لم يخطر بيالي حينما تصديت لهذا العمل العلمي الخلقي انه سيكون مثار تساؤل . وناهيك بالاستنكار من بعض الطوائف والعناصر . .
ولكن تصورى ثبت بالبرهان العملى انه خاطئ . وان عقول بعض الناس لاتسيطر عليهم ، بل اهواءهم واوهامهم الموروثة هي التى تتحكم فى سلوكهم
لقد ادهشني ان اجد الموقف بين المسيحيين والمسلمين على غير ما يقتضيه المنطق السليم والخلق القويم . فالمسلمون يمجدون المسيح . والقرآن الكريم يشيد بالمسيح ويدفع عنه أباطيل اليهود ومفترياتهم ويثنى عليه وعلى امه ويثبت له المعجزات والكرامات . والمسيحيون عند المسلمين أهل الذمة . وأقرب الناس مودة . فكان المنطق المستقيم والخلق السليم يقضيان بأن يكون المسلمين ودينهم ورسولهم الكريم مثل ذلك التبجيل لا عن مجاملة أو نفاق بل عن اقتناع . وهالني ان ارى عشرات بل مئات الكتب يصدرها فى بلاد الغرب مسيحيون بل قساوسة حشوها المطاعن والافتراءات والتحامل على الاسلام ورسوله . ووصلت هذه المفتريات الى حد البذأة المقذعة . . في حين لم يصدر سطر واحد بقلم مسلم - عالما
أو غير عالم - طعنا في المسيح .
هاني هذا . وكنت اعتقد ان واجب المسيحيين العرب الذين عاشروا المسلمين وخبروا الاسلام عن كثب نظريا وعمليا ان يبصروا اخوانهم الغرب بالحقيقة وان يقولو لهم ان ما ينشر فى بلادهم عن الاسلام ورسوله كذب متعمد وخلط وتجن على الحق والتاريخ والواقع
فى اعتقادى هو واجب المسيحيين العرب لاكثر من سبب :
واول هذه الاسباب انه ليس لديهم ما لدى الغربيين من عذر الجهل باللغة العربية والغربة ، عن بلاد المسلمين وثان هذه الاسباب انه ليس لديهم ( ما يكون لدى الغربيين من الاحقاد والعداوة الاستعمارية التى تورث سوء النية .
وثالث هذه الاسباب ان التعايش مع المسلمين مدى ثلاثة عشر قرنا او اكبر جعل المسيحيين العرب في تجربة متصلة لسماحه الاسلام والمسلمين وبعد دينهم عن العصبية العمياء وانتفاء كل ما يرميه به المغرضون من سيء القول وسخيف التهم .
والملح حقا وعقدا يلزم - ورابع هذه الاسباب ان " للخبز حتى قطاع الطرق والسفاكين - بالمؤازرة ودفع الغيبة . . فما بالك والذى بين المسلمين والمسيحيين العرب من الخبز والملح لم يكن صلة بين قطاع طرق وسفاكين ، بل بين اهل وطن وأهل ذمه وكلا الفريقين يلزمه دينه بالوفاء والصدق وشهادة الحق وحسن الخلق . . . ولو كان المسلمون كما ينعتهم المغرضون اهل غدر وقسوة وسفك دماء لما بقيت للمسيحيين باقية فى بلاد المسلمين الى يومنا هذا . . بل الحقيقة على العكس . فما اكثر من استوزروا من المسيحيين العرب في مصر والشام وغيرهما من ديار الاسلام حتى على عهد الغزو الصليبي . . وما وجد المسيحيون العرب على مر العهود وتباينها الا كل رعاية وحماية واعزاز من مواطنيهم المسلمين . .
افلا يكون جزاء الاحسان بعد هذا هو الاحسان ؟
افلا يكون من اوجب الواجب على المسيحيين العرب ان ينفوا عن المسلمين اخوانهم واحبائهم ما يريهم به المسيحيون الغربيون من هجر القول وفحش الافتراء . وان يشهدوا لهم ولدينهم السمح ورسولهم بما شهدوه وخبروه وعلموه من العفه والنقاء ، والصفا ، ومكارم الاخلاق ؟
هذا ما دلني تفكيرى على انه الحق والواجب .
وعجبت لان احدا من عشيرتى العرب المسيحيين لم ينهض بهذا الواجب من قبل فقلت لنفسى ان هذا يلزمني الزاما مضاعفا باداء هذه الفريضة العقلية والخلقية والقومية . لانني درست عن كثب ذلك الدين السمح . واطلعت على مصادره غير متأثر بهوى . والواجب فرع عن المعرفة كما يقول العقل . وقلت عساى بهذا العمل اعوض بعض ما فاتنا نحن المسيحيين العرب من واجب كانت تلزمنا به عهود الوطنية ومبادئ الشرف وقواعد العقل وروح ديننا نفسه ، ذلك الدين الذى يوصى اتباعه بالمحبة والوفاء حتى لاعدى الاعداء ، فناهيك اذن بأحب الاحباء واخلص الاصفياء ، وشركاء السراء والضراء ؟ !
وعكفت على تنفيذ هذا العمل والاستعداد له منذ سنة ١٩٤٨ م الى سنة ١٩٥٨ م . واخرجت فى ١٩٥٨ كتابي الاول فى الموسوعة الاسلامية التى تضم اكثر من عشرين كتابا . وسميت ذلك الكتاب الاول محمد الرسالة والرسول " بقصد البرهنة بطريق العقل المجرد على سلامة الرسالة وجدارة الرسول بهذه الرسالة وصدقه فيما دعا الناس اليه . وانه لا يتجنى على المسيحية ولا يظلم اهلها . وان ما يبشر الناس به لا يأخذه الباطل من بين يديه ولا من خلفه اذا احتكمنا الى المنطق الفطرى السديد من غير تأثر بالاهواء والاغراض فالمنهج الذي اتخذته منهج علمي منطقي بحت ، يلزم المؤمن بالاسلام وغير المؤمن به على السواء . . ويحمله على اجلال هذه الرسالة السامية ورسولها الكريم
اجلالا هو حقهما المطلق بغير مراء . . . الا ان يكون فى القلب مرض والعياذ بالله يدفع الى المكابرة واللجاجة .
ولم يحو كتابي طعنا في دين احد . ومن باب اولى ليس فيه طعن فى المسيحية وآدابها . وما كان ذلك ليتسنى وانا رجل مسيحى . ولكن كل ما قصدت اليه ان ابين للمسيحيين ان المسيحية ليست هي الدين الوحيد الذي يحتكر الهداية الى الله . والبرهنة لهم منطقا على ان المهتدين برسالة الاسلام لا يختلفون في هداهم لانهم انما يعبدون الإله الواحد بغير شبهة شرك وان هذا هو لباب المسيحية الاصيلة التى نادى بها المسيح .
لم أقل سوى ان المسيحية ليست الطريق الاوحد الى الله . وان ما فى الاسلام من العقيدة والمبادئ صحيح سليم قويم . وانه كما ينادى الاسلام بان العقائد السماوية الأخرى صحيحة قويمة . فلذلك يجب ان يقتنع المسيحيون بان عقيدة الاسلام صحيحة قويمة . وان المسلمين لا يتخلفون في مجال الهداية والإيمان بالله عنهم
دعوت الناس الى هذا ببرهان العقل . غاندى مسلما ولا مسيحيا (وزدت الامر وضوحا فاهديت كتابي الى غاندى وماكان ولكنه احترامه لجميع الاديان . وموقفه من
مواطنيه عندما جاروا على حقوق المسلمين فى الهند جعله مثلا يحتذى فى السماحة وسعة الافق وسلامة العقل .
والى مثل هذا دعوت غير المسلمين كى يجلوا دين الاسلام اجلالا مبينا على الاقتناع بسمو رسالته وسمو مناقب رسوله . .
ما اردت اذن الا ان يكون الناس اخوة يحقون الحق ويشهدون به بلا تردد ولا جمجمة . وما نهيتهم الا عن ضلالة الجور فى الرأى بغير حجة .
وقامت في اقطار شتي - ولا سيما فى الفاتيكان - عاصفة من الغضب الاعمى وحملة من الافتراء والتشويه لمقاصدى والطعن على شخصى ونزاهتى . وتعرضت لشئ كثير من جانب الجهلاء والسفهاء فهددت حياتي وطبع فى لبنان كتاب من تأليف القس المصرى سرجيوس للتشهير بى . . . وغير ذلك . . ولكنى لم اهن : واصدرت كتابي الثاني " وامحمداه " وفيه الرد على مطاعن المغرضين وتخرصاتهم فى صدد " حياة الرسول الخاصة فى بيته ، وهى من اكبر ما يلغطون به جهلا وسوء دخيلة . . وكان منهجى ايضا هو المنهج العلمي العقلي . . وأسأل الله الا يكتب لقضية الدفاع عن الحقيقة استمرار الفشل والخذلان . .

