الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

لوحة صحراوية

Share

فى يوم فاحم لافح بدأت السماء تغبر حتى لكأنها قشرة برتقالة عفنة وآربدت الاجواء غمائم سوداء من زيف السحب راحت تزداد دكنة وانحطاطا ، تتجول فى الافاق كجيش لجب تحركه ظروف حرب ضارية ضروس ، نار ورماد ودخان وغبار ولست بالحرب هى ولا السحب الهواتن . . . تلك الصحراء تعبر عن سورة غضبها فى قدرة خارقة على التضليل والفتك والعبث والثورة . وكان " سعد " سيد القافلة على ظهر جمله الاغبر احتزم فى عباءته السميكة والحال صيف واليوم حر ، ملثم الوجه تبدو من عينيه اشعة حادة من الفطنة والثورة والتمرد حتى لتحسبنه مرابطا فاتحا صنديدا فى صرخاته يبدو العزم والشدة والهياج والثورة والجرأة ولا جرأة المصارع الرومانى يهاجم الاسود الكواسر . . ويصرخ فى رجاله فى عزم :

" احدوها لتزداد صبرا وتقوى فهى وليدة العواصف والاعاص لا تبالى . لا خوف عليها تطأ فيظ الرمضاء مثقلة حديدا وعتادا احدوها يا رجال . . . "

وترفع عقيرة السائس بالحداء فاذا الجمال تحرك آذانها الصغيرة وتنقطع عن الاجترار تتسمع ثم تمتد اعناقها فى اناة وخطواتها في عزم واصرار . . واذا الاعصار يدور على نفسه ويثير الغبار ويطير الحطب ويريد افقه فى اعاصير لولبية تتصاعد الى قباب الافلاك او تكاد كما تفعل القنابل العظيمة تدك المصانع والمنازل وتطيرها غبارا وشظايا اعمدة بين السماء والارض من دخان وغبار . والسعير لافح نهاش عضوض يفعل بالوجوه ما تفعله السياط بجلود العبيد . .

وفى الجو حلقت غرابيب سود كالفحم ترسل أليم النعيق تطارد او تصارع جيوشا من عقبان راحت تدوم حول شئ ما تتصاعد وتتدانى وتقع ثم تطير وتتجمع ثم تتفرق تحسبها مقاتلات نقاثة تدك مدفعية أعداء .

ومضت القافلة الى غور فسيح من رمال شكلت الرياح المتناوحة منها جبالا وآكاما وهضابا راحت ترسم عليها فى عبث مرير زرودا كما تفعل النسمات البليلة بالغدير . . وسرح سعد بصره فى المنبسط المتلاطم امواجا من غبار

ورمال ونظر الى كثبانه الصفراء تفريها الرياح الجنوبية اللافحة كما تفعل مياه الأوديه بالآكام تمزقها وتبعثها مع التيار ماء كدرا وترابا . . وصاح فى الرجال :

"حطوا الرحال هنا واضربوا الخيام واتركوها ترع ما أمكن وهاتول العتاد:.

فى الحين كانت الخيام تهتز مع الرياح فى ضراوة وتتمايل ركائزها كصوارى مراقب تغرق . . وأقبل الرجال بالعتاد يحملون معاول وقفافا وحبالا ومساحى وجواريف وعزما صلدا وارادة صادقة فى العمل والفوز . يريدون وقف الزحف واقامة الحدانق الغناء فى واد غير ذى عشب لينشروا الخضرة البائعة فى وجه الصحراء الرعناء العبوس . . يتبعون سيدهم فى تحفز يحملون حديدا كما يستنفر فيالق المشاة تدك الحصون . . وفي المقدمة ظهر مسعود اسود كالغراب يجر كبشا أليان سمينا بدأ يتشبث بالتراب وقد تجمد الغبار على مآقبه الدامعة ويثغو فهو الى مصيره المحتوم ينتحب ويبكى ولا رحمة ولا تقزز لدم يسفك ظلما وطوعا . . وعلى سفح ربوة بدأ سعد بين صخور متناثرة فى غير نظام قصير متين البناء ، رأسه مستدير كبير ، ووجه اسمر لحيم ، وقوائمه قصيرة ممتلئة لحما وعزما تحسب صدره صخرة غبراء بيده سيخ يتلمع على اشعة الشمس التى تجاهد اكفهرار الجو وعبوسه الاربد فى بأس . وهو فى انتظار الكبش والسكين تتلهف الى الدماء ومسعود يجر الضحية تساعده من الخلف عجوز فى ملاءة سوداء تحتزم حمرة حافية القدمين نسخة من سعد قوة ونشاطا وتمردا على لفح القيظ والاعاصير ، تدلى من عنقها فأس وشبكة وحمال كالساعية الى احتطاب . . وعندما تصل تشعل نارا فيتصاعد البخور فى هدأة ريح الى السماء متضوعا فى الصحراء فجا لا عطر فيه ولا يحرك من الانسان غير غرائز الخوف وقصص الشعوذات . . . ويهوى السكين على الخروف فيندفع الدم الاحمر حارا ويتجمع بر كة من الدم يكرع فيها مسعود ويعب كالكلب يلغ ويرفع سعد رأسه الى السماء فى خشوع وهمهمة دوتها غمغمة الكهان والسحرة اندعاما وانغلاقا ثم صاح :

أى رجالى ، هنا البئر يكون على هذا السفح الاجرد قريبا من السهل والرمال فيها ينصب وعلى يبسها وزحفها يقضى . . . المعاول يا رجال انى اراها الآن هذه الواحة وأرى الخضرة تغالب اليبس ، والصحراء تنهزم وتتوارى !. سنوقف الزحف ونطرد الغربان سننشئ الخضرة ونربى الحساسين . هيا ابدأوا . .

ويقبل الرجال على العمل فالفؤوس صاعدة نازلة وصيحات التشفى والعزم تنزل ويصعد مع كل ضربة والمعاول والمساحى والجواريف كل في جهاد وما هغ عير ساعات حتى نزلوا بالبئر قامات وأقاموا عليها اعمدة ركائز طوالا ودواليب

فى حبال وربطوا فى القفاف اقلاسا راحت في صعود ونزول وفى القاع دوى المعاول والفؤوس فى أعماق الارض كغيظ مكتوم .

.ويصيح سعد فى رجاله :

هكذا الجهاد فى الحياة او لا يكون . . ان السماء تبارك جهادكم والعزم والصبر . . وانتم المنتصرون اذا نجحتم أيها الشبان فلكم فى هذا الغور فصور سنبنيها وعرائس من القرية سوف تلتحقن بنا عندما يؤمن الكل باننا صادقون . . ولمسعود زنجية سوداء كلمة ليل تلمع اسنانها كفجر . . ثابروا يا رجالى فلا شرب ولا ماء إلا من بئرنا وإلا فنحن عطش ميتون . . "

ويشتد عزم الرجال ويتشبثون بالامانى ولا تشبث الصغار ويقترب الاعصار وتهب عليهم اولى زخاته فيشدون بالحبال يخرجون بها زنابيل التراب فلا تسمع الا صرير الدولاب وصيحات الحماس وتزداد الرياح مقاومة والرجال عنادا ويعمدون الى الاقلاس يشدون بها اجسادهم ويتمنطقون حتى اذا ما اتعبت الحبال ايديهم ابعدوها وجروا القفاف مثقلة طينا وترابا ولا اناة حتى وصل الاعصار بكل جبروته وقوته فى سحب سوداء داكنة رعناء تمطر ترابا اسود رمادا ويهدر الرعد هديرا فتهتز الدنى لهوله اهتزازا فتتكسر الركائز والاعمدة على جانبى البئر وتجر الاثقال الرجال الى الاعماق فيرتمى الكل على العاملين فى القاع ميتة مفاجئة سريعة وينتهى كل شئ . . ويحاول سعد ان يرى فلا يرى شيئا غير العجوز تقترب منه وتصرخ فيتشبثان بالصخرة القريبة جاعلين العباءة حجابا دون رماد يذر وعاصفة تمطر ترابا وحصباء تدمى وتعمى لحظات عميقة ألما وحسرة وهما حتى ذهلا عن كل وجود وعدم وراحا فى غير سبات ولا يقظة . . واذ يهدأ الاعصار ينظران فلا اثر لخيام ولا لبئر . . تجمعت الاتربة حوله كثبانا فاذا هو بينها كثيب ولا اثر للرجال .

وصاح سعد فى العجوز فاقد الرشد او يكاد :

" البئر اين البئر . . "

وتجيبه العجوز فى سخرية ونواح :

والرجال ؟ اين الرجال ؟ هل حفروا البئر وفجروا الماء في الارض الموات ، وهل انتصروا ؟

- لا تسألى : هل انتصروا يكفى انهم بدأوا . . قلت اين البئر واين الرجال ؟

- لعلهم مسخوا غرابيب وعقبان اوان الارض امتصت دماءهم كما امتص مسعود دم خروفك السمين .

- هذه الارض ماصة مصاصة أكول . بريئة هى الارض مما تقول انت الواهم المريض المتوهم ابدا امكانات زائفة . . وتبلغ الثورة بسعد جنونها ويتوارى عقله الى بعيد فيصرخ :

- قلت اين الرجال والجمال يا حيزبون ٠ ؟ ! فترتعش العجوز وتضطرب وتتقهقر أمامه وتصرخ :

- واين البئر والخضرة والثمار والحساسين . الكل اوهام فى اوهام . ويقترب منها اهوج ارعن ترتعش يداه وهما تشكلان وضع من يريد خنق انفاس . ويشتد الرعب بها فتصرخ فى شبه جنون :

- اتقتلنى . ابتعد عني يا سفاك . ويصيح بها :

- اين اين البئر والرجال . لأحيلنك وهما فى هذه الحقيقة الجرداء اليابسة . .

وتحاول العجوز ان تتكلم ولا كلام ! ان هى الا محاولة متخاذلة لفك قبضتين حديديتين ما زالتا تضغطان على عنقها فى اصرار حتى تتزاحم الالوان فى عينيها ثم يشتد الظلام فترتمى باردة صامتة هادئة آخر عشية عابسة مريضة . ! . ويصرخ سعد صرخة هائلة يبتلعها الوهد الممتد فلا يرتد لها صدى ثم يندفع الى الصخرة الكبيرة ضاربا عليها رأسه الكبير بكل قسوة وشدة ندما خيبة امل وضياع جهود . . . وتحوم غربان وعقبان جشعة تبحث عن جيف وشهداء ثم تتوارى الشمس وتنام الصحراء كعادتها قفراء موحشة يهابها الانسان . . .

س . د . - المحبوبين 1969 - I - I

اشترك في نشرتنا البريدية