لقد أمكن أن يكتب على حائط سربون ماى 68 أى بعد عشر سنوات من خلق اجازة فرنسية فى علم الاجتماع ما نعتذر عن البدء بتذكيره كما أتى : " اذا شنق آخر بيروقراطى بأمعاء آخر عالم اجتماعى فلن تكون لنا مشاكل " ، كما كتب اختصارا : " اقتلوا علماء الاجتماع " . طبعا فى هذا أولا انذار بافلاس علم الاجتماع الفرنسى التقليدى أو " الرسمى " كما يقولون هناك . علم لو تسمح له طرقه الاستفتائية ومفاهيمه السكونية أو باختصار القواعد الدوركهايمية المروتنة بتحليل الدينامكية وما قد تحوى من قطع أو قطيعة . على أنه جدير بالاشارة بدءا أن جل من نادوا اذاك بسقوط علم الاجتماع كانوا ينتسبون الى علم الاجتماع . لهذا كانت فيما تلى تلك المدة كتابات وملتقيات فر نسية كان موضوعها التحليل السوسيولوجى لظاهرة اجتماعية جديدة هى اتهام السوسيولوجيا للسوسيولوجيا .
لكن هناك أيضا - وهذا محور الحديث - فكرة الربط بين هذا العلم والايديولوجيا ولتكف الاشارة إلى أن أول اطار للحركة التى انتجت هذا التوعد الرمزى بالعالم الاجتماعى الفرنسى كانت المظاهرات المعادية للامبيريالية والهاتفة بحياة الشعب الفيتنامى . كما أن البند 23 مما سماه الطلبة اذاك " ميثاق السربون " ينص على رفض الفصل بين العلم والايديولوجيا فصلا ما انفكت أغلبية أهل العلوم الانسانية عامة وعلماء الاجتماع خاصة تؤكده وتدافع عنه بدعوى ما تتنمية الموضوعية . لهذا مثلا لاقت كتابات التوسير ( Althusser ) ابتداء من 68 وبعد نجاحها الاول ردود فعل عنيفة لا تقبل
خاصة ما يسميه " القطع الا يبيستيمولوجى " جاعلا من 1844 حدا فاصلا بين الايديولوجية والعلمية عند ماركس .
ماذا اذا من أمر علاقة أكدتها الازمات ، ثم ماصلة هذا بمشروع النهوض بعلم الاجتماع فى الوطن العربى ؟
من المفروغ منه اليوم أن العالم تتقاسمه الايديولوجيات ، تتقاسمه الى حد أن فكرة " العالمية " مثلا بل وحتى فكرة " الحوار " تبدوان من أخطر أمراض العالم الثالث إجمالا . ذلك أن العالم على عكس ما يزعم أهل الخيالية أو المثالية يسير سيرا حثيثا الى نظام الكتل ، بحيث أصبح الشعور بالانتماء لا عنصرا تعريفيا فحسب بل وعاملا حيويا من عوامل البقاء . على أن التجربة العربية فى هذا الباب جد معلومة ..
من هنا جاءت تصنيفات أبرزها على وجه التأليف : علم اجتماع رأسمالى وعلم اجتماع اشتراكى ، ثم علم اجتماع البلدان المتقدمة وعلم اجتماع العالم الثالث . على أنه خلال هذه التصنيفات وما تحصره من تصنيفات وسطية يبدو تمييز عام بين مالا يتردد فى تسميته علم اجتماع تقدميا وعلم اجتماع رجعيا .
النزعة الايديولوجية موجودة اذا ووجودها ثابت فى المستوى النظرى وفى المستوى التطبيقى أو على الاصح فى المستوى الايبيستمولوجى الرابط بينهما :
لكى لا ندخل مبدئيا فى ملابسات تعاريف الايديولوجيا المتعددة يكفى فهمها تبسيطا على أنها تمثل ذهنى للواقع تمثلا يحدده التاريخ ويرتبط بوضع نفعى . فهى بالتالى بناء نظرى قد يشوه الواقع وقد يكون غير واع لدوافعه ، ولكنه قد يكون أيضا عن وعى ذا صلة موضوعية بالواقع وبالتالى ذا وظيفة غير نفعية فى المعنى الضيق للكلمة .
على هذا الاساس تكون فكرة الفصل بين علم الاجتماع والايديولوجيا مدعية وجود عالم اجتماعى خارج عن كل وضع واقعى يتمثله تبعا للتأثير المتبادل بينهما عالم لا يكون له ككل الناس دور ومكانة تواليا وباستمرار .
لكن أصل الفكرة معلوم : دراسة الظواهر الاجتماعية كما تدرس الاشياء ومن الخارج . مما افضى الى مطالبة العالم الاجتماعى بموقف الفيزيائى . وهى مطالبة وضعية وهمية . ذلك أن المسافة التى تفصل العالمين عن موضوعيهما ليست من طبيعة واحدة . فعلى عكس الفزيائى يصعب الى حد الاستحالة على العالم الاجتماعى التمييز بين الشىء الواقعى أى ما يعرض على الادراك والشىء
المبنى بالدراسة وخلالها . واذا كان للادراك عوامل ذاتية مفروغ منها فان ما يبنى اعتمادا عليه مجبور على التغير ، فى حين يبقى المعطى الفيزيائى على حاله مستقلا بذاته ، بل ان دارسه لا يبنيه بل لا يدركه بالمعنى البسيكولوجى للكلمة .
ان الفرق واضح بين من يحلل معدنا تحليلا لا يخضع - مهما كانت فلسفة الحياة - الا الى قوانين علمية داخلية وبين من يحلل ظاهرة اجتماعية هو أولا جزء منها ، ثم هولا يباشرها مجردا من مكتسباته النفسية والذهنية ومن وعيه الممكن أى من نزعة التوق الى حل مشاكله فردية كانت أم جماعية . معنى هذا أنه يتناولها رجوعا الى جملة من الرموز والاصطلاحات حدد مضمونها الانتماء الى وضعية معينة أبرز أشكالها الوجود الطبقى . كما أن الثقافة فى حد ذاتها ككسب امتيازى كافية لتشخيص هذا الوجود . بل لقد يمكن القول بأن رفض المثقفين ايديولوجيا للعرقية الطبقيةEthnocentrisme de classe ومنهجيا للاموضوعية قد لا يكون غير تغطية محكمة أو مغرية لعرقيتهم الثقافية أو المهنية كمجموعة مرجع ، وبالتالى ذات سلطة . وليسمح لى بالاشارة العابرة فى هذا الخصوص الى غرابة الترسيمة البنيوية التى يمكن الحصول عليها اعتمادا على مشتقات كلمة الثقافة كما تثبتها القواميس العربية : هناك رسم مرتبى قاعدته الذكاء أو اللامساواة الطبيعية وقمته الغلبة أو السيطرة أو كما تقول القوامس : الاصابة فى الغرة .
لهذا يمكن التساؤل : إذا كان مستحيلا على العالم الاجتماعى أن يتجرد من مسبقاته المفهومية التى لا تملى عليه موضوعه فحسب ، بل وأيضا منهحبته ، واذا كانت فكرة التخلص من القيم الايديولوجية ليست تبعا لذلك الا موقفا ايديولوجيا خاصا ، واذا كان آخر الامر فرق بين موضوعية العلم وموضوعية العالم ، اذا كان هذا وذاك فكيف يعلل هذا التضارب الذى يجب ـــــ فى اعتقادنا ـــــ أن يتفطن اليه الباحث فى العالم الثالث عموما وفى البلدان العربية خصوصا : طغيان فكرة التجرد الايديولوجى (desideologisation) فى فترة يطغى فيها الصراع الايديولوجى فى العالم ؟
تلخيصا للاشارات السابقة وانطلاقا منها تبدو فكرة التجرد الايديولوجى ايديولوجية غربية ذات حدين على الاقل : انتقاد التحليل الاشتراكى وقواده ، ثم بل قبل ذلك وأساسا المدافعة الضمنية عن نظام اجتماعى واقتصادى طبقى يجد فيه العالم الاجتماعى كغيره من العلماء مكانه بل مكانة فى البيروقراطية الموجودة .
النقطة الاولى يطول الجدل فى ملابساتها ويكفى الرجوع الى عوارضها الاولى عند ماكس فيبر ) Max Weber ) وكارل منهايم ( Karl Mannheim ) بالنسبة للنقطة الثانية يلاحظ أولا أن الانتاج فى البحوث العلمية والاجتماعية يخضع لقانون العرض والطلب . لكن من يعرض ويطلب فى البلدان الرأسمالية؟ هنا صلب القضية .
فى عام 1969 خصص 130 مليارا من الفرنكات للبحث في الولايات المتحدة ، لكن على الوجه التالى : 50 % للدفاع و 25 % للفضاء و 12 % للذرة ، بحيث لا يصرف فى دراسة كل ما تبقى من جوانب الحياة البشرية الا 13 % . صاحب الطلب هنا الايديولوجيا الحاكمة ، واذا فالاشارة الى صلة البحث بالسياسة الامريكية داخلا وخارجا اشارة مبتدلة .
كذلك الامر اذا كان صاحب الطلب مؤسسة من المؤسسات أو منشأة صناعية أو تجارية خاصة . لا مجال هنا للتعميم ، ولكن من المعلوم أن المستقلين من الباحثين فى البلدان الرأسمالية قلة بالنسبة للبيروقراطيين العاملين لفائدة القطاع الخاص . بل هم يعانون كبتا مأتاه أن لا تحظى نتائجهم بالتطبيق لانها لا تلبى طلبا . ولقد ذكر ميرتن ( Merton ) الذى اهتم بهذا الموضوع مثال الميز العنصرى فى مركز صناعى بشمال الولايات المتحدة الذى اكتشف فيه تدهور نفسى عند العمال السود وانخفاض فى مستوى الانتاج يعزى ظاهرا الى الميز العنصرى . " كان المشكل بالنسبة للباحث البيروقراطى معرفا كما يلى : كيف يمكننا ارجاع الميز العنصرى مطاقا أو مستلطفا عند العامل الاسود ؟ ثم ينبه هذا الباحث ( البيروقراطى ) الى أن أنواعا من الدعاية يمكنها رفع معنويات السود دون أن تقضى على الميز . فهو يقحم نفسه اذا داخل سياسة سابقه يدعمها " . هذا النوع من المواقف سمح لكثير من الناظرين فى علم الاجتماع الصناعى الامريكى باعتبار مشروع الاندماج أو التلاؤم موضوعا أساسيا فيه . فكرة الدفاع الضمنى عن نظام يستغله مالك المعمل ومالك الثقافة لا يحتاج هنا الى الاثبات .
هذا ما ينطبق أخيرا على النقد الاجتماعى نفسه . ذلك أن النقد الموجه الى المجتمع لا مناص له من الرجوع الى نوع ايديولوجى خاص أو فى طريق التبلور وبالتالى الى قيم يطالب بها المجتمع نفسه ، وهو ما يمكن اكتشافه أيضا وراء دراسات هاجمت فى امريكا مثلا جوانب معينة من النظام الرأسمالى الاستهلاكى كما فعل ميلس (Mills) وفانس باكار (Pacard) وغيرهما .
وعلى كل فالمقصود من هذه الاستشهادات المقضبة لا تتجاوز ضرب المثل على التوازى بين النزعات الايديولوجية واتجاهات البحث فى بلد أراد أن يرث فورث فعلا عن دور كهايم وماكس فيبر خاصة ما يسمى بالتجرد الموضوعى . وهو تواز ممكن التعميم ورابط بين ذاتية الموضوعية وموضوعية الذاتية .
ولنفتح فى خصوص هذا التعميم قوسين يحصران وضعا غريبا فى بلداننا العربية : المجتمع العربى اجمالا مجتمع أدبى الى حد الآن . ولسنا ندرى ما اذا كان فى هذا اثبات للرأى القائل بأن الشعوب المضطهدة لا تجد من التعبير عن حالها غير الادب . على كل ومهما يكن من أمر فان الادب هو الذى أثار جوانب هامشية نسبيا مما نتحدث عنه : مشكلة الشكل والمضمون وصلة العبارة بالمجتمع وفكرة الالتزام والفصل بين الذاتية والموضوعية ، الى غير ذلك . ولنتذكر مثلا من جملة المعارك ما كان بعد الثورة المصرية حوالى عام 1954 بين طه حسين أو العقاد ومحمود العالم أو عبد العظيم أنيس وأنصارهم . وهى غالبها معارك لا يواجه فيها الادب غير الادب . بل ان كثيرا من مواضيع الطلائعية اليوم ــــــ وهى من اهتمامات علم الاجتماع الحديث فى بلدان أخرى ــــــ لا يزال يرد عنها ولا نقول يحللها أدباء لا تربطهم بالمنجهية العلمية أية رابطة . وهم طبعا أدباء يمثلون أعراضا ايديولوجية قلما تم الشعور لهم بها .
ان ما يدعو نهاية الامر الى تحليل ايبيستيمولوجى هو هذا التداخل الغريب واللاواعى غالبا بين ما سمى العامل الموضوعى الذى هو حكم الايديولوجيا والعامل الذاتى الذى هو ادراك العالم لهذه الايديولوجيا على أنها من ثمار ابحاثة جناها اختيارا وبمحض ارادته . لنترك هذه النقطة للتأمل وليكن تلخيص العلاقة أن علم الاجتماع لا يتأثر حتما بالايديولوجيا فحسب ، بل يصبح نفسه ايديولوجيا أو وسيلة من وسائل الصراع الايديولوجى .
يمكن بعد هذا وعلى ضوئه التفكير فى كمونيات هذا العلم فى البلدان النامية بما فيها البلدان العربية . ولعله من الحشو التنبيه الى ثغرات ستبدو فى محاولة تمر على تباين الاوضاع وتضاربها سعيا فى تأليف مجبر بالتالى على التفاؤل .
السؤال اذا هو التالى : المناداة بالتجرد الايديولوجى كانت ولا تزال باسم الموضوعية والمنهجية ، لكن أية موضوعية وأية منهجية ؟ فى خصوص المنهجية ـــــ وهى من العقد العصبية - كلنا يعلم أن ما يؤخذ عن الغرب كان وسيلة اختارها هذا الغرب لتحليل ذاته أى كان عرضا تاريخيا لحلول تناسب مشاكله
الخاصة . فهى حلول مكيفة تفضى استعارتها على رمتها الى جملة من المفاهيم المرتبطة بتطور يختلف بناء عن تطور المستعير بل ان تطبيق بعض الوسائل فى البحوث الميدانية نفسها قد يؤدى الى نتائج لا تمت الى الواقع بصلة . ذلك أن الاستمارة السوسيولوجية أو الرائز ( أو التاست ) البسيكولوجى قد تحوى مفاهيم لا ترجع الى معنيات مضبوطة فى دنيا الشخص المدروس .
ان المنهجية المطبقة فى البلدان النامية لم تكتشف ولم تطور تلبية لحاجيات هذه البلدان ، وهو شىء طبيعى منطقى . بل العكس هو الصحيح وتاريخ الأتنوغرافيا شاهد على ذلك . بل يشهد عليه اليوم فشل الكثيرين من أهل الاختصاص الاجانب كلما تناولوا ولو ثوريا وبعزم سليم مشاكل غيرهم بأساليب غربية .
باختصار ، ان المنهجية المستعارة لا تبعدنا عما نريد تحليله من واقعنا فحسب ، بل انها تقوى الشعور " بالعقدة " أمام منهجية - معيار تتطور فى الغرب تطورا غريبا . اذ معلوم أن سرعة الخلق وسرعة الاخذ لا تتعادلان . هذا دون اعتبار لوقت تتطلبه الملاءمة لو كانت موجودة . هذه المسافة المتزايدة دوما تبدو فى موقف السمسرة بقواعد دور كهايم أو فى العيش بها وعليها ، دى حين أن آفاقا منهجية أخرى ظهرت واتسعت تتشعب فيها الاراء والمناقشات وتتعدد النتائج متكاملة لفائدة الفكر العلمى . وهى نتائج اذا استوردت يوما وقد ولى زمانـها فسوف تكون جوابا عن سؤال غير مطروح .
أما فى خصوص الموضوعية فالمشكل أن هذه الموضوعية كما اتضح سابقا تعنى أولا اختيار موضوع وثانيا ما يزعم أنه الحياد . الا ان الاهم من ذلك ـــــ وهنا نتناول الجانب الايجابى أو التقدمى أو الموضوعى الفعلى للايديولوجيا ـــــ أن من المواضيع المدروسة فى بلداننا ما يذهب جفاء لا ينفع الناس ، أو هو ـــــ وهو أدهى - لا ينفع غير قلة أصحابه بمن فيهم الباحث . بل لقد يمكن الذهاب أبعد من ذلك : يجب الاعتراف بأن من الحقائق أو بعبارة أوضح بأن من البحوث عن الحقيقة ما قد لا تكون تدليلاته ونتائجه الا عملا سلبيا ، ولنقل رجعيا - ولم لا ؟ ــــ فى المستوى البشرى . أما ما يزعم أنه الحياد فى البحث فمنه أيضا ما ليس انسانيا و لو سلمت طويته . المثل يضرب يوميا : جدل هزلى الدراما وبيزنطة مهددة !
العالم الثالث وفى مقدمته البلدان العربية مهدد باستعمار جديد يتسرب اليه فى كل مستوياته من شعاب دقيقة وفى أشكال غريبة . هذا بقطع النظر عما يستمر من استعمار صريح فى بعض أراضية . فى هذا المستوى العلائقى
قد لا يكون الموضوع الا بعدا ثقافيا من أبعاد هذا الاستعمار الجديد ، وقد كان كذلك فعلا فيما مضى . على أن فى الرأى الغربى نزعة قوية ظاهرة الى استنتاج تفوقه استنادا الى سيطرة مواضيعه على البلدان النامية . واذا كان مشكل اللغة مبسوطا فذلك لانها هى أيضا موضوع وليست مجرد شكل حيادى كما كان يظن . دل على ذلك مثلا موقف فرنسا اللغوى من دخول بريطانيا فى السوق الاروبية المشتركة . ثم انه لغنى عن الذكر هنا أن البحوث الخاصة بالبلدان النامية هى نفسها جلها بين أيدى أهل الاختصاص الاجانب يقومون بها أو يشرفون عليها . فالدراسات حول المغرب العربى مثلا لا يزال اكثرها - رغم تزايد الباحثين اجمالا فى البلدان الثلاثة ورغم رغبتهم الواعية فى التعويض - لا يزال من انتاج المؤسسات الفرنسية عملا وتوجيها . ويبدو ان عدد الباحثين الانقلو سكسونيين قد تفاقم فجأة بعد استقلال المغرب العربى خاصة فى المغرب الاقصى وتونس .
ان الفخ المنصوب اذا - فى المستوى النظرى - يغطيه منطق الربط بين الموضوعية والموضوع ربطا تعمى فيه نسبية الاختيار . بحيث يكون الحل الوهمى هو التالى : اكتساب الموضوعية عن طريق الموضوع الذى ثبتت فيه . هذا ما يفسر المسايرة الرائجة لكتب سوسيولوجية غريبة فصلا فصلا أو فكرة فكرة فى تدريسنا الجامعى مثلا . وهو بالتالى ما يفسر المسافة المهولة بين طالب فى علم الاجتماع والمجتمع الذى كان من أوكد حقوقه معرفته . ثم من منا لم يعش تجربة غريبة شاء التاريخ أن نتعرف فيها فى مجتمعاتنا عن الغرب وفى الغرب عن مجتمعاتنا . وهى تجربة لم يجابه فيها المستشرق مستغربا بل رافق متغربا .
واذا فبأى موضوع وبأية منهجية نهتم ؟ على الاصح : أية موضوعية نختار ؟ واضح هنا أن عبارة الاختيار مقصودة بعد أن ذكرت صلتها بالايديولوجيا . فهى لا تعنى رفضا شاملا يبطله تكامل الثقافات ولا انطواء دوغماتيكيا قد يؤول الى عمل هاتف لا هادف . انها تعنى الاولوية . أولوية تحددها ايديولوجيا موضوعيه . هذه الايدولوجيا الموضوعية واحدة لا غير : تلك التى وظيفتها الاجتماعية خدمة ما يجب أن تعنيه فعلا عبارة المصلحة العامة ، أى مصلحة المجموعات المشرئبة الى التقدم والتى لا تعاكس التاريخ . وهى التى وظيفتها على الصعيد العالمى ـــــ تأكيد الشخصية القومية كتركيب تاريخى أمام عمليات المسح او المسخ الخارجى وتوطيد مشيتها ـــــ تحليلا لا هتافا طبعا ـــــ نحو الثبات الحيوى وسط مجموعة يدعوها اليها منطق التقدم والتآزر المحتمل : عالم ثالث ، وطن عربى ، مغرب عربى ، الى غير ذلك .
على هذا الاساس تعطى الاولوية بحثا وتعليما الى مواضيع تباشر التغير الاجتماعى او الديناميكية وهى الموضوع الفعلى لعلم الاجتماع لا الى مواضيع تكون نتائجها " الموضوعية " اثبات السكونية وما وراء ذلك من نزعة المحافظة على ما هو موجود . على هذا الاساس تعطى الاولوية للنمو وللوعى الممكن ( أو ما يسميه الفرنسيون بالــــ : ( conscience possible ) وهو من واقع المجتمع لا الى مواضيع تصبح الثقافة فيها فلكلورا ينشر لفائدة السائح واغرابيته . على هذا الاساس تكون المواضيع مرسومة داخل كلية ذات حاصلة تقدمية لا متشتتة أو مشتتة باسم الموضوعية والدقة : قبائل ، لهجات وغير ذلك دون أن تبدو التناقضات كقوة محركة فى التغير الاجتماعى ، مما يبقى او يسقط العالم الاجتماعى فى أتعس الدراسات الاتنوغرافية عقما وارثا . على هذا الاساس ايضا تعطى الاولوية لتحرر الشعوب ولتحليل الاستعمار الجديد وهو موضوع سيكون اختصاصا فى مستقبل العالم الثالث ولا شك .
طبعا لا مجال هنا لعرض القائمة الكاملة ولا مجال لذكر المراجعات الضرورية التى يجب أن يمليها التأمل فى علاقة المعرفة بالواقع الحى . وهو تأمل مستعجل الضرورةكما تنبهت الى ذلك بعض النداءات الفردية وقلة من مشاريع السياسة الثقافية فى المغرب العربى مثلا . ففى تونس ـــــ وهى نسبيا ذات عملة سوسيولوجية ـــــ خوطب الباحث الرسمى باسم الشخصية القومية وانتقد التعليم باسم التونسة . وفى الجزائر يكفى الرجوع الى المشروع الثورى الرامى - كما ينص الاصلاح - الى أن " تجد الجامعة نفسها فى شعبها أن يجد الشعب نفسه فى جامعته " والى " ارضاخ المواد الموجهة او الملوثة بايديولوجيا استعمارية ( كالتاريخ والاتنوغرافيا والاتنولوجيا ) الى صيرورة الانعتاق من الاستعمار . لا شك أن عراقيل هذه المشاريع متعددة الطبيعة والدرجة ، لكن لها مساس بالسياق : فقد يفضى اتصال " الموضوعية " بموضوع مستعار غير واف بأغراض التقدم الى محو شخصية الباحث نفسه او الى نوع من "التموضع" لقد شاء رسام فرنسى أن يعلق على رحلة لانديرا غاندى فى أوربا فرسمها أمام طفل عار جائع يطلبها قوتا فتفتح له حقيبة ملئت شعارات : تفهم رحمة ، سند معنوى وما شابه ذلك .. نفس الخيبة تقريبا ـــــ مع اضافة العمد طبعا ـــــ بين من يعطى الاولوية الى الوظيفية أو الى البنيوية التقليدية ( وليس فى هذا رفض لما يجب نقد معرفته ومعرفة نقده ) وبين من يرجو حلا لمشاكل أولى من ذلك وأوكد بكثير : مشاكل حياة أو موت . نفس الخيبة تقريبا بين من ينقل نظريات تجاوزها أهلها وبين من لا يفهم واقعه الا انطلاقا منه ورجوعا اليه .
المسألة اذا مسألة أولية اكسب الحق فى تحديدها تحرر الشعوب . لذلك
لابد هنا من احتراز : قد يؤول أمر البحث الى خطية مبتدلة لا خلق فيها ولا تجديد كما أن التركيز على المباشر قد يؤدى الى عقم الفكر النظرى أو كبته فى حين أن المرحلة التنظيرية هى التى تمكن من بلورة المفاهيم وضبطها انطلاقا من خصوصية التجربة ، وهى بالتالى هى التى تصوغ صياغة تأليفية ما نترقبه من نوعية الاستقلالية فى البحث .
وختاما لاشك ان فيما سبق شيئا من التبسيط ومرا على كثير من الملابسات الموضوعية هى ايضا . من ذلك أساسا حرية الباحث موضوعا ومنهجا حسب امكانيته داخل الاطار التقدمى العام . هذا طبعا اذا وجد هذا الاطار العام . أما اذا لم يوجد - كما هو واقع - أو حال وجوده دون ظهور التحليل النقدى كما هو واقع ايضا ، فاما أن يساهم الباحث باسم العلم فى افساد وضع فاسد ، واما أن يضمر البحث ويختنق بالتركيز فى براغماتيكية سطحية ضيقة ، وهو ايضا نوع من الافلاس : التأليف التكاملى هنا جد عسير بين حتمية الايديولوجيا الموضوعية وحرية الباحث ، ولكنه مرحلة حاسمة الاساسية . لهذا تساءلنا ما اذا كان علم الاجتماع ممكنا فى البلدان العربية . وهو تساؤل أقرب الى الغيرة منه الى شىء آخر . تساؤل يريد فيه تشاؤمه المتفائل أن يراهن على المستقبل .
من ذلك ايضا مشكلة الكفاءة أو التجربة على الاصح ، اذ معلوم أن استقلال البلدان النامية لم يعن كسبا تلقائيا لهذه التجربة . لكن - ودون تبذير فى العبارة - قد لا يكون هذا الحرمان فى ميدان البحث الا حظا فريدا فى توجيه مستقبل فريد . ذلك أن المنحى العام الذى سبقت محاولة رسمه ( وهو ارتباط علم يخال حياديا بالايديولوجيا ، ربطا لا حل له غير الربط بايديولوجيا موضوعيه ذات وظيفة اجتماعية تقدمية ) لا شك يفضى الى خلق فعلى فى هذا الميدان وبالتالى الى اثراء المعرفة فى العالم .
ثم لعله ـــــ ومن يدرى ؟ ـــــ قد يخلق فى الوطن العربى علم اجتماع متميز الموضوع والمنهجية ، وبالتالى متميز الايديولوجيا .
هذه - فى اعتقادنا - امكانية علم يعتبر الامكان من ابعاد موضوعه الجذرية ، علم يساير التاريخ ولا يريد أن يشنق يوما ! ...

