1) الاسلام دين ابائى
" ربنا اننا سمعنا مناديا ينادى للايمان : ان امنوا بربكم فئامنا "
ينشأ المرء فيجد نفسه معرفا فى نظر التاريخ والجغرافيا والاحكام شاء ذلك ام ابى . فهو يولد ببلاد معينة ويمنح جنسية بعينها ويخضع لقوانين خاصة . ثم ينظر المرء الى نفسه فاذا هو من هذا الجنس من البشر او من ذاك ابيض الوجه او اصفره رقيق الشفتين او غليظهما ازرق العينين واسودهما لا يستطيع فى ذلك شيئا . ثم يعيد النظر فاذا هو يؤنس من حوله آدابا خاصة وتراثا خاصا ودينا لقنه ابواه اياه فهو تابعهما فى كل ماهما فيه . ويترعرع المرء على تلك الحال وقد تنتابه الحيرة ويستهويه حب التبديل
والتغيير غير انه سرعان ما يرى ان الجلاء عن الوطن وفسخ الجنسية وتبديل الدين ليس من شىء وانه لايكاد يجد لذلك عظيم معنى . نعم ان امرءا يبتغى بعد اعمال الراى وطول التفكير ان يخرج من " لادين " الى دين او بالعكس من ملة وجد أهله عليها الى الحاد يختاره ، ان امرءا كهذا لجدير أن يفهم وان فعله لحقيق بالدرس والعناية . اما تبديل دين سماوى بدين سماوى آخر على ان دينا اصح من دين فهذا لامعنى له ولا سبيل الى الخوض فيه.
تجئ الحيرة ويكثر السؤال وقد يطول التردد ولكن المرء يرجع فى الاقرب الى دين الاباء يفحص عنه ويقلبه وينظر فيه ويحاول العمل فى حدوده. يرجع المرء الى دين الاباء يرجعة العقل والخوف من البقاء على غير دين ثم ان الاحكام قد ترجعه وذلك انك ، صغيرا او كبيرا ، يحشرك واياى المؤرخون
والجغرافيون واهل السياسية والقانون فى عداد المسلمين او النصارى وأنا لا اعلم وانت لا تعلم كيف سنكون اذا حضر احدنا الموت وكيف سنكون بين يدى ربنا . ثم انك تعلم والفقهاء منا لاحظوا ذلك فى القرآن ان الايمان يزيد وينقص ويضمحل ويتجدد وقد يقذف الله نوره فى القلوب وقد يجعل على اعين الناظرين اليه غشاوة.
والناس في الحقيقة هم الذين يمجسوننا ويهودوننا وينصرونناو يعتبروننا مسلمين فالناس على اختلاف اجناسهم وتباين اديناهم يجدونك على دين ما وفى حكم ما فيلصقون بك صفة دينك الصاقا يفسرون بها افعالك واقوالك ويركزون عليها اخلاقك وعقليتك فهم يوضحون مثلا افعالك الشخصية بتراثك السامي او بعقيدتك الاسلامية وان لم يكن ثمة ادنى سبب ولا صلة . فهم الذين يدفعونك الى الطريق التى ابصرتها قدامك اذ نزلت هذا العالم وهم الذين يجعلونك في اطارك وان لم ترضه وهم الذين يسمونك بسمة تبقى رهينا لها كما يرتهنون هم ايضا من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون
فاذا كان الامر كذلك وجب ان يبقى المرء فى بيئته وان يتسم بسمته وان يتحمل مسؤوليته وان يعالج هذا الذى وجد آباءه عليه معالجة الصانع للمادة الخام .
2) ما هذا الذي وجدت عليه آبائى ؟
" قل : اننى هدانى ربى الى صراط مستقيم دينا قيما ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين
جئت الى هذا العالم فوجدتنى مسلما حينئذ ويريدنى الناس مسلما . انى لم اختر ان اولد مسلما كما لم اختر ان اولد تونسيا او اسمر اللون ولكني اعتز بلوني وبجنسيتى وأعتز أيضا بدينى . لست قائلا فى مسالة الدين " هذا ما جناه ابى على " واني قائل : هذا ديني فلأنظر فيه وهذه بضاعتنا فلنتمعن فيها قبل كل شىء
ان للاسلام نظرة للحياة وفلسفة وعقلية كونت شخصيتى وكيفت عواطفى ورققت شعورى فانى احن اليها وأثاثر بها واتى لا استطيع فى عجالة كهذه ان استخلص - الا في نقص واضطراب - اهمية الاسلام وان ابرز جميع ما يضمنة للانسان ولللبشرية جمعاء وانما سأحاول ان اذكر بعض الحقائق حسب اهتمامي بها وطرقها ذاكرتى.
انما الاسلام دين الانسان جعل الانسان غايته العليا واهتم به فى دنياه كما اهتم به فى آخرته واهتم به كرجل يموت واهتم به كروح تبقى مخلدة فهو دين يضمن للبشرية حياة بشرية لاحياة ملائكة ابرار ولا شياطين مردة وهو يأتي الانسان بجميع ما يحتاج اليه الانسان لاصلاح حياته فى الدنيا وانقاذ روحه في الاخرة وهو يعينه على اكتساب حياته والقيام بمسؤولياته وازدهار شخصيته وتغذية ثقافته وتقوية معنوياته.
وانك لترى المسلم يستقر بين هذه الاعراض الفانية استقرار الرجل الحي
الدائم الخالد فيها فهو يعمل ويشتغل وينشط ويجتهد كان الدنيا باقية ثم هو لا ينسى لحظة واحدة انها فانية زائلة فهو واجد من جهة وازعا مشجعا يعينه على الانشراح والازدهار والاكتساب والتنعم وقبول كل ماعساه ان ياتيه من الخارج فيهضمه ويشتغل به ويستخرج منه صالحا عاما وهو واجد من جهة اخرى مانعا رادعا يوقفه عند حده ويظهر له فناء الدنيا وآفاتها وشرورها وكذبها وبطلانها . فينشأ هكذا التعادل فى نفس البشر وتكون الاستقامة ويتم الانسجام وتكمل الشخصية وتستقل.
ولقد اوجد الاسلام للمسلم ثقافة هى غذاء لشخصيته ونعيم وهى ثقافة انسانية محورها الانسان وصالحه وغايتها الانسان وسعادته وليس صالح صالح الآخرة وليست السعادة سعادة الاخرة فقط بل هما من اشغال الدنيا قبل كل شئ . وليست هذه الثقافة اسلامية ضيقة متعصبة ولا عربية خالصة بل هي مزيج مبتكر طريف خرج بالعرب من جزيرتهم القاحلة الضيقة وفتح لهم آفاقا واسعة ثرية ما كانوا ليطلعوا عليها لولا هذا الدين القيم ولم يكن دينهم اذ يخرجهم من ديارهم غازين فاتحين ليقلعهم قلعا ولينزعهم انتزاعا (فما كانت هجرة نبينا الى المدينة الا هجرة داخلية حجازية) بل كان ينشرهم في العالم حاملين القرآن مرتبطين بتراثهم ناقلين معارفهم معتزين بايامهم ثم اعانهم هذا الدين على الاطلاع على ما وجدوه فى الخارج وعلى هضمه واستعماله .
ولقد احدثت هذه الثقافة واحدث هذا الاختلاط اشياء جديدة عجيبة يريد الفرنج النيل منها او ازدراءها فلقد عابها بعضهم بالنقص والانحراف وعابها بغلوها فى بعض المواطن وبتقصيرها فى بعض . وانه ليس منهاجنا هنا التعمق في الجزئيات بل التلميح والوقوف على الحقائق العامة فنكتفي بالقول فى هذا الصدد ان لكل ثقافة عيوبا ومحاسن وذلك اننا لانرى النقص تقصيرا والخلاف مغايرة بل الخلاف والنقص عندنا ابتكار وتجديد وغنى وتقوية للفنون والعلوم فلا تقولوا : ينقصكم فى حضارتكم العربية الاسلامية الرسم ونحت التماثيل والتفنن فى المأساة او الموسيقى وقولوا : انكم معشر المسلمين قد جددتم اذ أغفلتم بعض ما اتينا به واتيتم ببعض ما اغفلنا . فان المسلمين قد اغفلوا نقش الصور ورسم الاجسام وعمدوا مثلا الى تخطيط الحروف العربية وتزويقها والى تخطيط الاشكال الهندسية وتبسيط الزهور والرياحين فاحدثوا انسجاما بديعا واحدثوا فنا طريفا عرف بهم واخذ عنهم . انك لترى اللوحة متشابكة فيها الحروف والاشكال والازهار مندمجة فيها الالوان وتظن انك ترى شيئا بسيطا سهلا موحدا وتمعن النظر فاذا من تلك الوحدة جزئيات مفردة تتولد وتتعانق وتتماس وتكون الحركة القوية وتكون المعاني الخصبة والاحساسات المتجددة . فليقل ناقدنا حينئذ لكم فنكم ولنا فننا وكلاهما ياتي الحضارة البشرية جمعاء بشئ جديد ويزودها بمنتوج ينمى ثروتها . ولنقل له : ان لم نفعل كما فعلنا ولم ننحرف كما
انحرفنا كان ينقص البشرية شئ هام فيه الغنى ولا غنى عنه - وتنشأ عن هذا الفن عقلية حديدة خصبة خاصيتها الوداعة فى الخطوط والانسجام في الالوان والهدوء التام مما يخالف الحيرة والاضطراب والالتواء والتفكك والتفجر والتفجع وكل ما قد نظفر به فى لوحات الفنون الغربية وتماثيلها. ولعل سامع الموسيقى الشرقية ولعل قارىء القصيدة العربية ولعل الناظر فى الرسوم التخطيطية الاسلامية يرى فى كل ما يراه ويسمعه ويقراه وحدة وتكرارا وفقرا مملا والحق ان في تلك الوحدة تعددا وفى ذلك التكرار ابتكارا وفي ذلك الفقر غنى وتنوعا .
ولعل احسين شي لابراز هذه العقلية هو مقابلتها بالعقلية الغربية النصرانية . فالعقلية النصرانية تبدو فيما ورثته عن العالم اليونانى والرومانى تشكيلية تصويرية ميالة إلى التجسيم والتكييف والتمثيل والتشبيه نلاحظ ذلك فى عقيدة الثالوث وفي رسوم الكنائس واثاثها ونقوشها ومتاعها وفى تنظيم الصلاة والعبادة.
والعقلية الاسلامية الشرقية عقلية ميالة الى التجديد والتعطيل تواقة إلى الروحانيات والالهامات لاتحن قط او لاتكاد تحن الى الكيف والكم ولا تستعمل قط او لا تكاد تستعمل المادة الجامدة . الم تر أن المسيحي اذ اراد ان يتقرب الى ربه عمد الى الحجارة والخشب والالوان فاخرج منها تماثيل كانها حية ترزق ولوحات تغشوها العاطفة ويجرى فى لحمتها دم الحياة اما المسلم فانه اذا اراد ذلك عمد الى الكلم الطيب اول ما يعمد فيصنع من موسيقى الالفاظ ومن الحركات والسكون ومن الفخم والرقيق هياكل مشيدة وقلائد منظمة واشعارا يقصدها تقصيدا . انما قصائدنا وادعيتنا وادبنا عامة بالاضافة الى حضارتنا هي بمنزلة نقوش الكنائس ونحت التماثيل ورسم اللوحات بالاضافة الى حضارتهم
وانك لتجد فى الحقيقة حضارات عديدة مختلفة كحضارة الحجر وحضارة الفولاذ وحضارة الذرة فلم لا تجد حضارة الكلم والفصاحة ؟
والدين الاسلامى من جهة اخرى هو اول خطوة نحو الثقافة الدولية والسياسة العالمية وهو اول خطوة لمحاولة التوفيق بين الامم والشعوب والنظام بين الاجناس والقبائل بالتسوية والقوانين التقدمية . فاينما توجه الرجل في كامل الامبراطورية الاسلامية كان يجد نفسه فى وطنه الذى نظمه له الاسلام وسطر قوانينه وفى هذا المجتمع المنظم كان يتعايش المسلمون واهل الذمة يسود الجميع تسامح عظيم سجله التاريخ واعترف به فان التاريخ الذى ذكر لنا امثلة كثيرة فى وجود الماجوس واليهود والنصارى احرارا يرزقون داخل الامبر اطورية الاسلامية لم يذكر لنا مثالا واحدا لجالية اسلامية عاشت حرة محترمة فى ارض نصرانية . لقد كان امير الاندلس فى القرون الوسطى هو الذى يسمى مطران طليطلة واسقف قرطبة فى تلك البلاد
الاسلامية التى كانت تجاهد النصرانية طول حياتها فى الثغور وتقبل النصارى فى الداخل
ذلك هو الاسلام كنز ثمين يعينك على اصلاح معيشتك فى الدنيا ويضمن لك انقاذ روحك فى الآخرة فلماذا تتركه وقد وجدته بين يديك ؟ ولكن هل انت مالكة ام هو مالكك ؟ هل يجب ان تصبح عبدا لدينك وانت تعلم انه وضع لصالحك وللصالح العام وانت تعلم ان الله فى غني عن عبادتك وعبادة البشرية جمعاء ؟ بل ينبغى ان يكون تعاون بينك وبين الدين : ان تكون فى خدمته وان يكون في خدمتك ان تدافع عنه وان يضمن لك حياتك فكيف العمل وكيف تحقيق هذا التعاون ؟ يجب قبل الاجابة عن هذا السؤال ان نعرف كيفية استعمال هذا الكنز الموروث حتى لا يكون فى استعماله ما نكره وما يكره وحتى لا ينجر عن هذا الاستعمال هلاكه وهلاكنا .
3) تاريخ التطور الاسلامى :
" قد خلت من قبلكم سنن فسيروا فى " الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين "
جاء الاسلام خاتمة لاديان سماوية اخرى مصدقا لما سبقه منقحا متمما فاول مبدأ يقره الاسلام حينئذ هو مذهب التوارث والتعاون على ممر الاجيال وهكذا تتطور الاديان من واقع الى واقع آخر ومن عقلية الى عقلية اخرى - انما الاله في الحقيقة اله واحد والبشرية يشرية واحدة وما تلك الا مراحل معقولة مفهومة يجتازها الانسان متقربا من الغاية القصوى وهى سعادة البشرية جمعاء . انه من البديهى الا تكون الاوامر الموجهة الى قوم نوح نفس الاوامر التى تصلح لقوم موسى او لقوم عيسى او لامة محمد . والمعجزات توضح ذلك التطور فان معجزة موسى امام فرعون جاءت فى وسط بدائى فى اوائل البشرية فكانت من قبيل السحر والسحر اهم علم فى ذلك العهد . اما معجزة عيسى فقد جاءت في وسط ارتقت فيه الانسانية من عقلية الهواجس وخوارق العادات الى عقلية العاطفة الصادقة والحب الصحيح فكان ابراء المرضى وحب الناس والتضحية الكاملة . ثم جاءت معجزة محمد فى وسط يحب الحجة والفصاحة والابداع والخلق الفنى فكان اعجاز القرآن.
فالنبى ( صلعم ) يصدع بهذا المبدأ التاريخي ويربط نفسه بالانبياء الذين سبقوه ويصل دينه بملة ابراهيم فهو يؤكد من جهة ارتباطه بالقديم وتسلسل الديانات السماوية ومن جهة اخرى ياتي بالجديد ويضع الاسلام موضعه من التاريخ اعنى موضع دين ثورى تقدمي تجديدى بالاضافة الى كل ماسبقه. الم يقل (صلعم) فى هذا المعنى اهم حديث نراه يظهر روح الاسلام الثورية التجديدية وهو :
" والله لو ان موسى وعيسى حيان لما حل لهما الا ان يتبعانى وجاء الاسلام فابتدأ التاريخ
وحاول اول ما حاول الموافقة بين القوتين الكبيرتين القائمتين فى عهده تقتسمان الحياة الروحية والسياسية وهما اليهودية والنصرانية ويرى النبي (صلعم ) انه حقيق ان يقوم بهذا العمل الشريف لانه واليهود وعيسى من طينة واحدة ومن جنس واحد (ساميون) ومن روح واحدة (ابراهيم الخليل) وتظهر تلك المحاولة في مواطن عدة سوف اقف فى هذه العجالة عند موطن واحد منها ، اني ارى تلك المحاولة فى القبلة اذ جعلها الله فى بداية الامر تجاه القدس الذي فيه المسجد الاقصى ومحراب زكرياء وجامع اليهود وطريق الصليب والذى كان اليه الاسراء فكانت حقا قبلة جامعة موحدة بين اليهود والنصارى والمسلمين ثم صارت القبلة الى الناحية الاخرى التى بدا عندها الاسراء وكاني بالقدس تبقى قبلة عاطفية وكانى بهذا التغيير يثقل علي المسلمين . فينزل تعالى : " وان كانت لكبيرة الا على الذين هدى الله "
ويظهر التقارب بين الاديان السماوية الثلاثة او بين اثنين اخرى مثل اهل الكهف : اولئك النصارى الذين يذكرهم القرآن والذين مازالوا الى الآن تحي ذكراهم عند المسلمين (يوم الجمعة ) وفى بعض الاوساط المسيحية (شهر اوت من كل سنة) . ثم ان امرا آخر جديدا حدث منذ رؤية السيدة العذراء سنة 1917 في بعض قرى النصارى تدعى فاطمة ولم تخف غرابة هذا الاتفاق بين ام المسيح عليه السلام وبنت رسولنا (صلعم )حتى ان الكنيسة خولت للنصارى ان يسموا بناتهم من ذلك الحين فاطمة .
ثم ان النبي الامان خاتمة الانبياء ومعنى ذلك ان مثاله حى لايموت لانه غرس في نفوس صحابته وخلفائه وتابعيهم الى يوم القيامة مثلا اعلى تطمح البه الاجبال ويتجدد على ممر العصور نعم ان الانبياء لايورثون مادي ولكنهم يورثون روحيا وعقليا فروحهم خالدة وعبقريتهم متوارثة ورسالة خاتم الانبياء متجددة بعد موته .
ونشأت بعد موت النبى ( صلعم ) المذاهب وتعددت الفرق وتخالفت الامة .
انقسم المسلمون طوائف عدة تكفر كل طائفة الاخرى وتعتقد فى نفسها الكمال والصلاح وظهرت الشيعة والخوارج والسنة وظهرت الرافضة والجهمية والمرجئة والمعتزلة والزيدية والامامية والاباضية والكيسانية والصفرية والازارقة والقدرية والاشعرية والكرامية والباطنية والسلفية الى غير ذلك من الفرق والنحل . ولقد اضاعوا جميعا وقتا ثمينا فى المجادلة والتهم وخلق العبارات التى تخرج المسلم من دينه ومن داره وحتى من الحياة . وظهرت احاديث كالذى قاله ابن المبارك اذ قال : " من تعاطي الكلام تزندق " فاستعملت هذه الكلمة بكثرة لابعاد الناس والاستراحة من بعض الشخصيات
بتهمة التئامر على حياة الدين وأمن الدولة فكلما اجتهد امرؤ فى تفسير القرآن والسنة والدين بصفة قد تكون موافقة للاسلام ولكن مضرة بالدولة وبالامن العام عد صاحب هذا الاجتهاد زنديقا وربما قتل فنلاحظ ان لهذه التهمة وجهين على الاقل : يتزندق المرء ضد الدين فقط ، وقد يستعمل الدين للتزندق ضد الدولة . والتهمة الثانية اقوى واخطر اذ الدين بالدولة واهم أركان الجهاد للذود عنها فالزنديق كل من كان فى وجوده وفى افكاره خطر على الدولة ، حينئذ على الاسلام.
ويظهر تعدد الفرق ويتجلى ميلهم الى المجادلة فى عظم ما وصل الينا وما لم يصل من مجموعات الفتاوى والمسائل وكتب الملل والنحل ويحسن بنا ان نلاحظ هنا ان كل هذه الكتب تهتم فيما تعالجه بالواقع وتتناول بالبحث مشاكل الساعة وهي تتكيف وتتغير حسب الظروف وهي على تخالفها وتطاحنها وتضاددها وتصادمها ترجع كلها الى السنة وتعتمد كتاب الله.
ولعل هذه الاختلافات وهذه الفروق تصل الى أوجها فى القرن الرابع للهجرة فانا نرى فى تونس مثلا فى اواخر الاغالبة خلافا قائما فى القيروان بين اصحاب مالك واصحاب ابى حنيفة وكأن حياة هؤلاء الفقهاء فى هذه الرقعة من الارض وفي ذلك العهد من الزمن لم تكن الا سبا وشتما وامتناعا من الصلاة وراء فلان وامتناعا من الرد على تحية فلتان هذه صبيانات قد تؤدى الى الحرب ان لم تؤد الى القعود والكسل.
ثم تنتصر الشيعة وينتصر على الشيعة الخوارج فى عهد ابى زيد صاحب الحمار ثم تعود الشيعة ثم يرتحلون الى مصر بدون نية رجوع فتعود السنة وتستقر وفي كل ذلك اهل القيروان يستقبلون الغالب ويتبرؤون من المغلوب ولكن رجوع السنة فى هذه الديار واستقرارها يحدث حركة رد فعل شديدة قامت ضد كل تجديد وضد كل محاولة انحراف عن المذهب المالكى مما نعانيه ونعانية الى حد الآن
ويتطاحن الحنفية والمالكية بالقيروان ويتطاحن فى العراق اهل الشيعة واهل السنة ثم اصحاب الامام احمد والقائلون بالاعتزال ويتهم الخليفة ببغداد مذهب احمد بن حنبل ثم هو يرجع هذا المذهب ثم يرفضه من الجامعة الاسلامية ثم يتصادم هذا المذهب في القرن الخامس بالخصوص مع المذهب الشافعى وفى كل ذلك تظهر الدولة لامور سياسة مع هؤلاء تارة ومع هؤلاء اخرى.
ويختلف المختلفون ويتشاجر المتشاجرون وقد يتقاتلون . والحق اننا قد نجد فى الواقع بعض الفقهاء ينتمون فى الاصول مثلا الى مذهب ابن حنبل وفى
الفروع الى مذهب الشافعي فانك تجد مثلا ابا بكر الآجرى (المتوفى بمكة سنة 960 ) قد ينسبه بعض العلماء الى احمد بن حنبل ويعده بعضهم فى طبقات الشافعية وانك تجد ابا القاسم الطبرانى ، صاحب المعاجم ) المتوفى باصبهان سنة 360 ) قد يعسر حتى على علمائنا الآن ان يجعلوه فى اطار بعينه وان يقيدوه بمذهب بعينه .
والى جانب هذا الواقع المحسوس نرى الناس يتشددون فى مذاهبهم ويتمسكون بها ويظن كل واحد منهم انه على صواب ويود كل واحد منهم ان يجعل لصاحبه علامة كسمة الانعام يرضاها ويرتاح لها فكان القوم فى القديم اذا ناديت امامهم بوجوب الرجوع الى كتاب الله تعالى وسنة رسوله (صلعم)عدوك خارجيا واذا اكثرت لهم رواية الحديث فى التوحيد وذات الخالق وصفاته نسبوك الى المشبهة واذا شككت فى رؤية الله فى الجنة حشروك فى زمرة المعطلين ، وانا نجد فى بعض عقائد اهل السنة الموثوق بهم كابن بطة العكبرى ، ما يلى : " من قال " القرآن مخلوق " او قال : " كلام الله " ووقف او شك او قال بلسانه واضمره فى قلبه فهو بالله كافر حلال الدم " برئ من الله والله برئ منه " فهذا من الغلو الظاهر والمبالغة التى لاسبيل الى قبولها ويزيد ابن بطة فيقول : " ومن شك فى كفر هذا الرجل فهو ايضا كافر " فانا على هذا القياس سنكفر اكثر من 300 مليون مسلم الآن يشكون فى تكفير القائل بخلق القرآن أولا يكترثون به ونكفر الخليفة المأمون وغالب المسلمين فى عصره - انه ما كان ينبغى لنا ان نتلاعب بتكفير بعضنا بعضا حسب الظروف وحسب أوامر الساعة : خلق القرآن او قدمه تفضيل الشيخين او لعنهما . وانه ما كان يبغى لنا وما كان ينبغى لاحد ان يخرج احدا من ربقة الاسلام اذ الحساب بين يدى الله.
وانى لن انسى ابدا الدهشة التى اعترتنى حين قرأت فى بعض الكتب ان عالما كبيرا مثل الطبرى على ما اسداه من قيم العمل فى سبيل التاريخ وفي سبيل تفسير القرآن يدفن ليلا فى منزله خوفا من تشويش الحنابلة.
انى ارى حينئذ ان الاسلام دين تاريخي مبدؤه التطور ومحركه ومنعشه . وهو دين الواقع يفهمه ويعنى به ويقرأ له حسابه وهو واضح المبادىء سهل الفهم يسير التطبيق لكن كثرة المذاهب جعلته عسيرا وخوف الانحراف جعله صلبا متشددا . فيه حرية فردية لكنها قد تؤدى الى الفوضى والهلاك وقد تؤدى الى التجديد والاجتهاد.
4) هل من عقيدة عصرية ؟
" ولتكن منكم امة يدعون الى الخير " ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر " واولئك هم المفلحون "
ذلك الاسلام ديننا ودين آبائنا وجدناه فدرسناه ودرسنا تاريخه فوجب حينئذ على ضوء هذه الدراسة الرجوع الى الواقع ومحاولة تطبيق مبدأ التطور فيه والسير نحو تاليف عقيدة جديدة صحيحة مثلما الف ائمتنا وعلماؤنا من قبل .
هذا المسلم التونسى خاصة والمسلم عامة بين يديك فانظر اليه وانتبه الى حياته وتفكر في افعاله واقواله . انك تستطيع ان تمر بمدينة اسلامية وقت الصلاة فلا ترى الناس ينتفضون اليها مسرعين تاركين نشاطهم ولا تري سير الحركة بالمدينة يتبدل او يتعطل وانك ترى القوم يشربون الخمر ويتاجرون فيها وانت تعلم انهم ادخلوا في عاداتهم اشياء كثيرة تختلف مظاهرها باختلاف الطبقة والتربية فهناك سرقة من درجة عليا وهنا لك سرقة سفل وهنالك زنا وهنالك لواط وهنالك غش وهنالك ما شاء الله من المحرمات تؤتى وماشاء الله من الفرائض تترك . وكأن القوم اقتسموا النقص والزيادة حتى يكون تعادل وشبه مساواة وشبه تضامن بينهم وحتى لايلوم احدهم الآخر فالذى تراه يواضب على الصوم تراه يعمد الى الزنا مثلا فى غير احتشام والذى تراه يبتعد عن الخمر مثلا يترك الصلاة ايضا ويتناساها .
فالمعصية عند حكم الفقهاءقائمة لاشك فيها وهى كأنها مقبولة ان صح التعبير بتقبلها جميع المسلمين بتضامنهم الصامت وتسترهم المرتكز فيما يزعمون على الآداب واللياقة وحسن السيرة وهم فى تسترهم هذا انما يستقرون في بحبوحة المخادعة ولين النفاق . فما اطيب الرجل عندهم اذا غض الطرف وما اعمق ايمانه . واني اتساءل لماذا لاينقلب ذلك النفاق وعيا يجر التسامح ولماذا لا يصبح ذلك التستر حرية ولماذا لا نحاول مجابهة الواقع وجها لوجه ؟
ثم ان قسما آخر من المسلمين يقترفون من الذنوب اطرفها ويتفننون فى المعصية تفننا بعيدا يندهشون لبعض افعال اخوانهم ويتمسكون ببعض الدين فى حين انهم يدوسون سائره
ثم انه قد يكون اسلام للخاصة واسلام للعامة يقول الخاصة فيه للعامة " افعلوا حسب ما نقول لكم ولا تفعلوا مثلنا " وتنشأ عقلية للخاصة ظاهرها الطاعة وباطنها ذنوب " بورجوازية " من صنف رفيع وتنشأ عقلية للعامة ظاهرها العصيان وباطنها الجهل والخوف والجوع والفقر والاضطهاد وقد تخلق الخاصة فرائض جديدة ومحرمات جديدة يستغل بها الفقهاء ورجال الدين الكاذب ما وقع بين ايديهم من غوغاء ورعاع كما يزعمون.
ونحن لا يسعنا الا ندعو الى النظر الى الواقع والى الصراحة فى الحكم فتعالوا ننظر الى معاملاتنا وتجارتنا واكلنا ولبسنا وعاداتنا واخلاقنا وتعالوا ننظر إلى لابس الحرير والذهب والى التاجر فى الخمور والى المتعامل بالربا والى غير ذلك من مقومات الحياة الاجتماعية ومكونات الدولة ولنتساءل هل يمكن الرجوع بكل ذلك الى الوراء وهل يمكن تعطيل كل ذلك.
فلقد قبلت الناس المحرمات فى حياتهم وفى اهليهم ولقد قبلت الناس البدع والتجديد في مجتمعهم ومعاملتهم ثم ان طائفة من هؤلاء الناس قد هضمت كل ذلك او تكاد تقوم فتتألم لترك الصلاة او لترك الصلاة او لترك الصوم مثلا او تصرخ في عنف او تنتقد فى حياء وخفر . فنحن ايضا نصرخ لمن بصرخ لنا ونقول لتلك الطائفة الجاهلة فى ترددها او المنافقة فى رفضها كلاما صر يحا : ان الذى لم يذنب منها قط ولازنى فى حماية ولافى استقلال في دار اسلام ولافي اوروبا فليرم الحجرة الاولى يرجم بها تارك الصلاة او فاطر رمضان . ام ما بالكم نسيتم قوله تعالى : " ان الله جامع المنافقين والكافرين فى جهنم جميعا " ؟ ..
ذلك الواقع وانه ما كان يحسن بامة عاقلة مثلنا ان تركن الى الجهل والمخادعة والنفاق . اني اعرف بلادى واعرف جانبا من البلاد الاسلامية ومن تاريخها واني اعرف كثيرا من المسلمين المتقين القانطين الورعين المثقفين واعلم موقفهم من الصلاة والصيام كما اعرف موقفهم من اللواط ومن الزنا .
انه لا نستطيع ان نحمى عقلية من " يؤدى الفرض وينقب الارض " ومن تخدع بالسبحة " وانه لا يكفينا مقاومة عقلية التشبت بالجهل او المنافقة لامر ما فحسب بل يجب علينا ان نقلعها قلع الصمغة من الشجرة وقلع النجم من الارض المحياة . ويجب علينا من بعد ذلك اسمى من هذه التى تنافق وتداهن واسمى من تلك التى تؤدى واجبها فى غير نظر الى الغاية وغير تمييز بين اخف الضررين او بين ابلغ النفعين
وينافق المنافق ويتالم المتالم ويتطير المنطير لا لان ما ناتيه من الفعل حرام فيه مضرة للبلاد او للامة الاسلامية للفرد او للجمع وانما مدعاة للكسل وح للجمود والركود بل اقول انهم يقفون هذا الموقف فى كثير من الاحيان لاخوفا عليك من الفشل والضرر وانما خوفا من نجاحك وتجديدك وثورتك
ثم اود لو يلتفت بعض رجال الصدق الى ظاهرة اخرى لاتلو من الفائدة ذلك ان الذين يذودون عن الاسلام فى اخلاص ينبغى لهم ان يعلموا انا معشر الداعين الى الاصلاح - منهم ومعهم وان المخادعين حرب عليهم وعلينا
فأولئك الذين يستعجلون او يستبطئون فأولئك الذين يعيبون وينتقدون باسم الدين وطلبا للعدل انما هم بصنيعهم هذا يعملون على تأخير نجاح الدين وعلى ابعاد العدل وفشله . فالمخادعة غير الصراحة والتهديم غير التجديد والعجلة
غير السرعة والابطاء غير التأني وينبغي لنا ان نتفكر جميعا فى امرنا وان نقف على حقائق الاشياء.
هذا واقع وتلك عقلية وهذه اهواء متشابهك متضاربة لانرى فى اعين اصحابها دائما اله ابراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام.
وهذه بلاد متخلفة تبعث الى الحياة فهى تشعر بتخلفها الثقافى وبتخلفها الديني وبتخلفها الاقتصادى وهى تبتغى الخروج من هذه الظلمات الى نور الازدهار وهي تبتغي - لا بالجدل فيما لا يجدى بل بالعمل المثمر الجدى - ان تصل بالثبات والجلد والنشاط والصدق والاخلاص الى اكتمال شخصيتها واسعاد نفسها .
سوف يسخر المتطرفون من الناس ويظنون انك واجد دينا جديدا يحل ما حرم الله ويبطل الفرائض . والحق ان فكرة التجديد وتاليف العقائد وضبط المسائل كلها قديمة متصلة باصول الاسلام اتصالا كبيرا.
ان طائفتين من المسلمين تتخاصمان بهذه الديار وتظن كل واحدة منها انها على حق وانها تمثل الاسلام الصحيح . ولقد تناقشت طوائف من المسلمين من قبل وتقاتلت بارضنا هذه وبسائر البلاد . ولقد تناقشت وتقاتلت في مسائل كلامية معينة لا توجب مناقشتنا الآن او قتالنا لانها كانت اذ ذاك رموزا واضحة قائمة تدل على عقلية خاصة وتكيف حياة دينية خاصة . فلقد تجادلوا وتخاصموا وامتحن بعضهم بعضا فى خلق القرآن ورؤية الله في الجنة واستوائه على العرش ونزوله وسمعه وبصره الى غير ذلك من المشاكل اما نحن فانا نرى من وراء ذلك امثلة ورموزا ينبغى لنا ان نحدد مشاكل ومسائل شبيهة بها تكون لحياتنا الاسلامية وذاتيتنا الاسلامية اساسا كالخروج من التخلف وهو الخروج من الظلمات الى النور الذى يحث عليه الدين.
ولقد راينا ان المذاهب فى التاريخ لها حياة كحياة البشر فهى تتكون ثم تنمو وقد تقوى وتضعف ثم تموت وانها يشبعها الناس ويتركونها وان الناس انفسهم يشعرون فى بعض الاوقات بوجوب احداثها
فوجب حينئذ الايمان بالتاريخ والتطور ووجب الايمان بالنحو والتجديد وذلك بالاضافة الى مشاكل الساعة وحاجاتها وبالرجوع الى الكتاب والسنة والاجماع . وانه لا ينبغي لنا ان نبقى مقلدين لمذهب يبدولنا قديما قارا دائما وقد كان في اول امره خارجية جديدة غير معترف بها . فكل شىء قديم عندنا كان محدثا في عصره وكل شئ محدث كان يحذره الناس ويخافونه ويزدرونه ويميلون عنه .
بينما يموت الناس جوعا او تحت الاستعمار ليست القضية ان نتخاصم فى الخلافة هل هى في قريش ام لا ولا فى التكبير على الجنائز أاربعا ام خمسا ولا في رفع اليدين بعد القيام من الركوع ولا فى المسح على الخفين مع وجود الماء ولا في المبالغة في الاستنشاق ولا في الجهر بالبسملة فى الصلاة بل القضية ان نبذل ما بانفسنا وان نحافظ على هذا الدين بالمحافظة على هذه الامة . فلا يهمنا الصلاة مع هلاك الدولة بل يهمنا الذود عن الدولة ولو اوجب ذلك ترك الصلاة.
ووجب النظر فى امرنا لاننا نعرف التاريخ ولاننا اطلعنا على الدين ولاننا نكشف القناع عن كل منافق عنيد .
ثم لاننا نعلم ايضا ان بعض كتب العقائد التى هى بايدينا والتى يحسن بكل مسلم ان يرجع اليها لا توافق عصرنا . يقولون دائما ان القرآن يوافق كل عصر وكل بلاد نعم ! ولكن كتب الفقه وكتب العقائد فلا . ولنضرب لذلك مثلا : ان السنة الاسلامية المدونة في القديم تعد من البدع : اخذ الاجرة على الاذان وعلى الامامة وعلى تعليم القرآن وغسل الموتى فهل ممكن الآن أن نعد ذلك بدعة وان تؤتى هذه الاعمال كلها بدون اجرة ؟
بل هكذا يكثر الكلام ويكثر الجدال .
وتظهر كلمات حق ويراد بها باطل - وتظهر الدعاية الكاذبة ويكون الافتراء ويكون النفاق - ويفترى اهل الحاجة على الله كذبا ونحن نعرف الله كما يعرفونه .
نظرا للجهل والتفرقة والانحراف عن السنة الحقيقية وانه يجب لزوم الجماعة والطاعة وعدم الخضوع لاهل الزيغ والتفرقة والشناعة
وعملا بقوله تعالى " لاتكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات واولئك لهم عذاب اليم " . وبقوله عز وجل " ان الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا كانهم بنيان مرصوص " ودفعا للاغلوطات والمشاكل الكاذبة وجب المناداة بالاصلاح والتجديد وحالة البلاد الاسلامية اذ تختلف فيها طائفتان قد شرحها ( صلعم ) اذ قال : مثل القائم على حدود الله والمداهن فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فى البحر فاصاب بعضهم اسفلها وبعضهم اعلاها وكان الذين فى اسفلها يخرجون ويستقون الماء ويصبون على الذين على اعلاها فيؤذونهم فقالوا : لاندعكم تمرون علينا فتؤذوننا فقال الذين اسفلها : اما اذا منعتمونا فننقب السفينة من اسفلها فنستقى . قال (صلعم) : فان اخذوا على ايديهم فمنعوهم نجوا جميعا او تركوهم هلكوا جميعا
ان الظروف والاحوال والحاجات لتفرض علينا هذا التجديد كما فرضته على الذين من قبلنا ، نحن نعلم انه قد وقعت فى تاريخ الاسلام محاولات عديدة منها محاولة التوفيق على قاعدة التجديد بين الفقه والتصوف ) محاولة ابن عقيل والغزالى ( ومنها محاولة التوفيق بين الدين والفلسفة ) كمحاولة ابن طفيل وابن رشد ( فلماذا لانحاول الآن ، ونحن احرار عقلاء ، التوفيق مثلا بين الفقه والاقتصاد السياسى او بين الفقه والنظام الديمقراطى ؟
يجب ان نجتهد لاجتياز الشكل والصورة والحروف والالفاظ والتقاليد والعادات الى الروح والمعنى والتجديد الى العمل الحق والايمان الصادق والحب المنشىء ونحن فى اجتيازنا هذا نرجع دائما الى الكتاب والسنة والاجماع على هذه القاعدة : ان لم يكن برهان فى الكتاب فبحث فى السنة وان لم يكن وضوح في السنة فاجتهاد واجماع . وهذه القاعدة مرتكزة على عقلية الاسلام التى هي عقلية تطورية تقدمية والتى تعد القرآن والسنة والاجماع روحا ومنهاجا ورموزا واأمثلة وقدوة وهدى لاعبودية وتقييدا وتقليدا اعمى.
نحن نؤمن بالاسلام ونؤمن بالتاريخ.
وهذا القرآن فى الحقيقة لا يحدده التاريخ وهو قائم خارج التاريخ أعلى من التاريخ فانا بعد نزول القرآن ننزل فى التاريخ ونبدأ فى التطور ونحن نعتقد ان عمر مجدد فى عصره وان ابا حنيفة مجدد فى عصره ولكن اقوال عمر وابي حنيفة قديمة بينما تبقى جديدة طريقتهما وروحهما وقبولهما لتطور الاسلام بالاضافة الى الواقع والطوارىء . ورائد المسلمين عامة فى ذلك هو التجديد فى سبيل الصالح العام والتجديد بالاستحسان.
نعم لقد حن المسلمون منذ زمن بعيد الى الرجوع الى عهد الرسول والخلفاء الراشدين وانى لا ادرى هل لاحظوا ان الخلفاء الراشدين اربعة قتل ثلاثة منهم في ممارستهم امور الرعية . . .
ويمر الزمان ويشتد الشوق ويعظم الحنين ولكن لا رجوع الى الوراء بل تقدم ابدا فلا ينبغي لنا ان نبكى لهذه الحال ونحزن بل يجب علينا ان نعرف معنى الرجوع الى عهد الخلفاء الراشدين . فليس الرجوع الاقتداء بهم فى الجزئيات وتقليدهم تقليدا اعمى وانما الرجوع مسايرة التاريخ والعمل على اسلوب رسول الله ( صلعم ) وطريقة المسؤولين الصالحين. " ان ماره المسلمون حسنا فهو عند الله حسن "
اعلم يا اخي - هدانا الله واياك - ان الله فطرنا على هذا الدين فنظرنا فيه فاذا هو متين قيم ونظرنا فى تاريخه وتاريخ مذاهبه فوجدناه قابلا للتطور مسايرا للتقدم ثم انا نظرنا فى واقعنا فوجدنا دعوة الى التجديد ملحة فوجب علينا حينئذ الآن ان نستخلص على ضوء هذه الدراسة ما هو قار فى الاسلام من جهة وما هو متبدل من جهة اخرى بتبدل الظروف والاحوال ، فما هى اركان الاسلام القارة وما هى اصول الدين الدائمة وما هى الضرورات واحوال الطوارىء ؟ قد يكون هذا السؤال نونا لعقيدة جديدة توضح موقف الاسلام من الحياة العصرية ومن حالة البلاد الاسلامية المتخلفة.
وهذه العقيدة يستطيع صاحبها ان يقسمها الى قسمين : يكون القسم الاول خاصا مثلا بالالهيات والنبوات والروحانيات والسمعيات يعيننا على معرفة ذات الله وصفاته وتفهم رسالة الانبياء وصفاتهم وعصمتهم ومعجزاتهم وكتبهم واقوالهم على التفكير فى ما وراء شهادتنا ومادتنا من ملائكة وجن وروح وكذلك على التفكير فى حياة اخرى تبدأ بمشاهد القيامة وحالة القبر والبعث والموقف والحساب والجنة والنار.
ويكون القسم الثانى مثلا قسم الاخلاق والسياسة والعبادات والآداب والنظام وطاعة اولى الامر منا واحترام اركان الدين ومؤسسات الدولة .
ولعل احسن شئ نستطيع ان نرجع اليه الآن فى خصوص القسم الاول هو عقيدة حسن البنا وانى ارى انا نستطيع ان نركن اليها وان نعدها تقدمية عصرية ولكنها ياللاسف غير كاملة فانا نستطيع ان نوافق الامام الشهيد حسن البنا فى اعتقاده المرتكز كما يقول على اعمال الراى والعقل ونتاسف لموته اذ حال بينه وبين اتمام هذه العقيدة.
ويقول الامام الشهيد فيما يقول : " وانما ضربنا لك هذا المثل لترقى بنفسك عن مواطن التقليد فى التوحيد " وتعمل الفكرة فى تفهم عقيدتك وتستعين بطاعة مولاك فى معرفة " اصول دينك حتى تصل الى مراتب الرجال ! " ثم يستانف فيقول : " ولهذا شرف الله تعالى العقل بالخطاب وجعله مناط التكليف وندبه الى البحث والنظر والتفكير " . ثم يزيد ويوضح نسبة كل شئ وضعف كل علم فيقول : " ومن هنا تعلم ان الاسلام لم يحجر على الافكار ولم يحبس العقول وان ارشدها الى التزام حدها وعرفها قلة علمها وندبها الى الاستزادة من معارفها فقال تعالى : " وما اوتيتم من العلم الاقليلا " وقال تعالى " وقل ربي زدني علما "
مما يدل على ان العلم كالايمان يزيد وينقص ولاشىء قار فى هذا الوجود ولاحظ الامام حسن البنا ايضا " ان بعض الناس ولعوا بالمعميات وادعاء الخصوصيات والزيادة فى الماثورات " الى غير ذلك مما يدل على ان ارباب العلم واصحاب الفقه يعمون علينا فى كثير من الاحيان ديننا ويقيدوننا تقييدا تصير العبادة معه لامعنى لها اذ هل العبادة فى الحقيقة عبودية ام طاعة وحب وايمان ايجابى ؟
نحن لانختلف فى اصول الدين ولكنا لانقدمها بغلو ومبالغة تشبه عصبية الجاهلية ومعتقدات الاوائل الوحشيين .
يجب حينئذ الايمان بالله عز وجل (بالقلب واللسان والعمل ) والله واحد فى ذاته واحد فى صفاته واحد فى افعاله وتصرفاته ويجب الايمان بالقرآن كلام الله ويجب معرفة صفاته تعالى جميعها كونه سميعا بصيرا حكيما عليما قديرا الخ . والايمان بالقضاء والقدر وبالبعث والقيامة والحساب والجزاء والجنة والنار والخلق والملائكة والرسل وتسلسلهم وانى اظن انه لا يحسن بنا ان نضيع وقتنا الآن فى تصوير الجنة والحوض والصراط مما احدث ادبا طريفا حتى فى القديم فهكذا نرى الجاحظ يسخر بكل ذلك اذ يذكر في كتاب الحيوان جعفر الطيار ويقول : هو له جناحان يطير بهما فى الجنة حيث شاء وهو ليس من الطير ونرى ذلك ايضا فى رسالة الغفران عند الكلام عن الحساب والجزاء وانهما موكلان الى الله تعالى ويصف المعرى الصراط ومرور الناس منه ويصف لنا الرجل الضخم الذي يجوز الصراط (والصراط ارق من الشعرة واحد من السيف ) وجارية تحمله زقفونة ثم يصف لنا بكل طرافة اباريق الخمر وانهار العسل والجوارى الحسان.
ليس هذا الهام ، ولا الهام رجوع عيسى بن مريم الى الارض وتكسيره الصليب وقتله الخنزير وليس الهام حديث موسى مع ملك الموت وهل لطمه ام لا وانما يهمنا العمل .
ونحن نستطيع ان نتبع العقائد القديمة فى الاداب الحسنة والسنة النبوية ونتشرف بذلك لما فى ذلك من فضل على حفظ الصحة والنظافة وحسن الهيأة والاداب . وانا نلاحظ ان بعض الاشياء قد سقطت بطبيعتها كسقوط اوراق الشجرة وهى جزئيات كنهى السنة عن لعب الشطرنج - فهذا النهى لايمكن ان يبقى قائما والذى نريده ان يبقى ونود ان يذكره شيوخنا وفقهاؤنا هو ان النبى لعن وان السنة لعنت الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والواشرة والمؤتشرة.
يجب ان نستخلص من سيرة النبى عقلية تريدان تحمل الناس على احترام الانسان ذاته واحترام الصالح العام وتريد ان ترفع هذه الامة الى معالي الاخلاق ومكارم الافعال واعلى الدرجات وانها قد اهتمت بالكبيرة والصغيرة ترى ذلك في آداب التحية والدخول الى المنازل واحتشام النساء وادب المؤاكلة وغسل اليدين قبل الطعام وعدم الاكل مما بين يدى صاحبك
ونحن نتبع السنة كذلك بدون تردد فى الاغتسال والنظافة وحفظ الصحة وقد نجد جزئيات لا نستطيع الوقوف عندها فما يهمنا مثلا ان ندخل المساجد بتقديم الرجل اليمني وان ندخل الى الخلاء بتقديم الرجل اليسرى أم ما هذه العقلية المتطيرة ؟ اما تحية المسجد فنعم واما الرجل اليمنى او اليسرى فان ذلك من التطير وكذلك لا ينبغي للرجل ان يعبث بخاتمه مستمعا للخطيب او لصاحبة ولا ان يفرقع اصابعه
انا نؤمن لا باسلام وتتبع هذه العقائد فى قرارتها ونعتز بديننا .
" ومن احسن دينا ممن اسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ابراهيم حنيفا " واتخذ الله ابراهيم خليلا "
غير ان غالب العقائد تلح الحاحا شديدا على المشاكل التوحيدية والشكلية اما فى عصرنا فانه يحسن منها ايجاد عقيدة تلح الحاحا شديدا على المشاكل الاخلاقية العملية الايجابية .
وان الامام حسن البنا نفسه رحمه الله اظهر فيما كتبه من عقيدته ان الظروف لا تقتضى الآن حروب الديانات والمجادلات والمناقشات بل تقتضى توحيد الصفوف وجمع الكلمة لابقاء الدين ولابقاء الدولة الاسلامية . ولذلك يجب ان نفهم الشريعة ليست قانونر يهم الفرد وشخصه فقط بل يهم الامة والدولة جمعاء ذلك ان الواجبات الفردية قد تحدث خللا فى نظام الدولة كما ان واجبات الدولة قد تحدث تشويشا فى واجبات الفرد وحياته الشخصية فعلينا الآن ان نجتاز مرحلة صالح الفرد الى مرحلة صالح الامة والجماعة وساضرب لذلك مثلا الزهد فلكل مسلم ان يتزهد فى كل وقت وفى كل بلاد ولكن هل نستطيع ان نسمع للرجل ان يتزهد بقطع النظر عما قد يلحق عائلته ثم جيرانه ثم امته جمعاء من الضرر بعد ذلك التزهد؟ وهل يمكن لاربعمائة مليون مسلم ان يتزهدوا فى آن واحد ؟
ثم ان السنة تظهر لنا فى كثير من اقوال العلماء ان الخصومات فى الدين تمحق الاعمال وتبطلها فلا نستطيع ان نتجادل فى جنس الملائكة والعدو على الابواب مثلا
وقد اجمعت العلماء لاخلاق بينهم انه لا يكفر احد من اهل القبلة بذنب ولا نخرجه من الاسلام بمعصية فنحن نرجو للمحسن ونخاف على المسئ وامره بينه وبين خالقه .
ولقد قال ابو اسحق الفزارى المتوفى بالكوفة سنة 185 لان اجلس الى النصارى فى بيعتهم احب الى من الجلوس فى حلقة يتخاصم فيها الناس فى دينهم "
ولقد قال سعيد بن جبير قتيل الحجاج بالكوفة سنة 95 " لان يصحب ابنى فاسقا شاطرا سنيا احب الى من ان يصحب عابدا مبتدعا " فغايتنا حينئذ ابتغاء مرضاة الله بطاعته فليس الغاية عبادة الله لان الله يحب من يعبده ولانه فى حاجة الى ذلك بل الغاية اسعاد البشرية لان مايسعد البشر يستحسنه الله وهل ابتغاء مرضاة الله هو ابقاء الناس فى الجهل والعبودية والتخلف والجوع والعصبية ام اخراجهم من تخلفهم الى فرحة الحياة ؟ وانا نجد فى السنة امثلة لاسبيل الى الامتناع من تحويرها وغض الطرف عنها كالسارق وقطع يده
ونكاح " ما كسبت ايديكم " فهل يمكن ابقاء العبيد سنة 1960 كما هو موجود في بعض البلاد الاسلامية ؟ وهل يمكن ان تكون الجروح قصاصا النفس بالنفس والعين بالعين الى غير ذلك من الاشياء (كالميراث وتعدد الزوجات ) التى يجب تنقيحها حسب مبدأ الاصول القارة والضرورات المتبدلة .
لقد قال عمر رضي الله عنه : ان الله عز وجل لم يامر عباده الا بما ينفعهم ولم ينههم الاعما يضرهم . وجاء فى القرآن " يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر " و " يريد الله ان يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا " و " ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " وبين ايدينا احاديث كثيرة تظهر صالح الانسان قبل كل شىء لقد جاء فى الحديث فى خصوص الصوم مثلا : " لاتزال امتى بخير ما عجلت الاقطار واخرت السحور " فيظهر ان الشر يبتدئ فى هذه الامة عندما تقدم سحورها وتبطئ افطارها او عندما لا يوجد سحور قط ويحذف بتاتا من الفقر
فهنا لك حينئذ مواطن تظهر فيها الضرورة بوبها الفقهاء ولكنهم لم يغلقوا البوابها وهنالك تخلف ديني اصاب الاسلام مثل ما اصاب اللغة والسياسة والعلوم والحياة الاجتماعية والاقتصادية عامة.
فهل من خروج من هذا التخلف كله ؟
والضرورات ليست للافراد فقط يسهلها كل واحد منهم لنفسه شخصيا فيزكي الفقهاء بعضهم بعضا ويعفون عن انفسهم لقد قال تعالى " الم تر الى الذين يزكون انفسهم بل الله يزكى من يشاء " وانما يجب ان تجعلها الدولة للجماعات لان الدولة لا تجعل الضرورات بغيا وعدوانا بل تجعلها فى الصالح العام وقال تعالى : " فمن اضطر غير باغ ولاعاد فان ربك غفور رحيم " ايظهر من هذه الآية ومن الدين الاسلامى عامة ان الذنب لا ذنب اذا كانت النية صافية وان العبادة لا تقبل اذا كانت النية فاسدة - وان المحاولين الاصلاح فى الاسلام يعلم الله ان نيتهم حسنة وانهم لا يصنعون ما يصنعون بغيا وعدوانا وانما ضرورة اكيدة.
ولعل اهم شىء فى الدين الاسلامى عندى هو الامر بالمعروف والنهى عن المنكر .
قد ترى رجلا فى الشارع فتبتسم له لانك تعرفه . وياتيك آخر ويسلم عليك فتنكره فالمعروف ما هو مقبول عند الامة الواعية بواجبتها وبمعتقداتها وبتاريخها وبشخصيتها والمنكر ما لا تعرفه وتنكره وتخرجه منها ومن معتقداتها ومن برامجها .
المعروف فى زمن بعينه هو لباس العمامة للرجال وجعل الحجاب للنساء وقد ياتى زمان آخر يكون فيه المعروف حسر الراس وسفور المرأة مثلا واولو الامر منا هم مسؤولون على حماية المعروف وتطبيقه والنهى عن المنكر بدون رياء ولا مداهنة .
فلئن راي اولو الامر منا ان 70 فى المائة من هذه الامة يأتون الفعل ويظهرون ضده فلماذا ياترى تريدنا ان نعد الاقلية تعمل المعروف والاكثرية تاتي المنكر وخصوصا اذا كانت الضرورة الاقتصادية او الاجتماعية هى التى تجبرنا الى ذلك وليس الطغيان او حب الكفر للكفر
والقرآن هو الذى خلق الآيات المحكمات ( ما اسمية انا الاركان القارة والاصول الخالدة ) وهو الذى تكلم عن الضرورات وفتح
فلنتفاهم ! عندما يتكلم القرآن عن السفر والمرض ويجعلهما ضرورتين اكيدتين فما هى حقيقة المرض وما هو معنى السفر . هل هناك حقيقة علمية لاريب فيها للمرض هل المريض هو الذى له 41 درجة حمى والصحيح السالم الذي يمشى فى الشوارع على رجليه ؟ فنحن نعلم والاطباء يعلمون ان كثيرا من اولئك الذين نراهم يمشون ويكثرون من المشى ويعملون ويجتهدون فى العمل انما هم مرضى بالسل او بالقلب او بالدم او مرضى بنقص فادح دائم في الغذاء وانا اعرف من وصف له الطبيب الحمية وحمله على اتباعها فلم يعترف بها المريض ولم يفطر فى رمضان وترك وصف الطبيب وراء ظهره وانتم تعرفون ان الناس ببلادنا صاروا على قدر حاجتهم الى التغذية متشبثين بالصوم عبيدا لعبادتهم ، عبادا " لسيدى رمضان " لا لله عز وجل ، يلقون بايديهم الى التهلكة ، وذلك الذى لايقتات فى اليوم حسب الحد الادنى من الكالوريات فهل هو مريض ام لا والذي ينقص جهازه قسم من اقسام المغذيات فهل هو مريض ام لا ؟
ثم السفر ! فهل هو اهم من الجهاد فى سبيل البقاء فى هذه الحياة ؟ هل الذى يركب حماره ويسافر نهاره لبيع دجاجة يربح فيها 50 مليما اهم للدولة الاسلامية والدين الاسلامى من ذلك الذى ينهض يوميا بالعمل المثمر فيغرس يوميا 6 او 7 شجرات لتبديل اقتصاد بلاده ؟
هذه بالطبيعة عجالة اذ لا نستطيع ان ندخل فى مناقشة جميع الجزئيات ولعل احسن خاتمة هى ما حدثنا به ابو عبدالله احمد بن على بن علاء الجوزى قال نا عبد الوهاب الوراق الشيخ الصالح قال نا ابومعاوية عن الاعمش عن مجاهد قال " افضل العبادة حسن الرأى "
انى قد اتيت العالم مسلما وسابقي مسلما فى عقليتى وحضارتى وثقافتى وقد ابقى مسلما ايضا فى دينى وانما هذا شىء بيني وبين خالقى.
ثم انى افحص هذا الاسلام واعالجه فاجده دينا متسامحا وحضارة اوسع من الدين بمعناه الضيق . فاظفر فى الحقيقة بكنز ثمين يحسن بى ان لا احطمه كما يحطم الطفل العوبته اذ هى ملك له ومتاع .
ثم انى ادرس على ضوء التاريخ هذا الدين وما انتجه من عقلية وحضارة واطيل الدرس واتمعن حتى ارى كيفية استعمال هذا الكنز كما يتعلم العامل كيفية استعمال الآلة الجديدة التى توضع بين يديه وكما يقرأ المريض كيفية استعمال الدواء الذي وصف له .
واخيرا ارى انه يجب اقرار بعض المبادى فى الحضارة الاسلامية وتوسيع معنى الدين الاسلامى واخراجه من " مقصورة " العبادات التى وضعه فيها الفقهاء وانى ارى انه ينبغى لنا احداث عقيدة اصلاحية عصرية تقدمية (وانما الاسلام التقدم !) تعتمد على نظرية التطور والاستحسان وغايتها الصالح العام . وسوف توضح هذه العقيدة اصول الدين القارة ومواطن الضرورة فى عصرنا .
ان الهى اله ابراهيم وموسى وعيسى ومحمد وانى اتقبل دينى كما اتقبل جنسيتى وانى سوف اجتهد ان اعمل - من وراء صالح امة من الامم ومن وراء ازدهار بلاد من البلدان - الى ازدهار الانسانية جمعاء والى صالح البشرية جمعاء .
