (( الادب مأساة أو لا يكون )) وفى امكان المسعدى أن يصور أبطاله يتحدون هذه الصعاب ولكنه أبى أن يصور أبطاله الا مهزومين فى نهاية مغامراتهم . وثمة مفارقة غريبة فى هذا الاطار . ذلك أن المؤلف لا يعترف يفشل أبطاله باعتبار أنهم يطمحون الى تجاوز امكاناتهم الذاتية لينطلقوا الى المطلق ويتحرروا من الوجود المتحقق الى الوجود المتغيب .

إن هذه النهاية هى اشكالية الانسان الحقيقية فى أدب المسعدى . فالدارس يلقى نفسه فى خاتم المطاف حيال انسان يغامر من أجل تحقيق كيانه الى الحياة . ويلاقى من أجل ذلك ألوان العذاب وينهى بانفصال عن واقع الحياة وينخرط فى عالم التصوف .

اشترك في نشرتنا البريدية