الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

لقد حطمت القيد

Share

كانت نغمات الموسيقى تصل الى سمعها ولكنها لا تكاد تميزها لكثرة انفعالها وتفكيرها الذى تقطعه من حين لآخر زغاريد النساء المدوية فى ساحة الدار وحفيظه اعتذرت لدى صديقاتها من صداع الم بها ، شديد الالم ، مرير الوخزة . وتغامزن ظنا منهن انها متاثرة او خائفة ككل عذراء يوم عرسها . ولم تكذب حفيظة ، فبراسها اكثر من صداع ، وبقلبها اكثر من رجفة . ارادت الخلوة لتدبر وتعتزم ، ولتبكى وتتالم . كانت افكارها متناثرة تمر بسرعة لا تكاد تميز الواحدة من الاخرى . وجعلت تردد بمرارة " لماذا ترقب حتى الآن ! لماذا ترقب حتى الآن ! "

ثم اخرجت من صدرها رسالة ، زرقاء اللون ، وقرأت عليها عنوانها ، حروف مستقيمة خطت بعناية فائقة ، فكأن صاحبها يجتاز امتحانا ، والرسالة وردت منذ مساء الامس فلم تعتن بها حفيظة الا فى الصباح بعد الافطار ، وليتها لم تقراها .

وتذكرته ، تذكرته جيدا يوم ان قدم اليها وصافحها . وتذكرت صوته الدافئ الرزين ، ونبراته المتزنة ، ونظرته السوداء المعبرة ، تحت نظارتيه ، وتذكرت فمه الذى به وسوعة نسبية خالفت نظام تقاسيم وجهه . لقد حكى عن مهنته واخطارها وحبه لها ، سأله كل المستمعين ، ما عداها هى . فقد فتنت بالصوت ، والهيكل ، والقصة فلم تسأله ولم يكلمها .

حفيظة متشنجة الاعصاب ، تنقر باصابعها طاولة زينتها الصغيرة ، كانت وحدها بغرفتها ، بابها مغلق ، وستار نافذتها مسدل ، والموسيقى تعلو وتعلو . . والزغاريد تزداد حدة فحدة . . وهى غارقة . .

لقد قابلته بعد ذلك مرة واحدة ، انجدها خلالها فى حادثة . وتبادلت معه كلاما ، قصيرا ، جملة واحدة ، ثم فرت لانها خافت منه ، خافت ان تحبه . ولم تدر انها احبته من النظرة الاولى ، وفكرت فيه بعد ذلك ، وحلمت به ، وحكت عنه لاختها التوأم . سمعت عنه عن غير عمد ، سمعت عنه كثيرا ، فحفيظة زميلة لاحدى قريباته ، وكان يزور دار تلك القريبة ، ثم انقطع ولم يات بعدها . وباتت حفيظة لا تظفر من اخباره بشئ . فالقريبة لم تسمع عنه ، وحفيظة لا تسالها لحيائها . ومر الزمان بطيئا ، كالسلحفاة ، وحفيظة تترقب وتحلم وتحكى لاختها . . . حتى كان يوم .

حفيظة بجسمها رعدة ، انها ليست مقرورة ، ولكن ذكرى ذلك اليوم مريرة ، جد مرير . لم تكن تتوقع ان تسمع انه مخطوب ، لقد حلمت به ملكا لها وحدها واحبته حبا جارفا مكبوتا ، وبنت كثيرا من قصور خيالها له ، وتوجته ملكا . . ولكن سمعت عفوا انه لغيرها . وبكت حفيظة ، وظنت نفسها مظلومة واخيرا استكانت وصبرت . ومر الزمن بطيئا مرة اخرى ، وحفيظة تعيش متبلدة الشعور ، تحيا على الذكرى حتى بلغت العشرين من عمرها . وجاء ابوها ينبئ بخطبتها لاحدهم . ولم تمانع حفيظة ، فالامر سيان ، الحب الاول فشل فلماذا تترقبه مرة اخرى . وباتت من الامر على حياد ، لا يهمها ان تزوجت او بقيت ، واعلنت الخطبة منذ ثلاثة اشهر ، وقابلها خطيبها الذى لم يات بعد ذلك الا مرة واحدة ، فقد قرأ فى عينيها عدم اهتمامها به وفى رفضها الخروج معه لا مبالاتها بشخصه .

وجاء اليوم الحاسم وبداوا الحفلة منذ يومين ، وفى اليوم الثانى مساء تسلمت حفيظة الرسالة ، وقراتها صباح اليوم الثالث .

وجعلت حفيظة تفكر : اليس الحب اهم ما فى حياة البشر ؟ واذا كان هاما لهذا الحد ، فكيف يتردد الانسان فى اعلانه ؟ لقد قال انه احبنى من النظرة الاولى فلماذا لم يفاتحنى ؟ الأننا لم نتقابل ، ام لانه ملك لغيرى ؟ وانا ؟ هل سمحت له بملاقاتى حتى يجد ذلك الوقت . لقد كنت افر منه ، فلو لم اكن جبانة لما ترقب حتى الآن ، اننى لم اشجعه . . . وزفرت حفيظة ، مهيضة الجنان ، مكسورة الحدة . اكانت غلطته ؟ ام غلطتها ؟ ام غلطة القدر وحده ؟ قال فى رسالته " لقد بت من امرى على حيرة ، ومن مشكلتى على فشل فى الحل . انا لا ارهب شيئا فى الوجود ، بقدر ما ارهب مفاتحتك بحبى ، لقد احببتك ولم اقدر على الاعلان لانى كنت مقيدا بخطيبة شاء الاهل ان تكون فكانت ولم امانع مرضاة لهم . ولقيتك بعد ذلك ، عندما القاك القدر امامى . لقد وجد فى رجلا غير عادى فرمانى فى طريقك ، ووجد فيك آنسة مثالية فرماك فى طريقى . ماذا كان سيحدث لو نظرت اليك فى المرة الاولى كبقية اللاتى اراهن فى كل زمان ومكان ؟ وماذا كان سيقع لو صافحتك كما اصافح اية واحدة اخرى ؟ ليس هنالك شك فى انى سأظل بعيدا عن يد القدر الهازئة العابثة ، ولكنى لست بالمتاسف عما وقع . القدر عقد كل شئ ، قربنى منك وسخر منى لقيودى احن اليك . . واتمنى رؤياك . . واود محادثتك ، ولكن . . لم اتمكن . . "

وثارت حفيظة " قيود . . قيود . . ماذا عليك لو رميت كل شى وتقدمت ، ثم فكرت : القيود راسخة ، سوف لن تزول . لماذا لم تمانع هى فى خطبة

الثانى ؟ اتتهمه بالتراجع وضعف العزيمة وهى من تركت نفسها تقاد كالحمل الوديع بدون دفاع او اهتمام  . ؟

وارتمت على فراشها ، رأسها مثقل ، وعيناها غائمتان ، وتفكرت فقرة اخرى من الرسالة : " . . واحلنى القدر من خطبتى ، احلنى بدون ان اتراجع لقد قدر القدر عظيم حبى ، وصبرى واحتمالى فأعاننى ، لقد صرت طليقا ليس بينى وبينك الا خطوة واحدة ، بدأتها برسالة ، اود ان تصلك . سأترقب يا حفيظه مهما طال الترقب ، وسأجعل منك قيدا ثانيا لنفسى وقلبى اردته انا هاته المرة . . " ، وسكتت حفيظة ، بشفتيها رعشة ، وبعينيها جمود ، انه لم يتراجع فى الخطبة ولم يرفضها بل صبر حتى احله منها القدر كما ربطه سابقا بها ، ماذا كان سيحدث لو لم يحله القدر ؟ وجالت عينا حفيظة فى البيت واعتزمت امرا . ستكافح هى بلا شك ، لانها سوف لن تفلت ان تركت للقدر الاختيار .

وقبل ان تودع الرسالة صدرها ، قرأت خاتمتها ثانية " . . كتبت اليك وحتى املى فى وصول رسالتى اليك ضعيف جدا . ولكنى احسست وانا اصب تباريحى هاته حروفا تتلوى على الورق كفؤادى الملتاع ، وتتراقص كقلبى الراقص رجاء ، احسست وانا اصبها براحة كبرى تغمر جسمى وعقلى المكدودين المرهقين ، وبعزاء فياض يملاء نفسى القلقة المضطربة التى آلمتها تصرفات قدر وحب جبارين . عسى ان تصلك رسالتى فتعلمى انى احببتك واحبك الى الابد . . . "

وجلست حفيظة تترقب ، الزغاريد تعلو وتعلو ، والضجيج يشتد ، والموسقى تحتل جو المنزل المزدحم .

وجفلت حفيظة : بالباب طرق ، دخل الوالد ، تعلو شفتيه ابتسامة ، قال : " جاء العدلان ، فهل تأتين للموافقة على القران ؟ " . ونظرت حفيظة اليه ، وكأنها تراه لأول مرة ، ثم انتصبت وسارت ، شامخة الرأس ، ثابتة الخطى . وعلت الزغاريد . دخلت ، وقال شيخ معمم مجبب : " هل ترضين ، يا حفيظة ، بسليمان زوجا لك وبعلا حلالا ؟ . . " حدقت فيه مليا ، ثم اجالت بصرها فى من ضمهم البيت : اب يجهل حقيقة عواطفها ، وشيخان لا يفكران فى معنى الحب بل فى ما يدره كتب الصداق ، وخطيب ، مطرق ، علت وجهه حمرة ، ورانت عليه سحابة خجل ، واناس تظهر على وجوههم الغبطة لجهلهم . ونطقت حفيظة قالت " . . . لا . " ثم دارت وانصرفت ، بقلبها غبطة وبضميرها رضى واطمئنان . لقد حطمت القيد . .

اشترك في نشرتنا البريدية