الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

كلمة توديعية

Share

" القيت فى حفل بهيج بمناسبة توديع احد لاصدقاء قبل ذهابه فى اجازة طويلة "

ليس أشق على اللسان ، وأصعب على الانسان من ان يقف ليودع صديقا عزيزا عليه قريبا اليه ، او ان يمدح أخا جمعته به الظروف الطيبة .. والمناسبات الشائقة .. وكثيرا ما يعجز اللسان ويفصح الجنان ، ولهذا فقد قيل : " القلوب شواهد " وكثيرا ما يضج القلب بالحركة فيتحر اللسان وينطق معبرا :

ان الكلام لفى القلوب وانما      جعل اللسان على الكلام دليلا

أخوانى : انها لفرصة طيبة ومناسبة سعيدة أن أقف فى جمعكم الكريم محييا الصداقة بشخصكم ، والمودة بروحكم مستأنسا بوجودكم ، مرحبا بقدومكم أهلا وسهلا .. وانه لحق وواجب ان نؤدى للزمالة حقها ، وان نضرم وجدها ليزيد اتقادها كعود زاده الاحراق طيبا .. ويطول امدها .. ويضوع شذاها كالرحيق اذا طال الزمان عليه طابا ..

عرفت الاخ ميشيل فى منطقة الظهران منذ وقت ليس طويلا ، عن طريق الرياضة ، وكان قبل ذلك ينظر الى عن بعد ، واحيانا يطيل التأمل والنظر ، وكنت اتحسس ذلك الوميض فى عينيه ، والميل الودى فى قلبه واظن انه كان يقرأ لى بعض المقالات فى المجلات الادبية ومنها " المنهل " و " القلم الجديد " فتاق لمعرفتى وسرعان ما اصاب وميضه وميضى ومازت رغبته رغبتى فتعارفنا وسلمنا وتكلمنا وتواعدنا .. ولست أدرى هل كسبته أم كسبنى ؟ ..

ولعل الكثيرين يتساءلون عن قلة تزوارنا ، ويعجبون إذا عرفوا مدى التجاوب الروحى والادبى بيننا ... فهذان التجاوبان مغروسان فينا ، وقد تلاقينا فى صعيد الادب . اما قلة التزوار فسبب العمل والشواغل الاخرى . وهنا يطرق ذهنى قصة النقيل والظريف فى الادب العربى ، اذكرها بقصد الترفيه فقط فقد قيل :

"تردد ثقبل على ظريف واطال ترداده عليه حتى سئم منه ، فقال له الثقيل : من تراه أشعر الشعراء ؟ أجابه الظريف هو ابن الوردى بقوله :

غب وزر غبا تزد حبا فمن    أكثر الترداد أضناه الملل

فقال الثقيل : أخطأت فان النجارى أشعر منه بقوله :

اذا حققت من خــــــــــل ودادا    فزره ولا تخف منه ملالا

وكن كالشمس تطلع كل يوم    ولا تك فى زيارته هلالا

اجاب الظريف : ان الحريرى أشعر من الاثنين بقوله :

لا تزر من تحب فى كل شهر    غير يوم ولا تزده عليه ..

فحرك الثقيل رأسه مخالفا ... فاسرع الظريف قائلا : وان لم تصدق فقد وهبتك الدار وما فيها ، وخرج وهو يقول :

إذا حل الثقيل بارض قوم     فما للساكنين سوى الرحيل

فخجل الثقيل وسار فى سبيله "

وانما ذكرت هذا على سبيل الضحك ، وللمغزى القائل " زر غبا تزدد حبا " واذكر ان هناك قولا آخر لابى فراس الحمدانى يقول فيه :

لا تطلبن دنــــــــــــــو دا     ر من خليل او معاشر

أبقى لاسباب المودة     ان تزور ولا تجــــــــاور

عرفت الاخر ميشيل أديبا بذوقه وقلمه ، شاعرا بروحه وحسه ... بتذوق الادب ويتكلم عليه ، ويتحسس الشعر وينظم فيه مشغوفا بالمطالعة ولوعا بها :

شاعرا عاشقا وقارئ كتب        قرأ الكتب دارسا فأطالا

فقد نشر عدة مقالات ادبية فى صحف مختلفة أذكر منها " المهد " فى بيت لحم و " الاديب " فى بيروت ، واصدر قبل شهور ديوان شعر " نية نور " فخطا خطوة جبارة فى تاريخ حياته الادبية ، وسجل أول طفرة فى تذوقه وحسه ، واننا لنأمل ان يسجل اخرى بل اخريات ، فقيمة الانسان كما وقول حيران ليس بما يبلغ اليه بل بما يتوق البلوغ اليه ، او كما يقول ابن هند : " انما المرء حيث يجعل نفسه " ..

ان الذى يقرأ ديوانه يشعر بحنينه العارم وحبه الجارف لوطنه السليب ذلك الحب والحنين اللذان لونا شعره المنثور بالوجم ، واسالا قلمه بالشعر الرقيق فى وصف الحب العذرى - وهو من اتباعه - والجمال الهادىء والصفات الحسنة ، وهذه انعكاسات مباشرة عن طواياه وسجاياه :

فلو صورت نفسك لم تزدها      على ما فيك من كرم الطباع

فشعره يتسم بالهدوء والوداعة ، مستوحى من البيئة التى درج فيها ونشأ عليها .. فهو كما قال احد الشعراء :

شاعر عاش خافق الجوانح بعيد عن عالم الضوضاء

تتراءى فى وجهه الهادىء الواجم آى الوداعة الغراء

وزيادة على تلك النواحى فاننا نتحسس وطنيته الصادقة ، وثورته العارمة على القيود والسدود والطغيان وقد بينت ذلك مطولا فى نقدى لديوانه فى مجلة المنهل الغراء عدد رمضان ١٣٧٣ ه وفى الاديب الغراء أيضا عدد مايو ١٩٥٤ ، واننا لنعجب من تفاؤله الخصيب ، وصموده الرهيب فى ثورته على الظلم والفساد ، فهو مؤمن وموقن بان عهد الظلم قصير ، وان الجو يصفو ان عاجلا او آجلا عن سماء عالمه العربى ، الذى يفتخر به ، ويدافع عنه ويزهو به ، بعيدا عن السياسة والحزبية والزعامة ، فهو امرؤ حر مخلص لوطنه وامته يعمل لهما ويعيش لاجلهما ، ومن منا لا يخدم وطنه ولا يخدم أمته ؟ ومن منا لا يشترك فى انهاض المجتمع الذى يعيش فيه ؟ فان لم يكن عن طريق الادب فبالاقتصاد ، او التعليم ، او الخدمة بل الخدمات الاخرى :

الناس للناس من بدو وحاضرة      بعض لبعض وان لم يشعروا خدم

واخيرا احيى فيكم روح الصداقة والمودة والاخوة ولتحى جميع البلدان التى نرتبط بها ونحيى لها :

لتحيى جميــــــع البــــلاد التى    نمت اليها بأقــــــــــــــوى سبب

وقبل الجميع وبعد الجميع    وفوق الجميع ليحيى العرب

الظهر ان ( القفص الذهبى )

اشترك في نشرتنا البريدية