لما تأزمت قضية فلسطين ورأى ساسة العالم خلال رمادها وميض نار بدأوا يد ركون أنها قضية خطيرة معقدة لا تحل بالهوى والارتجال . وان وراءها رجال عاهدوا االله لتحلن هاته القضية حلا عار لا نزيها يرضي الضمائر والكرامات ويقنـع المنطق والانصاف او ليموتن فى سبيلها موتا كريما هو السبيل الى الحياة الحرة السعيدة للاجيال القادمة وللرفات الراقد فى الاجداث .
وقد كانت الدول الكبرى تظن ان اليقظة العربية ما تزال حلما من الاحلام يدور فى رؤس بعض رجالات العرب ثم لا يتعداها الى المضطرب العربي الواسع ؛ ولهذا فهن تعبث بالشعوب العربية وتلهو بمقدراتها ما شاء لها العبث واللهو ما دامت تلك الشعوب ما تزال تغط فى نومها العميق .. ومن اين للنائم ان يبصر ومن اين للخامل المطمئن الى الحياة الوادعة والسكون ان يثور على الضيم وان يختار خطوط النار على الحياة الناعمة المطمئنة ?
هذا هو الظن الاثيم الذى كان يساور نفوس ساسه الدول الكبرى فى الغرب وهذا هو منطق القوة الغاشمة مع الضعف المستكن تنكيل بالضعيف وتجاهل لحقوقه الواضحة . وتواطوء مع القوى وتثبيت لادعاءاته الباطلة ، فمادام العرب امة وديعة تؤثر السلامة وتركن إلى الراحة فان حقها هضيم لانه حق ليس له انصار يذبون عنه ويذودون عن حياضه .. وما دام اليهود ذوى قوة اقتصادية وذوى نزعة اجرامية مخيفة فان باطلهم حق واساءتهم احسان
هكذا كانوا يظنون . وعلى أساس هذا الظن الخادع قرروا مقرراتهم الطائشة وقسموا فلسطين قسمة ضيزى بين العرب واليهود. العرب اهل فلسطين الصرحاء واصحاب الحق الكامل فيها . واليهود الدخلاء المجرمون الذين لا يقوم دليل واحد لهم على حقهم فى انتزاع فلسطين من ايدى اهلها ،وماذا يضير التقسيم مادام لا يثير غبارا فى وجه العالم المتمدين ،ومادام لا يرتفع صوت قوى فى سبيل استنكاره، بل فان هذا التقسيم سيكسب مؤيديه اصواتا ترشح للرئاسة فتضمن الفوز .
واموالا تتسرب الى صناديق الحزب وصحفه فتضمن النجاح للحزب على مناوئيه ، وما على مؤيدى قضية التقسيم من حقها او باطلها ! ، فلتكن حقا محضا و لتكن باطلا خالصا . فالمهم ليس ذلك ولكنه الثمار التى تجنى من وراء تأييدها ، وعلى هذا الاساس العادى الخاطئ ايد قضية فلسطين من ايدها من المؤيدين ابتغاء لجر مغنم اورغبة فى دفع اذى : ولكن العرب خيبوا ظن اولئك الظانيين واثبتوا انهم ليسوا بالغافلين عما يبيت لهم . وليسوا بالامة المهينة التى تغمض الجفن على القذى وتبتاع الاهانة فى ذل واستسلام ودللواعلى براعة وحكنة فى السلم وفى الحرب كانتا نتيجة لدراسة وتعليم وتجارب واستخلاص للعبرة من مواطن الاعتبار فمن ظن ان الشعوب العربية لا تزال شعوبا متاخرة عن ركاب المدينة السائر . منقسمة على بعضها ما يتطلع حكامها وزعماؤها الا الى مناصب الحكم ومناعم الحياة وما تسير كافتها الا فى ركاب الحكام والزعماء مهما اعتسفوا وجانبوا الطريق السوى من ظن مثل هذا الظن الخاطئ فهو مخدوع واهم . الشعوب العربية قد استيقظت من سباتها ونفضت عنها غبار القرون الجامدة
وعادت شعوبا مثقفة مستنيرة قوية طموحة حادة فى بناء حاضر يليق بالماضى الضخم الذى بناه اسلافها العظام .
وحكام العرب وزعماؤهم . هم رجال عركوا الحياة وذاقوا حلوهاومرها وخبروا الوقائع فعرفوا ان العروش والمناصب لا تقوم الاعلى اكتاف الشعوب الراضية المختارة وان كل عرش ومنصب لا يقوم على مثل هذه الدعائم القوية سيصيرحتما الى الانهيار . فخلطوا نفوسهم بشعوبهم وخدموها كما خدمتهم ومشوابها قدما الى الحياة القوية السعيدة التى لا يتعالى فيها حاكم على محكوم ولا يخرج محكوم على حاكم .
على اننا قد نلتمس بعض العذر لاولئك الظانيين فيما يظنونه بالطبيعة العربية هذه الطبيعة السميحة الصافية الميالة الى الخير المؤثرة للسلام . فان هذه السجايا الانسانية الرفيعة قدغرتهم وصرفتهم عن استكناه حقيقة تلك الطبيعه النبيلة الابية: ان العرب يجنحون الى الخير ولكن فى غير ضعف ، ويؤثرون السلام ولكن فى غير خور وهم مضيافون ولكن فى غير اباحة للذمار وتاريخهم الطويل حافل بضرب الشواهد على ما تقول : فليست هناك امة على سطح هذه الارض تابي الضيم وتتمرد على الهوان كالامة العربية افرادا ومجموعه . واذا كانت قد غفت قليلا بعد جهاد طويل نزولا على احكام ناموس الكون المطاعة ككل امة مجيدة ذات ماض حفيل فان الغفوة ليست دليل نضوب الحيوية واندثار الخصائص الاصيلة بل هى استجمام بعد تعب يعقبه انبعاث نشيط متدبر .
ان اليهود قوة عالمية ما فى ذلك ريب . ولكنها قوة هدامة جنودها الشر والاجرام وهدفها الفساد والتدميير اما العرب فهم قوة عالمية بناءة عاملة لخير البشرية مساهمة فى اداء رسالة السلام والهناء للعالم . فمن لم ينظر الى العرب بهذه النظرة الصحيحة فانه مخدوع فى الحقائق ومصروف عنها . ومن اجل ان نبرهن على ما قلناه عن الطبيعة العربية مسالمة ومحاربة ومنصفة نشير فيما يتعلق بانصافها الى موقف مندوبى الدول العربية بهيئة الامم المتحدة فقد تقدموا الى هذه الهيئة باقتراح ينطوى على كثير من المنطق - وسداد الاتجاه . وذلك بان تقبل كل دولة من الدول المشتركة فى الهيئة من مهاجرى اليهود عددا يتناسب مع ٣٤٦
تعداد نفوس رعايا تلك الدولة ومساحة اراضيها بما فى ذلك الدولة العربية وبهذه الوسيلة يتهيا لكل يهود العالم المشردين وطن يتفيأون ظلاله ويعيشون بين اهله نفس معيشتهم وينالون نفس حقوقهم ويتقيدون له بمثل الواجبات التى يتقيدبها المواطنون الاصليون ولكن هذا الاقتراح على وجاهته وانصافه رفض - بكل أسف - من اعضاء الهيئة بما فيهم انكلترا فدل رفضهم على مبلغ تعسفهم واجحافهم بحقوق العرب فى هذه القضية العجيبة واصرارهم على ان يحمل العرب وحدهم هذا العبء الثقيل الكريه الخطير العواقب . كما دل على مدى تخوفهم وحذرهم من تغلغل نفوذ اليهود فى بلادهم اذا هاجروا اليها . وتحكمهم فى مقاليدها ومصائرها بوسائلهم الاجرامية المعروفة .
ونحن لانستطيع ان نفسر موقفا كهذا يقفه اعضاء هيئة الامم المتحدة بغير هذا التفسير المعقول . اذ ما الذى يمنع دولة كأستراليا او كندا او روسيا او الولايات المتحدة مثلا من قبول عدد مناسب من مهاجرى اليهود الى بلادها وهى بلاد يكاد يكون كل منها قارة مترامية الاطراف تكفى لايواء كل يهود العالم لولا ما بسطناه من اسباب ?
أما الحجة التى يتدرع بها اليهود لانشاء وطن قومى لهم بفلسطين فهي حجة داحضة متداعية الاسس والاركان فاليهود قد طردوا من فلسطين منذ قرون طوال قبل الفتح الاسلامى ومن امة غير الامة العربية وقد غير على فتح العرب لفلسطين والاستيلاء عليها من امة غير اليهود ما يقارب ثلاثة عشر قرنا وهو زمن يكفى نصفه لصبغ فلسطين بصبغة عربية صرفة لاذاقل من ربعه قد صبغ امريكا بصبغة مستعمريها الوافدين اليها من اوربا وكافة اقطار الدنيا .
واذا جاز زمن وجهة نظر القانون الدولى ان يدعى اليهود فى فلسطين لان اجدادهم قد سكنوها قبل عشرات القرون فان من الجائز يومئذ - من وجهة النظر نفسها _ان يطالب الهنود الحمر باجلاء الامريكين عن القارة الجديدة لينعموا وحدهم بخيرات وطنهم الاصيل اوليتقاسموه على الاقل مع الامريكيين الدخلاء فيأخذوا افضله تربة ومناخا وخصائص معدنية كما فعل اليهود فى حصتهم التى -
يحاولون الاستيلاء عليها من فلسطين، ثم لماذا يسكن قسم من اليهود بفلسطين ويحتلونها كوطن قومى لهم ويبقى القسم الاعظم منهم مشردا فى بقاع العالم موزعا على امم الأرض ? ان عدد اليهود فى العالم هو خمسة عشر مليونا ويزيدون فهل يكفى القسم المعطى لهم من فلسطين لايواء كل هذا العدد الكبير ? ان فلسطين رقعة ضيقة من الارض لا تكاد تتسع لسوى اهلها الحاليين الذين لا يتزايدون باستمرار التناسل . فكيف يوافق العالم المتمدين على حشر يهود العالم لمشردين بها وهم عصابات من حثالات الامم ملفقه من كل جنس ودم ونزعة ? ان لليهود مطامع اقليمية مستورة فى بلاد العرب ستتكشف شيئا فشيئا حينما يرسخون اقدامهم فى فلسطين كدولة ان تضريحات كثيرة من زعمائهم تدل دلالة سافرة على هذه المطامع التى تنتظرا بانها لتفاجئ العالم بسلسلة جديدة من المطالب ما تنتهى حلقاتها او يتردى العالم فى حرب مبيرة تدك صروح المدنية وتقضي على كل امال السلام .
وأما ان العرب ذوو طبيعة مسالمة فهو ما نهضت وتنهض عليه الدلائل فى كل يوم . ويكفى لتقرير هذه المزية للطبيعة العربية ان العرب رضوا بمعاشرة اليهود ومخالطتهم فى كل بلدانهم فى الوقت الذى كان فيه معظم بلدان العالم يرون فى اليهود عنصر اربائيا خطرا يحاربونه بكل ما أوتوا من قوة ، واذا كان اليهود يشكون مر الشكوى من الاضطهاد والتشريد والحرمان من الوطن المؤوى فان الفضل فى ذلك يرجع الى ما تركب فى نفوسهم من خبث ولؤم وغدر وانانية قذرة تنفر منهم الجماعات
الانسانية فى كل اصقاع الدنيا .. فمن من الناس يرضى أن يؤوى فى داره ضيفا ينزل على الرحب والسعة و يرتع فى بحبوحة من العيش ثم تمضي الايام فاذا بالضيف يطالب بكل وقاحة بقسم من الدار كحق خاص اكسبه اياه طول المقام ? ومن من الناس يرضى ان يخلط نفسه بقوم لا يتعففون من المتاجرة بالاعراض والذمم ما لم تكن له حصانة خلقية متينة وطبع أبى عيوف يعصمانه من القدوة المرذولة كالعرب الاشراف ؟
لقد رضى العرب بمخالطة اليهود لأنهم أمة كريمة مضيافة غيورة على الاعراض
غيرة ماتدانيها فيها أمة من الامم .ولو ان اليهود عاشروا آمة غير العرب كل هذه القرون الطوال لصبغوها بصبغتهم ، ولدغموها فيهم إدغاما يجردها من خصائصها ومثلها وعاداتها وتقاليدها حتى لتنمسخ امة وضيعة من اليهود الاوشاب .. ولكن العرب من طينة أخرى لاتجور عليها المخابث ولاتجتاحها الجراثيم لانها بكيانها القوى المتماسك اقوى بكثير من السموم والآفات التى تتقاطر من المخابث والجراثيم وقد صبر العرب طويلا على اذى اليهود وتحرشهم صبرا لكريم القادر لاصبر العاجز الوضيع . فحينما قررت انكلترا ان تنهى انتدابها على فلسطين فى يوم ١٥ مايو ٤٨ ورغبت الى العرب واليهود احترام هذا الموعد وعدم تخطيه بالاشتباك ومحاولة الاستيلاء على المدن والاماكن الاستراتيجية تحاشيا من الاصطدام مع قواتها ..
احترم العرب هاته الرغبة فرابطت جيوشهم على الحدود من فلسطين ما تجتازها او ينتهى الامد المضروب . وانتهز اليهود كعادتهم هذه الفرصة انتهازا دنيئا فاغاروا على حيفا واستولوا عليها ثم ثنوا بيافا وسواها من المدن والقرى العربية الآمنة . وتجاوزوا فى ذلك الاستيلاء الغادر أبط مبادئ الانسانية وابجديات قواعد الحرب فانتهكوا الاعراض وقتلوا الشيوخ والاطفال ويقروا بطون النساء وارتكبوا من الجرائم الوحشية ما تشمئز منه الانسانية ويقشعر الضمير . واين اولئك الاوباش المطواحون من الانسانية والضمير ? هؤلاء هم اليهود المجرمون واولئك هم العرب المسالمون و ما ابعد الشقة بين القبيلين .
اماالطبيعة العربية المحاربة فقد تجات بابرز خصائصها واقوى سماتها فى زحف الجيوش العربية الى ارض فلسطين الحبيبة لانقاذها من عبث عصابات الصهيونيين الذين ضاق بهم ذرع الضمير وتبرمت بهم الانسانية الحقة فودت ان لم تلفظ من احشائها هاته الحشرات السامة التى ما تعرف غير الفتك والايذاء .. وتجلت فى المهارة الحربية فى فى كافة المواقع التى اشتبكت فيها القوات العربية المجاهدة مع قوات اليهود الجبناء. فمامن موقعة واحدة سحلت تقهقر الجندى العربى الشجاع وإدباره ..وان كان كثير من المواقع قد سجل جبن اليهود وفرارهم ونكوصهم عن مواجهة الخصوم وتفضيلهم للحرب الذليلة المتوارية خلف الخنادق والحصون والمتاريس والاقبية ?
ان العربى محارب بفطرته. شجاع بغريزته. قد ورث حب النضال من حياته البدوية الطليقة المستهينة بالقيود والسدود المتعشقة للحرية والمفاخر .
فحينما كان رجل بادية وقبيلة كان يناضل عن كرامة قبيلته ومكانتها وامجادها بدمه الغالى ، وكان يسترخص روحه فى سبيل الدفاع عن الحريم والديار من المغيرين والطامعين . وقد خبراساليب الكر والفروالدفاع والهجوم التى هذبتها المدرسة الحربية الحديثة واضافت اليها وان كانت لم تخرج بها عن قواعدها الاساسية القديمة الاقليلا . ولهذا فهو محارب من الطراز الاول فاذا استشير فى وطنه وعرضه ومقدراته فانه ينقلب الي مقاتل من اشرس المقاتلين واضراهم فى الحرب واجرئهم عليها . وهذا هو العربى الذى تشهده اليوم ميادين القتال فى فلسطين العربية المجاهدة بابنائها وابناء العروبة جميعا .. وستشهد هذه الميادين آيات من البطولة رائعات اذا لم يعد اليهود ومناصروهم الى صوابهم ويعد لواعن اسطورة تقسيم فلسطين واقامة دولة يهودية فيها ..
ان العرب قد صمموا تصميما قاطعا لا تثليه قوة فى الوجود على ان تظل فلسطين عربية كما كانت منذ اجيال سحيقة . وعلى ان لا تقوم فيها دولة يهودية ولو حاول اقامتها كل دول العالم متضافرة ، وستظل فلسطين - ان شاء الله - كما يريدون عربية مسلمة ترتد عنها فلول الصهيونيين مدحورين مشنوئين تعتلج فى نفوسهم الحسرات وتنز صدورهم دما وصديدا فما تجد الأساة والمتوجعين .
فاذا شاء الحمقى الذين ارادت الاقدار لهم ان يقودرا سفينة العالم فى ظروفه العصيبة التى يجتازها اليوم . ان تتخبط هذه السفينة فى العواصف وترتطم بالصخور فما عليهم الا ان يركبوا رؤوسهم فيئويد واقراو التقسيم الجائر . وحينذاك سيتلقون الجواب العربى الحاسم (( الفاء ولا الهوان وحينذك ستكون المسئولية التاريخية عما يحيق بالعالم من كوارث ملقاة على عواتق اولئك الذين لا يتدبرون العواقب ولا ينظرون الى ابعد من آنافهم . ولا يقدرون الا منافعهم الشخصية فحسب ..
ان المدنيات العالمية قديمة وحديثة لندين للعرب بالشئ الكثير . فما الذى تدين به هذه المدنيات لليهود الذين كانوا حريا على الدنيا منذعرفتهم الدنيا ولعنة
على البشر منذ عرفهم البشر ? فلماذا كل هذه الضجة المفتعلة التى يثيرها المستأجرون والاذناب من اجل هذه الطغمة الحقيرة الباغية التى لا تحل فى مكان الا حلت به الرزايا والنكبات وجرت فيه الدموع والدماء ?
وبعد . فانا نحمد الله على محنة فلسطين فقد قاربت بين صفوف كانت متباعدة والفت بين قلوب كانت متنافرة . ووجهت أشتاتا من الرغائب والمطامع والآمال الى هدف واحد هو عز العروبة ومجد الاسلام . وليس هذا بالشئ الهين الذى تستغلى فيه الاثمان .

