(الحلقة الثالثة عشرة )
صكم :
بالفتح - يقال صكمه - بمعنى ضربه . .
تقولها البادية عندما تكون هناك منازعات ويسأل سائل : ماذا فعل فلان بفلان ؟ فيقال: صكمه على أنفه.. أو صكمه بشدة حتى طاح أى وقع .. هذه لهجة عربية تدل على حركات نجم عنها فعل .. وتقال بعد حدوث الفعل . . جاء في القاموس المحيط : صكمه - ضربه ودفعه ، والصكمة الصدمة الشديدة ، ويقال كذلك صمخه .
رثم :
عند حدوث مشاجرة تصل الى مد الايدى يحدث أن رجلا يضرب خصمه على أنفه ثم يسيل منه الدم . . هنا يقال رثم أنفه . .
وهناك اختلاف بين الرثم والصكم ، فالاولى تحدث عادة بجمع - ضم الجيم - اليد ، أى جمع الاصابع في الكف وكسبها قوة . .
وضرب الانف بقوة ، ثم يحدث انشقاق في شعيرات غضروف الانف فينزل الدم معلنا حدوث الرثم . . والصكم كما جاء آنفا : دفع أو ضرب على آية جهة من الجسم وليس الانف
شرطا . . وقد وردت كذلك هذه الكلمه في القاموس المحيط . . قال مؤلفه : رثم أنفه أو فاه يرثمه فهو مرثوم ورثيم - على الميم تنوين بالضمة - : كسره حتى تقطر منه الدم وكل ما لطخ بدم وكسر فهو رثيم ومرثوم ، ويقال : رثمت المرأة أنفها بالطيب لطخته . .
وهذا يدل على أن لغة العرب هى لغة الاحساس والتعبير الصادق الملموس والمحسوس ..
خصر :
بفتح الخاء وسكون الصاد - هو الماء البارد . . أسقنى ماءا خصرا . . تقول الاعراب ذلك دائما، وقد حسبتها من المفردات التى أدخلت على اللهجة العربية حتى قرأت أبياتا للشاعر العربى المعروف (( أبى العلاء المعرى )) في كتابه ( سقط الزند ) :
قال :
يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر
لعل بالجزع أعوانا على السهر
وان بخلت عن الأحياء كلهم
فاسق المواطن حيا من بنى مطر
ويا أسيرة حجليها ! أرى سفها
حمل الحلي لمن أعيا عن النظر
ما سرت الا وطيف منك يصحبني
سرى أمامى وتأويبا على أثرى
لو حط رحلي فوق النجم رافغه
وجدت ثم خيالا منك منتظرى
يود ان ظلام الليل دام له
وزيد فيه سواد القلب والبصر
لو اختصرتم من الاحسان زرتكم
والعذب يهجر للافراط في الخصر
أبدع هنا زعيم المبدعين في الشعر فخاطب بمجازه البرق لكى يوقظ الراقد من شجر
السمر لعل في مكان (( الجزع )) أناسا يسهرون مع البرق يترقبون المطر لما أصابهم من قحط . . وذكر في هذه الابيات وغيرها مما يصعب حصره ، مفردات عربية لم تزل باديتنا تستعملها في كل حين وتعتبرها من لهجاتها التى يعول عليها فى الصحة ودقة اللفظ والمعنى ، من أمثال ذلك (( حط )) بمعنى وضع . (( الحجلان )) من الحلى التى تلبسها الفتيات العربية فى اليدين . .
وتكون مصنوعة عادة من الفضة ، وناهيك بدقة التصوير والابداع في البيت الاول والثانى . .
زكن :
بفتح الزاى - يقول الرجل لأخيه : زكن على فلان بأن يعمل كذا . . وكذا . . وفي هذا القول صورة التأكيد . . وهي لهجة عربية أسمعها دائما من رجال البادية وتقال في مجالسهم ولا يعيبون قائلها وظننت انها من اللهجات المألوفة الغريبة حتى قرأت في القاموس المحيط، لمجد الدين الفيروزابادى،
جـ ٤ قوله : زكنه كفرح ، وأزكنه : علمه - بفتح العين وكسر اللام - ، وفهمه وتفرسه وظنه . أو الزكن - بتشديد الزاى - ظن بمنزلة اليقين أو طرف من الظن ، وأزكنه أعلمه وأفهمه .. ولعلي أجد من شيخى الكبير العلامة الانصارى هامشة تؤكد أصالة هذه الكلمة من بحره الزاخر وعلمه النادر *،
المزبا :
مهد تحمله المرأة على كتفها وتضع فيه جنينها . . مصنوع من الجلد . . يوضع في جوانبه الثلاثة خيزران لتشد هذا الجلد ويمتد من الجانبين المتوازيين حزامان مبرومان من الجلد ترفع بهما المزبا على كتفها بعد أن تضع الطفل فيه وتزمله بثياب تحفظه عن أحد البأسين . وقد وردت اصالة هذا الاسم في القاموس بقوله (( زباه يزبيه : أى حمله )) وقد اشتقت المسميات من الافعال دائما ..
ويسمى كذلك (( المهد )) .
المدرعة :
جمعها : مدارع - بفتح الميم - والمدرعة هى الثوب الذى تلبسه نساء البادية ويتفنن فى زبرقته وحياكته بألوان زاهية من الخيوط يسترها بكامل مفاتنها لا يبرز منها كفلا ولا ساقا ولا فخذا ، محتشمة كل الاحتشام . .
مستترة كل الستر ، تدني عليها الجلباب فتزيد من شكلها رونقا واجتذابا بعيدين عن هتك سير والعرض . . لا تؤمن بالخلاعة التى أحرقت بدائها فتيات هذا العصر فأخدن يتبارزن بالميوعة والثياب اللاخلقية . . وأشد المصائب اذا تنكرت الفتاة لبيئتها ومجتمعها وتقاليدها.. أعود فأقول..وردت أصالة هذا الاسم فى أبيات شعرية قالها أبو العلاء المعرى يمدح أميرا .. قال :
يغادرن الكواعب حاسرات
ينلن من العداة من استنالا
يبعن تراث آباء كرام
ويشرين الحجول أو الحجالا
يغالين المدارع والمدارى
ويرخصن المناصل والنصالا
وكأني بشاعرنا يصف صورة من هذا العصر ، أصيبت فيه النساء بداء المغالاة في الثياب والمدارى . . ( هى حديدة كانت النساء يفرقن بها شعورهن ويسمى المشط ) وأصبح شغلهن الشاغل .. فالمغالاة في الثياب والرخص في السيوف والرماح . .
وقد قال شاعرنا المجيد :
ومن صحب الليالي علمته
خداع الألف والقيل المحالا
وغيرت الخطوب عليه حتى
تريه الذر يحملن الجبالا
فليت شباب قوم كان شيبا
وليت صباهم كان اكتهالا
وأقول : ليت شباب قومي الآن وشاباته يمرغون التقاليد المستوردة تحت النعال ، وينهلون من مناهل التراث العربى المشبع بالشجاعة بمعنيها العرفي والادبي ، ويسيرون على النهج القويم حتى نكون بحق الخلف العربى النبيل ، لذاك السلف الأصيل ..
اللهم أنت الهادى .
( مكة المكرمة )

