الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

كيف نخرج من التخلف

Share

سؤال يتردد على شفاه الناس ، ومشكل عويص يعترضنا فى كل حين ، كما يعترض شطرا هاما من الخليفة اليوم فكل يسعى الى اكتشاف الحل والى الاهتداء الى الطريق المثلى المؤدية الى الخلاص .

وقد اعتاد الناس فى مثل هذه الحال ان يتجهوا بتفكيرهم الى البحث عن الوسائل العملية الكفيلة باخراج الشعب من حالة التخلف الاقتصادى وقوده بسرعة الى حالة التقدم الصناعي والرفاهية المادية.

ونحن لانزعم اننا سنقدم فى هذا المقال نظرية طريقة فى بابها ولا ندعى فى هذا الميدان فتحا جديدا . بل قصارى الجهد ان نبدى بعض ملاحظات هى فى راينا هامة وكفيلة بان تعيننا فى سعينا المشترك للخروج من طور الجمود والركود والتخلف ، ومحاولة الالتحاق بالركب الزاحف نحو الازدهار والانعتاق .

ونقول فى بادىء الامر ان مفهوم كلمة التخلف يمثل هو نفسه مشكلا علينا حله قبل البحث عن العلاج . فالتخلف انواع عديدة نستطيع حصرها فى قسمين عامين : تخلف في طبيعة البلاد وفي مواردها الاقتصادية ، وتخلف فى أهل البلاد كبشر من حيث مستواهم الاخلاقى والثقافى والاانسانى . على ان الامر ليس من السهولة بهذا القدر اذ أنا نلاحظ ارتباطا متينا وتفاعلا عميقا بين " التخلف الطبيعى " و " التخلف البشرى " وماهما فى الواقع سوى مظهرين مختلفين لحقيقة واحدة  .

واذا مارجعنا الى بلادنا التونسية ، التى يتفق الجميع اليوم على انها من البلاد المتخلفة اقتصاديا ، وحاولنا البحث عن اسباب هذا التخلف وانواعه لاحظنا فى اول ما نلاحظ ان التخلف الطبيعى وقلة موارد البلاد لا تقل قيمة ولا قدرا عن التخلف البشرى.

فاذا ما نظرنا الى الناحية الطبيعية المادية فنحن نجد ان اقتصاد بلادنا يرتكز بصفة خاصة على الموارد الفلاحية . ثم ان هذه الموارد الفلاحية التى

لا يمكن ان تكون بمفردها اقتصادا عصريا متقدما ، هى نسبيا قليلة وفى معظمها غير مستقرة . فهى رهن مناخ مضطرب لا يستطيع المرء ان يطمئن اليه ثم ان كميات المعادن الموجودة بمناجمنا هى الاخرى قليلة فيما عدا أملاح الكبريت (فوسفاط)، فاذا ما اضفنا الى هذا ان البلاد التونسية تكاد تكون خالية من كل انواع الطاقة رأينا ان تركيز صناعة آلية هامة يكاد يكون مستحيلا في الظروف الحالية . فهيكل البلاد خلو من تلك الروح الضرورية التى هي الطاقة : فليس لنا مناجم فحم ولا ينابيع نفط ولا انهار كبيرة قوية قارة المجرى يمكن الاعتماد عليها فى استخراج كمية ذات بال من الطاقة الكهربائية .

على ان هذه الاصناف من الطاقة التى عددناها وقلنا عنها انها مفقودة بالبلاد التونسية لاتكون فى الحقيقة جميع مظاهر الطاقة الموجودة بالكون . بل ان انواعا أخرى من الطاقة موجودة منها المعروف ومنها المجهول وهى ما تزال بكرا تترقب وسائل عملية تمكن الانسان من استخراجها من مخازنها الهائلة ومن السيطرة عليها وتذليلها لمصالحة البشرية فامامنا الطاقة الذرية والطاقة الشمسة والطاقة الكونية وغيرها مما عرفنا عنه نزرا يسيرا وغابت عنا منه أشياء واشياء . اما موارد الطاقة الاخرى التى لم تكتشف بعد والتى لا نعرف عنها سوى انها ممكنة وموجودة ، فليس من حاجة الى ذكر الامكانيات التى تخولنا والآفاق التى تفتحها أمامنا .

فالفقر في ميدان الطاقة ببلادنا لايمكن ان يؤدى بنا الى اليأس والاستسلام بل يجب ان يكون فى رأينا سببا وحافزا يدفعنا دفعا الى العمل الدائب المتواصل في سبيل بلوغ مستوى يمكننا ان نبدأ منه عملنا الجدى فى القضاء على التخلف بعد ان نكون قد وفرنا لانفسنا العدة والسلاح . فللناس معركة ولنا معركتان : نخلق فى أولاهما السلاح لنكسب به فى الثانية الانتصار.

والرصيد الاساسي في هذا الميدان هو الانسان . فقيمة الانسان تتمثل في انه محور العمل للقضاء على التخلف . فتخلف البشر هو اذن الداء الجوهرى وما سواه من انواع التخلف انما هى اعراض تزول بزاول جوهرها . فالطبيعة المادية غنية جدا وانما الاشكال فى أن يصل الانسان الى خلق وسائل السيطرة عليها واستعمال بعض قوى الطبيعة لاستغلال سائرها استغلالا منطقيا محكما .

فاذا ما حاولنا دراسة حالة " الانسان التونسى " دراسة نصارح فيها

انفسنا ونجابه فيها حقائقنا وواقعنا مجابهة المخلص الامين فاننا نجد انفسنا بازاء حالة لا يمكن ان تبعث على الاطمئنان . " فالانسان التونسى " يجتاز فى هذه الآونة ازمة تنذر بالخطر وتحتم اتخاذ تدابير سريعة وناجعة لتلافى الحالة . فالتخلف الحاضر هو قبل كل شىء تخلف فى العقول وتخلف فى القيم ، تخلف يعزى قبل كل شئ الى نقص فى التثقيف ورثناه عن عصور طويلة من التقهقر والجمود ومازلنا نعانيه ونكابده رغم كل المجهودات والعزائم الصادقة .

ان المستوى الثقافي والعلمي كان منذ زمن طويل وما يزال منحطا ببلادنا اذا ما استثنينا بعض الشواذ القليلين . وهذه الحالة كان من نتيجتها ان جعلتنا دائما عالة على غيرنا في ميادين الثقافة والعلم ، ليس لنا فيها مشاركة ولا قول .

ثم انه لاسبيل الى الخروج من هذه الحالة المؤسفة ومن هذا التخلف العقلي ما دامت الاسباب التى ادت بنا اليه قائمة موجودة . فما عسى ان تكون اسباب هذا الخمول الذى اصابنا زمنا طويلا فجعلنا فى سبات عميق نكتفى بمشاهدة التاريخ يمر من حولنا مشاهدة النائم يرى الحلم ولا يشارك فيه ؟ وبئس الحياة حياة قوامها فتور الحماس وفقدان الايمان وانحلال فى القيم والاخلاق وحمود في العقل والتفكير ! اسباب هذه الحال كثيرة مختلفة, لاتهمنا الا بقدر ما تمكننا من معالجة أدوائنا . ذلك ان بعض الناصحين ينصحنا بالرجوع الى " مبادئنا الاساسية " أو " مبادئ الاسلام " الصحيح " كما يسمونها اذ انها وحدها الكفيلة بان تخرجنا من ازمتنا الفكرية ومن ركودنا الى عالم الجد والعمل فنستعيد سالف مجدنا باستعادة أسس دينا.

ومثل هذه الفكرة تبدو منطقية معقولة لاول وهلة ، فقد كان المسلمون فى عصورهم الاولى قوما عاملين جادين فى عملهم وقد ساهموا فى بناء الحضارة البشرية بقسط هام . وقد كانوا فى عصر الرسول بالخصوص يملكون كل الخصال التى ذكرنا انها تعوزنا اليوم من ايمان وحماس واخلاق وقيم . فيبدو حينئذ من البدهى ان ترجع كل تلك الخصال الحميدة الكريمة بالرجوع الى ذلك النبع القديم الاول من الاسلام.

لكن من أعار المشكل شيئا من التعمق والنظر يجد ان هذا الرأى لا يرتكز على أسس صحيحة ثابتة . فالاسلام ، مهما رجعنا به الى أصوله الاولى ,

لا يمكن تجريده من خصائص أساسية تتمثل فى انه دين قبل كل شئ يرتكز على فكرة ما ورائية ويجعل للكون محورا هو الله ، يعجز عنه عقل الانسان وتفكيره مهما كملا ، وتتلاشى امام قدرته المطلقة قوة كل بشر مهما عظمت . وهذا الكائن المطلق هو أصل الكون وهو غايته . . .

وقد صلحت مبادئ الاسلام فى عصر كان الهدف المنشود فيه هو اخراج أمة من عقلية وثنية فوضوية الى عقلية توحيدية يسودها شىء من النظام. فلما عرضت للمسلمين مشاكل دنياوية سياسية واقتصادية رأيناهم يسرعون الى ترك مبادىء الاسلام التى لم تعد تغنيهم فى شىء ليتمكنوا من حل مشاكلهم الحيوية حلا معقولا . ثم زاد الامر خطورة أن قبع المسلمون فى عصور الانحطاط كل فى زاويته باحثا عن ربه أو عن جنته وشياطينه يكتفى من العمل ومن الحياة بالخيال وهكذا اصبح نصيب الدنيا فى الاسلام - كدين - يكاد يكون مفقودا لولا الضرورة . وكان هذا الامر طبيعيا بالنسبة الى ايديولوجيا ما ورائية تجعل من هذه الحياة ممرا ضروريا وسراطا خطرا لايمكن تحاشيه للوصول الى الحياة الحقيقية المثلى ، حياة الآخرة . ولا يمكن ابقاء جوهر الاسلام مع تجريده من مفهوم الحياة الاخرى كهدف أساسى . ولا يمكن كذلك التوفيق بين مقتضيات " الحياة الدنيا " والعمل على تحسينها وجعلها " جنة للبشر " من جهة ثم مقتضيات مفهوم الجنة المثالية الاخروية.

ولا يمكن ان نتوسع كثيرا فى هذا الموضوع في سياق هذا المقال القصير على انه يتضح لنا ان الرجوع الى ما يسميه البعض بطرق " السلف الصالح " فى مجابهة الحياة أمر غير ممكن . بل يجب علينا ان نسعى الى ايجاد طرق أخرى تمكننا من الدخول فى معركة القضاء على التخلف وقد وفرنا لانفسنا جميع أسباب النجاح ونستطيع ان نشير هنا الى بعض الاتجاهات التى نراها صالحة لهذا العمل .

واول عمل يجب التفكير فيه هو رفع المستوى الثقافي والعلمى لهذه الامة فى مجموعها . ويكون ذلك أولا بتسخير كل الامكانيات وببذل كل الجهود فى نشر التعليم وتعميمه ثم بالعمل على ان يكون هذا التعليم تعليما صحيحا مثقفا متجددا في مضمونه ووسائله وطرقه بتجدد الحياة الوثابة الزاخرة .

وعلينا ان نجعل تعليمنا تعليما منسقا محكما يربى مواهب الانسان ويفتح له واسع الآفاق ويتدرج به الى العمل العقلي المتواصل المثمر حتى يصبح البحث العلمي غريزة فينا وجزءا مكونا فى شخصية كل متعلم منا . فاذا

ما أصبحت امكانية الخلق متوفرة فينا فقد كسبنا المعركة ووصلنا الى شاطئ السلامة. فيستطيع عندئذ علماؤنا العاملون الباحثون المخترعون اكتشاف طرق جديدة في استعمال الطاقة وموارد جديد للثروة الاقتصادية فنختصر السبل اختصارا . فعلينا ان نمكن منذ الآن كل من تحدثه نفسه بالبحث العلمي ، من اساتذتنا ومثقفينا وطلابنا ، من وسائل هذا البحث وأن نشجعه في هذه السبيل بكل ما لدينا من الامكانيات . والخطر كل الخطر ان نقصر نظرنا عل المشاكل الحاضرة الوقتية فنمنع كل العاملين من مواصله عملهم الجدي الهام بدعوى عدم امكانية الاستغناء عنهم فى الوقت الحاضر . بل يجب التوفيق بين مقتضيات المستقبل وبين حاجيات الحاضر الملحة ولا يمكن ان يكون هذا الامر الا برسم تصميم علمى صحيح لحاجياتنا فى كل الميادين وتوفير جميع اسباب النجاح لهذا التصميم العام والسهر على تطبيقه بأمانة واهم اسباب النجاح بالنسبة لتصميم كهذا هو أن يكون جميع المواطنين على علم كامل ومعرفة تامة بالغاية التى يسيرون اليها وبالزمن الذي يفصلهم عن هذه الغاية . ويجب ان تكون جميع الجهود والعزائم والادمغة والقوى مسخرة بصفة تلقائية أو بصفة أخرى للعمل على انجاح مثل هذا المشروع . وهنا تتضح من جديد اهمية الدور الذى يمكن ان تقوم به الثقافة . فالقيام بتجنيد العزائم الصادقة لايمكن ان يكون الانتيجة لعمل تثقيفى متواصل يمكن الانسان من الخروج من ازمة القيم ومن التسلح بايمان قوى ثابت بنفسه وبنتيجة عمله وبقيمة الانسان فى الكون بوجه عام . وعندها يصبح له من الاندفاع ومن الحماس وروح التضحية ما يجعله قوة جارفة تبنى الحياة وتخلق التاريخ خلقا .

ويجب ان يكون رائدنا فى عملنا الاستفادة مما يجرى حولنا من تجارب الامم الاخرى واستعمالها كاسباب للوصول الى اكتشاف طرقنا الخاصه بنا فى العمل . ثم انه من الضرورى ان تكون هذه الطرق قابلة للتحوير بصفة مستمرة حتى تكون دائما ناجعة اما المبالغة فى الاعتزاز بالرأى ، والتمسك به بعد تبين ضعفه وعيوبه ، وعدم الاعتراف بالخطاء ، والضيق بقبول النقد فانها من اسباب العقود والتقهقر ومن عوائق عمل الجادين المؤمنين من الناس

اشترك في نشرتنا البريدية