الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

ليلة القدر

Share

اليوم السادس والعشرون من شهر رمضان . وكامل افراد الاسرة يسهرون فى احدى غرف المنزل المخصصة لسهرات رمضان ، حول الكانون المتقد جمرا وكلهم ينظرون الى بخار الشاى يتصاعد ثم يتلاشى فى فضاء الغرفة .

والحديث يدور بينهم هادئا متزنا بصوت خافت ، يتخلله من حين لاخر صمت قصير لا يسمع أثناءه الا غليان الشاى ، والجميع يشاركون فى هذا الحديث مهما كانت تفاهة موضوعه . الا الجدة . فقد اطرقت منذا بداية السهرة ولم تشارك فى ايه مناقشة . وعندما انتبهوا الى ذلك اتجهوا اليها جميعا وسألوها عن سبب هذا الصمت الطويل . وتعجب الجميع من جوابها : انها تفكر في ليلة القدر فردد الواحد بعد الاخر : " ليلة القدر ! " وأخذ احد الاطفال يسرد ما حفظه بلهجة ملؤها الفخر والعجب : " ليلة القدر خير من الف شهر . تنزل الملائكة والروح فيها . . " ولم يفهم احد ما سرده بسرعة آلية . وهو نفسه لم يفهم شيئا . ولكنهم فهموا ما قصته الجدة عن ليلة القدر

" انها افضل الليالي عند المولى . ففيها يفتح باب العرش ، ويقبل الله دعاء كل من يبتهل اليه ، ويلبى رغبات كل من كتب له ان يراها .

وماذا يرى ؟

- يرى نورا سماويا يغمر الكون ، فتبدو الدنيا كلها سابحة فى الضياء . يرى الجمال السرمدى ، ويشعر بخفة روحية لم يعرف لها مثيلا طول حياته . يرى الملائكة فى ثياب بيضاء ، يحيط بها النور من كل جانب ، تسبح بحمد الله وعظمته وتحلق فى السماء باجنحة من نور

- وهل يبقى النور طويلا ؟

- ليته يبقى فينعم الناس جميعا بجماله ! ولكنه يزول بسرعة . وكل من كتب له ان يراه يطلب من ربه ما يشاء . لكن الله لا يلبى الطلب اذا زال النور

وارادت الام ان تقول شيئا . لقد ذكرتها هاته الملاحظة امرأة حظيت برؤية باب العرش مفتوحا . فطلبت الى الله ان يمطرها ثيابا وطعاما ومالا . ولكنها قالت الكلمة الاخيرة بعد ان زال النور . فامطرها الله ثيابا وطعاما ولكن المال لم ينزل من السماء . وأضافت الام : " لان باب العرش قد اغلق قبل ان تصل اليه كلمة ) المال ( " .

فتأثر الصغار بحكاية امهم واعجبوا بقدرة الله وحكمته ، وبقوا مشدوهين الى ان تكلمت اختهم الكبرى . فهى ايضا قد تذكرت حكاية جرت حوادثها ليلة القدر . تذكرت حكاية الشاب الطموح الذى كتب له ان تكون ليلة القدر من نصيبه . فليلة القدر لا تكتب الا لشخص واحد فى العالم كله . قالت الاخت بلهجة ملؤها الاسى : " انه شاب طيب جدا . ولكنه شديد الطموح . كان دائما يتمني ان يملك سيارة من احدث طراز ، كالتى سنراها عندما يرجع اخى فقاطعها احد الصبيان : " ومتى يرجع ؟ " فأجابت : " الليلة بعد السحور . ثم ، واصلت كلامها : " كان هذا الشاب ينظر الى كل سيارة تمر امامه نظرة ملؤها الرغبة والامل . . الى ان كانت ليلة القدر . وكان راجعا من النادى الذى يسهر فيه مع خلانه . فرأى ضياء يغمر الكون . وفهم ان باب العرش قد فتح . فطلب من الله ان يرزقه سيارة تأتيه فى الحين . . " وما أتم كلامه حتى رأى سيارة جميلة تسرع نحوه . . وتصدمه . فيموت . "

فتأسف الجميع ولاحظ احدهم : " انه لم يحسن الطلب . " وقال آخر

" انه لم يكن صادق النية . " وقال ثالث : " انه كان ضعيف الإيمان . " وقالت الجدة

" انه لم يكن ضعيف الايمان . وانما هى قدرة الله ومشيئته . أتذكرون مؤدب القرية المجاورة الذى كان يدعو الله فى كل صلواته ان يمكنه من الحج الى بيت الله الحرام ؟ كان يتمنى ان يرى الكعبة ويطوف حولها ويقبل حجرهم الاسود . واعاد نفس الطلب من الله ليلة كتب له ان يفتح باب العرش فى وجهه . . ثم كان الصباح . فضجت القرية بأكملها : ان المؤدب قد افتقد وبحث عنه السكان فى كل مكان . وذهب بعضهم الى المقبرة التى يختلى فيها احيانا لتلاوة القرآن على الموتى بدون ان يطلب منه احد ذلك . وتجمع الصبيان امام زاوية الولى منتظرين عودة مؤدبهم . ولكن بدون جدوى . . وانقضت ايام . والناس جميعا حيارى على ذلك الرجل الطيب الذى غمرهم ببركته واعتقد البعض ان الملائكة قد رفعته الى جوار ربه . وظن آخرون ان الجن قد اخذته لتنتفع ببركته . وقال قائل : " ان الولى الدفين فى الزاوية قد اخفاه عن انظار الناس . " ثم كان عيد الاضحى . وفات موسم الحج . واقبل راس السنة الهجرية ففوجئ اهل القرية برؤية المؤدب لابسا جبة بيضاء ، راكبا بغلا، يضحك لهم ويقص عليهم مغامرته " القدرية "

وما انتهت الجدة حتى سمعت الاسرة نقر الطبل ينبههم الى وقت السحور . عند ذلك جاء " الوالد " من المقهى . فتناول الجميع سحورهم وذهبوا الى مضاجعهم .

ولكن النوم هاته الليلة قد امتنع عليهم . فقد بقوا متأثرين بما سمعوا اثناء السهرة من اخبار ليلة القدر . ومن يدرى ؟ لعلها تكون من نصيب احدهم

فالجدة توشك ان تتيقن ان الله لا بد ان يهبها هاته النعمة جزاء صلواتها العديدة . وهى ليست لها أماني متعددة . فأملها الوحيد ان تحج الى مكة وترى الكعبة بعينيها وتطوف بالبيت المقدس . فلقد طالما حدثتها العجائز . عن جوها الروحى وبخورها " الشهى " : " يا رب . ارجوك . ارجوك . اود ان اقترب من جوار رسولك البشير . أود ان تمس رجلاى التراب الذي سار عليه محمد . يا رب لقد قضيت عمرى كله احلم بهاته النعمة . فاستجب لدعائي قبل ان اموت دون ان ارى بيتك . "

وقد تحادث رب الاسرة ايضا الى جيرانه فى المقهى عن ليلة القدر . وتأثر بقدرة الله على خلق المعجزات . وطمع بدوره فى رؤية باب العرش ومن يدرى؟ لعل طيبة قلبه وحبه لابنائه وبناته وتجنبه مضرة الناس تجلب له العطف الالاهى . لقد قضى كامل حياته يسعى الى اسعاد اسرته وتوفير العيش الكريم لها . ولكن الدار التى اسكن افراد اسرته فيها ليست ملكا له . فقد اكتراها مند زمن طويل ورجا ان يشترى منزلا يصير ملكا لابنائه . ولكن مرتبه الشهرى لم يكف قط لتحقيق هاته الامنية . فلعل ليلة القدر تحققها . " يا رب لا اطلب جاها ولا مالا . ولكنى اطلب السعادة لابنائى . أود ان اراهم كرماء ابدا لا يقض مضجعهم شىء أريد ايواءهم فى منزل لائق يبقى لهم بعد موتى هذا كل رجائى . "

ولم يفكر فى ابنته الكبرى . فهو يعتقد انها ما زالت صغيرة السن . اما الفتاة نفسها فهى لا تعتقد ذلك . لقد شعرت بأنها تغيرت عن ذى قبل ، بان شهوات قد تفتحت فيها ، بان آمالا قد ازدهرت فيها . شعرت ان جسدها نفسه قد تغير واصبح فى حاجة الى احاسيس جديدة ، وصار يفور بالحرارة والجمال وتغيرت من اجل ذلك نظراتها . فقد اصبحت حالمة تنظر الى شيء بعيد لا يدرك . وشعرت منذ بضعة اشهر انها فى حاجة الى انس غير انس صديقاتها

كانت تفكر لذلك ، فى هاته الليلة بالذات ، فيمن يمكن ان يرضى رغبتها ويطفئ ظمأها . فهى فعلا ظمأى منذ اشهر ، تحلم بالينابيع والسواقى تنتظر الربيع الزاهر . . لقد تخيلت نفسها مرات لابسة ثوب العرس الابيض الطويل ، تحيط بها الزهور الزاهية الالوان ، تشرق في وجهها ابتسامات المهنئين . وسمعت مرات زغاريد بخيالها ، واشتمت روائح عطرة يرشها والدها على المتفرجين فى حفلة زفافها . رأت مرات عديدة شابا وسيما بجانبها ، لابسا بدلة زرقاء داكنة ورباط عنق فى شكل فراشة ، رأته يفتح لها باب السيارة ويركب بجانبها فينطلق السائق ، وتنطلق وراءهم سيارات اخرى كثيرة تكرر منبهاتها نغمة واحدة . " يا رب . لا تخيب آمالى . اسعدنى مع من يستطيع ان يتجاوب معى . أبتهل اليك فى هاته الليلة المشرقة . . "

اما اخوها الصغير فهو اكثر تواضعا فى آماله : لقد حدث كثيرا عن المعاهد

الثانوية واساتذتها وحدث عن جو الصداقة الذى يسودها . وقال له ابوه ان من لا يتعلم فى المعهد الثانوى لا ينجح فى حياته ويصير " حمالا " او بائع خضر متجولا . فشعر بخطورة الفشل فى الامتحان المقبل . لذلك تمنى على الله الا يخيب فى الامتحان آخر السنة

وتمادى كل فرد من افراد الاسرة فى فراشه يحلم بالمستقبل وما يمكن ان تحققه ليلة القدر لكل منهم . واخذوا يترقبون الضياء ويعدون العبارة التي سيرسلونها الى السماء اذا فتح فى وجههم باب العرش . فلم يغمض واحد منهم جفنيه خوفا من ان تفوته الفرصة وبعدت دقات الطبل . وانتهى الآذان الصادر من الصومعة . وسمعت خطوات المصلين العائدين الى منازلهم . ثم سكن كل شيء . وانطفا بعد حين الضوء البلدى الذى كان ينير الشارع

ثم فجأة .

وا فرحتاه

لقد غمر فناء المنزل ضوء وهاج . لقد استجاب الله للدعاء . فتمتم الجميع فى نفس الوقت .

الحج

المنزل

الشاب الوسيم

النجاح فى الامتحان

ثم انطفأ النور . فنهض كل واحد من فراشه وأسرع ليخبر الآخر . والتقى الجميع فى فناء الدار

- لقد رأيت ليلة القدر

- وانا ايضا !

- وانا ايضا !

٠٠-

ثم سمعوا طرق الباب . لقد جاء الابن الغائب بالسيارة . فتبادل الجميع نظرات الخيبة . ثم ضحكوا حتى استلقوا . . فى فراش النوم

اشترك في نشرتنا البريدية