الاسلوب العربى فى اللعب :
يجمع المؤرخون على ان الشطرنج قد عرف بصور شتى عند مختلف الامم قديما ، فكان لكل أمة كلام ونوع من اللعب ( 75 ).
وكان الشطرنج عند الهنود مثلا ، لعبة حظ بالمعنى الحقيقى تتحكم فيه حركات القطع تحكما شديدا ، وكانت لتلك القطع قيم تؤخذ الحصص بحسبها وجملة القيم هى التى تقرر مصير اللعبة فقد أثبت البيرونى أن الهنود كانوا يلعبون الشطرنج بالفصين فيما بين أربعة أشخاص يجلسون على تربيع حول النطع ويتناوبون ضرب الفصين فيما بينهم على دور ، وقيمة الشاه عندهم خمسة وقيمة الفيل أربعة والفرس ثلاثة والرخ اثنان والبيدق واحد ، ومتى أخذ آخذ شاها فله خمسة وللشاهين عشرة وللثلاثة خمسة عشر إذا لم يكن مع الآخذ شاهه فان كان معه واستولى على الشاهات الثلاثة فله أربعة وخمسون . ( 76 ) .
وذكر البيرونى أيضا : إن الهنود كانوا يلعبون الشطرنج باسلوب غير معهود عند العرب فكانت تعبئة الامتعة فى الرقعة عندهم على هذه الصورة ( 77 ):
ولكن العرب لم يتقيدوا بالاسلوب الهندى فى اللعب فعملوا على تطوير الشطرنج وساهموا فى وضع أصوله وقواعده وكانت لهم فيه مصطلحات متداولة وقيم معروفة وخطط مأثورة
من الاصطلاحات الشطرنجية التى تناقلها العرب : ( الدست ) وهى كلمة فارسية وتعنى ( الدور )، يقال ( الدست لى ) أى غلبت و ( الدست علي ) أى غلبت ، ومنها ( التعبئة ) وتجمع على ( تعابيء ) وتعني تصفيف قطع الشطرنج وتعيين أعدادها وأدوارها فى مفتتح اللعب قياسا على التعبئة الحربية ، ومنها ( الفرزان ) وتجمع على ( فرازين ) معرب عن الفارسية وهو الوزير أو الملكة أحيانا ، ومنها ( البيدق ) ويجمع على ( بيادق ) وهو الجندي من المشاة كما كان معروفا عند الفرس ، ومنها ( الرخ ) ويجمع على ( رخاخ ) طائر سريع اصطلح به على قطعة من قطع الشطرنج كالفرس والفيل ، ومنها ( الرقعة ) وتجمع على ( رقاع ) وهي أداة اللعب أو اللوح الذى تصف عليه قطع الشطرنج ، ومنها ( المنصوبة ) وتجمع على ( منصوبات ) وهى الحيلة يقال ( سوى له منصوبة ) أى حيلة وكانت تدل عند العرب على الخطة الشطر نجية فى اللعب ، ومنها كذلك عبارة (شاه مات) التى أصبحت متداولة فى لغات أجنبية عديدة Echec et mat ولا تقال إلا عند إماتة ملك الشطرنج وهى مأخوذة فى الحقيقة من كلمتين : واحدة فارسية وهى ( الشاه ) والأخرى عربية وهى ( مات ) .
أما قيم القطع فلم تكن لها نفس القيم التى عرفت عند الهنود ويظهر ان القيم المتداولة عند العرب فى القرن السابع الهجرى كانت كما يلى : (( الشاه لا
قيمة له وقيمة الرخ درهم والفرس ثلثا درهم والفرزان ثلث درهم والفيل ربع درهم وخير البيادق بيدق الشاه والفرزان وبيدق الفرس الذى يلى الشاه وقيمة كل بيدق منها سدس درهم الرخ ثمن درهم وبيدقان خير من فيل )) ( 78 ) لكن تلك القيم كانت تتغير بتغير طرق اللعب عند العرب حسب العصور والاحوال فاصبح الفرزان عندهم يجمع عمل الرخين والفيلين والبيادقة وكان أحد الفيلين يمر على قطر نصف مربعات النطع حيث شاء اذا لم يجد فى سبيله حاجزا فى حين يمر الفيل على قطر نصف المربعات الباقى اما الفرزان فيمشى كالبيدق الا انه يسلك من زاوية اليمين والشمال والامام والخلف ولا يمشى مع اضلاع النطع . ( 79 ) .
وكانت طرق العرب وخططهم في اللعب تتمثل خاصة فى اهتمامهم بالافتتاحات الكبرى اكبر الاهتمام إذ أنهم اعتبروا الافتتاح المحكم والثابت ضمانا للغلبة والفوز وكانوا يراعون فيها ما يراعى اليوم من سرعة انتشار القطع وفسح المجال لتحركها وانتقالها وتمهيد السبيل أمامها لكى تضرب وتغير ( 80 ) وقد سموا هذه الطريقة بالتعبئة قياسا على التعبئة العسكرية وما يقوم به قائد الجيش من تنظيم جنده فيسند الى كل فرد منه دوره فى الحرب ويستعد للقتال وقد حصن مواقعه واحتاط لكل الاحتمالات وتهيأ لكل الحيل والمراوغات .
ولنا فى هذا المجال توجيهات سديدة للصولى كان ضمنها حصيلة تجربته الثرية فى هذا الميدان فقال : (( إن أول ما يلزم الشطرنجى حسن التعبئة كالجيش عند اللقاء والاعتناء بذلك مع تدبير وتمهل من غير عجل فينبغى للمبتدئ فى الشطر نج ان يبدأ بتعبئة المجنح ويحرص على ان يكون هو المبتدئ بالفعل ولا يعبر شاهه من مكانه الا لضرورة فانه أجود بيوته ولا يبارز خصمه جازما بقهره وغلبه بل يطاوله ويسوفه فربما أدى ذلك الى ضجره وغفلته فحينئذ ينتهز الفرصة ولا ينبغى ان يعقد تحت الكشف إلا ان يكون بينه وبين الرخ دابتان أو ثلاث فان قال لك : شاه فاستر بفيل أو بفرزان ولا تشغل قطعة كبيرة واجعل شاهك من فرسك على مسافة فيل واحذر ان يجتمع على شاهك دابتان كبيرتان فان عجزت عن ذلك وحصر شاهك
فاحرص على قطاعه أو اسمح له بما فيه خلاصه وأجهد إن قدرت آن تجعل بعض بيادقه سترا لشاهك )) ( 81 )
وتوجه لاعب عربى آخر بتوصيات الى هواة الشطرنج حتى يتمكنوا من تجاوز بعض الصعوبات أو الفخاخ المنصوبة فقال : (( إذا وقع شئ من دوابك فى البيوت المذمومة فلتجتهد فى إزالتها بسرعة ولتتفقد كل ضربة شاهك وشاه رسيلك فان اعظم المخاطرة فى الدسوت تكون من قبل الشاه ولتحذر الكشف فانه من اعظم آفاتها ولتفتح الدست من ناحية شاهك ولا تفتحه من جهة الفرزان إلا عند ضرورة تدعو الى ذلك واذا أردت فتح الدست فلتجعل شاهك فى خيرها بيتا واحصنها فانه إن غلب على الشاه لم ينتفع بما سواه ولتحكم دستك على التعبئة واذا أبصرت ضربتين أو ثلاثا على مقدار طبقتك يجب أن تتأمل جميع ما تحتاج اليه فى لعبك ثم تتأمل أصلح ما يحتاج إليه رسيلك ثم العب الاولى وتأمل فى الثانية وكذلك فى الثالثة . . ( 82 ) وينبغى للاعب أن لا يحمله الضجر واللجاج الى أن يعيد اللعب فان ذلك من اعظم الآفات فالتصرف الحكيم هو أن يترك اللاعب الشطرنج عند ذلك ويشتغل بغيره حتى يذهب قلقه وترتاح نفسه . . ( 83 ) .
نماذج من التعابيء العربية المأثورة ( 84 ):
(( ب ))
(( ج ))
نماذج من المنصوبات العربية المأثورة :
(( الاسود غالب واللعب بالبيدق ))
قال : شاه بالبيدق فاصلح ما له ان يرجع الى بيته فرسه فشاه بالبيدق الآخر فأخذه فرفع البيدق الاول وفرزه واشاهه به فأخذه بالرخ فشاه بالفيل فرجع الى الزاوية فشاه بالفرس ومات (85 ).
اخذ الفرزان بالفرس فان أخذه بالرخ فشاه بالرخ من عقد الفيل ومات وان رجع الشاه بيتا ليأخذ الفرس فى الضربة الثانية اذ هو فى العرى ألقى الفرزان الى ثالثة فاذا أخذ الفرس بالرخ والشاه ستره بالفرزان واشاهه به فان عاد يحفظ رخه فشاه بالرخ من عقد الفرزان ومات وان تباعد أخذ الرخ وغلب ( 86 ) . (( ب ))
((الابيض غالب واللعب بالفرس )) وهذه منصوبة سهلة ، قال : شاه بالفرس من ثالث الفيل فى رابع الفرس فأخذه بالرخ فشاه بالرخ فشاه بالرخ الذى بيت الفيل فأخذه بالشاه فشاه بالرخ من ثالث الشاه مات ( 87 ) .
وهناك منصوبة أخرى منسوبة لابى الفرج محمد بن عبد الله المعروف باللجلاج لها قصة طريقة تتمثل فى ان شابا كان مولعا بالشطرنج يهوى فتاة اسمها ( ديلارام ) وقد اشترط عليه أبوها لزواجه منها ان يغلبه فى الشطرنج لان من كمالات الانسان ان يكون عارفا بالادب والشعر والفروسية وايام العرب وانسابهم حاذقا فى الشطرنج وحين جلس العاشق مع الاب للشطرنج وصلت وضعية الدست بينهما الى الوضع الموجود بالشكل ( ج ) .
(( ج )) الاسود - 4 -
الابيض - 7 -
فرأى الشاب أنه مهدد بكش مات الشاه ، فانحرج وتأثر وخاف أن يفقد محبوبته وهنا اطلت الفتاة - وكانت شطرنجية كأبيها - فهتفت بحبيبها : ضح برخيك وخذنى ، فانتبه الشاب الى الوضع وحرك الرخين وضحى بهما فكسب الدست ونال بغيته وكان سير الدست كما يلى :
الابيض : 1 : ر - ر 8 + 2 : ف - ف 5 +
الاسود : م × ر اجباري م - ح 1
( ويلاحظ ان الفيل الابيض قد نط فوق الفرس وكانت آنذاك تلك هى حركة الفيل ) .
3 : ر - 8 + 4 : ب - ح 7 +
م × ر اجباري م - ح 1 اجباري
) والملاحظ ان هذا الدست لعب ببغداد منذ ألف سنة وتزيد ) ( 88 ) .
آداب الشطرنج :
وضع العرب للشطرنج تقاليد ساروا عليها وآدابا تخلقوا بها فقد كرهوا الحلف على اللعب بصدق ولا يكذب كما كرهوا اظهار الحسد والغضب (89) ورأوا ان من كمال الحذق والادب فى الشطرنج ان لا يتدخل احد النظارة بارشاد أو التنبيه لمصلحة احد اللاعبين المتقابلين وجوزوا للاعب ان يتنادر على نده فى غير افحاش أو اقذاع وان يكلمه بما يخذله ويفت فى عضده من الاشعار والامثال وفنون الهزل والنوادر لان ذلك بمنزلة الارتجاز الذي يستعمله أهل القتال عند اللقاء (90)كما نصحوا بأن لا يدخل اللاعب بده الرقعة الا فى الوقت الذى يريد ان يحرك احدى قطعه فيمسها ويلعب بها ويحمل رسيله على ذلك(91)
وقد توجهوا كذلك بتوصيات خاصة الى من يلعب مع الملك او من هو من العظماء عملا بالمثل العربى المأثور ( لكل مقام مقال ) فنصحوا اللاعب في هذه الحال بأن يصبر حتى يبتدئ الملك باختيار احد الصنفين ثم يصبر حتى يبتدئ باللعب ويحترز ان يمثل عليها بالامثال القبيحة والاشعار السخيفة وكثيرا ما يجرى مثل ذلك من الالعاب ولا يقال الى الملك غلبت ولا قهرت ولا شاه مات وانما يقال شاه بلا بيت أو شاه ويسكت واذا فرغ من اللعب فلا يطرح لشطرنج فى وسط الرقعة بل يبقى مكانه حتى يشرع فى صفه(92) .
