الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

لهجات بادية الجزيرة, الحلقة السابعة )

Share

الرمضاء :

تشتد حرارة الشمس صيفا . . وتكون متوهجة وأكثر ما تكون فى الضحى ، ولذا أقسم رب العزة بالضحى . . لعظم خلقه وقدرته . . وتتسلط الأشعة على الأخضر واليابس والرمال والجبال . . ولكل وقع من أثر ذلك التسلط مسمى تسميه به العرب . . . . فالرمضاء شدة وقع الشمس على الرمال . . والرمض بفتحتين على الرمل وغيره . . ورمضاء بوزن حمراء . . وتقول العرب رمض يومنا ( اشتد حره ) وبابه طرب . . ورمضت قدمه ايضا من الرمضاء أى احترقت . . وفي الحديث ( صلاة الاوابين إذا رمضت الفصال من الضحى ) أى إذا وجد الفصيل حر الشمس من الرمضاء . . وهذا الاستعمال لم يزل مشهورا عند البادية لدينا .

وبمناسبة الحال . . وعزيزي القارىء يقرأ هذه الحلقة وشهر رمضان الكريم قد حل ضيفا محبوبا ، اغتنم الفرصة وأهنىء الجميع بحلول متمنيا لهم القبول والزيادة من الاجر والثواب . . فهو شهر مبارك به تعمر القلوب المذنبة وتشرق الحياة بأنوار الله المتتالية على الارض . . فالليل تهجد وتبتل ، والنهار صوم وخشوع وتأدب ، فليهنا من أطال الركوع والسجود . . وليتب

أولئك الذين ظلموا انفسهم فهذه ايام الفرصة لمن يسأل عنها . .

هذا وقال المؤرخون فرض الصوم يوم الاثنين من شهر شعبان العام الثانى من الهجرة . ( وقال الامام محمد بن أبى بكر بن عبد القادر الرازي فى مختاره : شهر رمضان جمعه رمضانات وأرمضاء بوزن أصفياء ، قيل انهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالازمنة التى وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمضان الحر فسمى بذلك ) . وقيل لانه يرمض الذنوب ، يحرقها ، لما فيه من عظيم الاجر الذي يمن به الله على عباده .

استد :

اكتفى ، من السداد . . تقول العرب . . استد الرجل بقومه ، أى اكتفى بهم . ويقال : هذا الماء يسدنى ، أى على قدرى وكفايتى . ويقال بمعنى آخر هذا الرجل يسد مكان فلان ، أى يحل محله من حيث المقدرة والكفاءة وردت اصالة هذه الكلمة فى بيت للشاعر معن بن اوس في كتاب نهاية الأرب ج ٣ . قال :

اعلمه الرماية كل يوم

فلما استد ساعده رمانى

والمشهور على السنة الناس ( اشتد ) بالشين الثالثة حيث ورد هذا البيت فى باب الامثال قولهم فى الشطر الثاني ( فلما اشتد ساعده رمانى ) . وقد كنت فى مجلس يضم الاستاذ محمد سعيد التونسى فدار البحث حول هذا البيت لمناسبة طرأت فنطقت البيت كما سمعته ، فبادر بتصحيح الشطر الثانى حسب ما قرأه . . والمعروف عن أديبنا انه واسع الاطلاع ، ملم بملح وطرائف العرب ، يستند فى أقواله إلى نصوص كلامهم المأخوذة عن مصادرها الاصلية ولا يحب الجدل الا لابراز البينة .

كنت ألح على صدق الشطر المسموع لا مماراة لعلمه وفهمه بل لاقتباس ما عنده وابراز البينة من بطون الاسفار ، فسارع مشكورا وأخذ ينقب عن الحقيقة حتى أطلعنى عليها - زاده الله علما - ويكفينى بل وأقول ويسدنى دليلا على عمق اصالة هذه الكلمة استعمال بادية الجزيرة لها ، وقد أبرزها الحطيئة جرول بن اوس بن مخزوم فى أبيات له عندما قال : -

اقلوا عليهم لا ابا لأبيكم

  من اللوم او سدوا المكان الذي سدوا

أولئك قوم ان بنوا احسنوا البنا

  وان وعدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا

لز :

بضم اللام بعدها زاي مشددة مفتوحة ، قرب - بضم القاف وكسر الراء مع التشديد وفتح الباء- ولصق وضيق ، ذكرها الاخ وقيان فى حلقة شهر رجب المحرم ٨٩ . وفاتنى أن أضع حاشية لها تثبت اصالة هذا الفعل . فقد قال جرير وهو شاعر معروف :

وابن اللبون إذا ما لز فى قرن

    لم يستطع صولة البزل والقناعيس

يحرز :

بفتح الباء والكسر على الراء والزاى فى الآخر ، أى يستطيع . وماضيه أحرز يستعمل هذا الفعل بادية هضبة نجد . ويقول الرجل للشاب إذا عجز عن حمل الاناء - مثلا - : ما تحرزه ، أى ما تقدر على حمله .

تلفظ بهذا الفعل الشاعر المعروف أبو العتاهية فى بيت له يقول فيه : -

ما يحرز المرء من أطرافه طرفا

 الا تخونه النقصان من طرف

اسكب :

أى صب الماء فعل أمر ، ومضارعه : يسكب والصفة ساكب ، والماء مسكوب . يقول هذا الفصل اخواننا فى جنوب الجزيرة العربية ، بلهجة عربية فصيحة : اسكب لى الماء يا ذا . .

يقول الله جل ذكره فى القرآن الكريم ( سورة الواقعة ) :

( وأصحاب اليمين ما اصحاب اليمين ، فى سدر مخضود ، وطلح منضود ، وظل ممدود ، وماء مسكوب ، وفاكهة كثيرة ، لا مقطوعة ولا ممنوعة ) .

قال المفسر : مسكوب جار دائما . وقد وردت على ألسنة شعراء العربية فى مواضع عدة .

لغب :

لغب . . اعياء من التعب . يقول العربى فى جنوب الجزيرة اذا أخذ التعب والأرهاق منه مأخذه . أنا لغبان . ورد نص هذه الكلمة فى القرآن المحفوظ قال رب العزة وهو أصدق القائلين :

( ولقد خلقنا السماوات والأرض ومـــــا بينهما فى ستة أيام وما مسنا من لغوب ) .

الهيم :

الابل العطاش جمع هيمان للذكر ، وهيمى للانثى كعطشان وعطشى .

لم تزل هذه الصيغة للابل إذا أطلقت من عقلها - بضم العين والقاف معا - وأخذت تهيم على وجهها بحثا عن المورد ، وتسير فى الصحراء الفاحلة ، حتى تجد الماء وأطلق هذا الوصف لبيان الحالة التى تعيش فيها الابل ، وهو وصف

حكيم ، له دلالته وعمق معناه ، قال الله فى محكم الكتاب :

( فشاربون شرب الهيم )

اقمح يا هذا :

انها شتيمة تقال لكل ذى عار بان عيبه ولم يستره الله . والقمح بالضم : خسة . وتجد الشخص الذي تسلط عليه هذه الجملة حاسر الرأس خافضه من الذل لا يستطيع الحراك ، أو مشدوها يرفع ناظره عن المتكلم لعدم استطاعته تخيله أمامه ، وقد ورد نص لهذه الصيغة فى قوله تعالى ذكره : ( انا جعلنا في أعناقهم اغلالا فهى الى الأذقان فهم مقمحون ) . قال المفسر : رافعون رؤوسهم لا يستطيعون خفضها ، وهذا تمثيل ، والمراد أنهم لا يذعنون للايمان ولا يخفضون رؤوسهم .

تصويب :

فى الحلقة الخامسة من سلسلة بحثنا هذا والمنشورة بمجلتنا المثلى لعدد جمادى الاولى عام ١٣٨٩ ه المجلد ٣٠ السنة ٣٥ الجزء الخامس ، وفى الكلمة قبل الاخيرة وهى ( الخرص ) حدث خطأ مطبعى وعسى أن لا يكون طبعيا لانه نكرر وهو ان الخرص بمعنى الحزر بحاء يلحفها زاى - وليس كما وردت هكذا ( الحذر ) لان صيغة الحذر لا تؤدى معنى الحزر والتقدير ، واستندت فى صحة الخرص الى حديث الرسول ( ص ) المروى عن حميد الساعدى ( رض ) فى غزوة تبوك والوارد في تلك الحلقة وأحببت الإيضاح الآن ، والبون شاسع بين الحزر والحذر ، وذلك لئلا يقع القارئ فى الالتباس ونسأل الله التوفيق .

( جدة )

اشترك في نشرتنا البريدية