الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

ماهية الحب حسب ابن حزم

Share

إن فرط اشتغال الفقهاء ورجال الدين بالعشق والعشاق وكبير عنايتهم بالحياة العاطفية وإقبالهم الدائم على التأليف فى هذا الموضوع ، مما يلفت انتباه دارس الادب الحبى فى الادب العربى . ألا ترى أن جماعة من فقهاء المدينة فى آواخر القرن الاول كانوا ينظمون الشعر الحبى ويكلفون المغنين بتلحينه وغنائه . وقد عالج الفقهاء والفلاسفة والادباء الذين تفقهوا في الدين أيضا موضوع الحب على تفاوت فيما بينهم ، فعالجه الفيلسوف " الكندى " إلا أن رسالته فى العشق مفقودة ، وعالجه الجاحظ ، الاديب المتكلم في رسالتيه " فى النساء " ( 1 ) وفى " رسالة القيان " ( 2 ) بريشة فنان شهوانى كما أهتم بامر الحب " ابن سينا " الطبيب الفيلسوف إذ ألف " رسالة في العشق " ( 3 ) وخصص إخوان الصفا رسالة للعشق ، وكتب الغزالي " عن العشق في ميزان العمل" وألف ابن حزم الاندلسى " طوق الحمامة في الالفة والالاف " وشعر بالحاجة للدفاع عن الحب دفاعا دينيا فقال : " وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور فى الشريعة إذ القلوب بيد الله عز وجل " ( 4 ) وقد يتبادر إلى الذهن أن هناك تناقضا بين ابن حزم الفقيه الذى يعتنق مذهبا فقهيا متحجرا يبطل القياس والرأى والاستحسان والتعليل ويغلق باب الاجتهاد ، وبين ابن حزم الذى يؤلف فى العشق والعشاق ! فمتى نظرت فرأيت أن فقهاء كثيرين قبله وبعده اهتموا بهذا الموضوع حكمت بأنه لم يحد عنهم وعللت هذا الاشتغال بان الاسلام لايمنع النظر فى موضوع الحب . فشخصية الرسول أقرب دليل على ما نقول إذ الرسول نفسه كان عاشقا ، عشق الله كثيرا في غار حراء ،

ولم يتحرج فى الحديث عن الحب . وورد فى القرآن ذكر حب الانسان لله " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحبكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم " ( آل عمران آية 31 ) ، كما نظر الصوفية إلى الله نظرتهم إلى المحبوب بالذات ( 5 ) .

والرأى عند ابن حزم أن الاشتغال بموضوع الحب لا يخلو من صبغة دينية إذ القلوب بيد الله ويضبط ماهية الحب بقوله : " الحب أعزك الله أوله هزل وآخره جد دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة . . وقد اختلف الناس في ماهيته وقالوا وأطالوا والذي أذهب إليه أنه اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في اصل عنصرها الرفيع " ( 6 ) فهذا الكلام يدل على أنه عرف الحب وجربه وأنه يريد الحديث عنه حديث خبير بالشؤون العاطفية فقد نشأ بين أحضان الجوارى فهو يعتبر النفوس المقسومة فى الخليقة فى شوق دائم إلى الاتصال بعضها ببعض إذ النفوس فى أصلها متصلة غير منفصلة وأجزاء من النفس الكلية .

فهذا المعنى فلسفى لكن يستوحيه ابن حزم من القرآن قبل كل شىء لانه فقيه ، وإن وجده أيضا عند الفلاسفة الاشراقيين كالفارابى وابن سينا وأفلوطين وجماعته فى ذاك المبدأ التفسيرى العام للكون في فلسفتهم الفيضية . ( 7 ) ويستشهد ابن حزم بالآية " هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها " ( ص 16 ) ونجد في تعريف ابن حزم فكرة اشتياق النفس للاتصال بغيرها وإذا وسعنا هذه الفكرة بالنسبة لابن سينا والفلاسفة الاشراقيين والمتصوفة وجدنا فكرة اشتياق النفس للاتحاد بالنفس الفلكية أو الكلية ( وهى غير الله ) وبالعقل الفعال ( الواسطة بين الله والانسان حسب الفارابى والفيضيين ) وبالله . وهذا الشوق حسب أفلوطين كامن فى النفس منذ الازل كما أن اشتياق النفس للاتصال بنفوس أخرى هي رغبة للصعود وتوقان إلى الكمال ، فالحب حسب ابن حزم " اتصال بين النفوس" وهو بذلك يوافق " العباس بن الاحنف " شاعر الحب العفيف فى بلاط الرشيد . فاقرأ قول العباس :

خلط الله بروحى روحها

فهما فى جسدى شىء أحد

فهو يحيا أبدا ما اصطحبا

فإذا ما افترقا مات الجسد

كما يوافق جميل فى بيته :

يهواك ما عشت الفؤاد فإن أمت

يتبع صداى صداك بين الاقبر

والرأى عند ابن حزم ايضا أن الاتصال يكون بين آجزاء النفوس "في أصل عنصرها الرفيع " ( ص 14 ) ولا شك أنه يريد بعنصر النفس الرفيع أنها هبطت من السماء أى من عالم الجواهر أو " العقول المفارقة " فى مصطلح الفلاسفة كالفارابي وابن سينا ، وحلت فى الجسد شقية سجينة غير أنها بقيت تحن إلى حماها ولا يتم هناؤها إلا عندما تعود إلى عالمها السماوى مغردة كما يقول ابن سينا فى قصيدته الشهيرة.

هبطت إليك من المحل الارفع

ورقاء ذات تعزز وتمنع

وأظنها نسيت عهودا بالحمى

ومنازلا بفراقها لم تقنع

علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت

بين المعالم والطلول الخضع

الى أن يقول

حتى إذا قرب المسير إلى الحمى

ودنا الرحيل إلى الفضاء الاوسع

وغدت مفارقة لكل مخلف

عنها حليف الترب غير مشيع

سجعت وقد كشف الغطاء فأبصرت

ما ليس يدرك بالعيون الهجع

وغدت تغرد فوق ذروة شاهق

والعلم يرفع كل من لم يرفع ( 8 )

ويصف ابن حزم عنصر النفس الرفيع وعالمها العلوى بقوله : " وعالمها العالم الصافى الخفيف وجوهرها الجوهر الصعاد المعتدل " ( 9 ) ويوافق ابن حزم الفلاسفة المسلمين وخاصة ابن سينا في آن النفس هبطت من عل وحلت في الجسد شقية سجينة فحجب عنها الجسد صفاءها وعلمها . فاقرأ قوله فى موطن آخر من كتاب " طوق الحمامة " :

" إن الحب اتصال بين النفوس فى أصل عالمها العلوي....

لقد علمنا أن النفس فى هذا العالم الادنى قد غمرتها الحجب ولحفتها الاعراض وأحاطت بها الطبائع الارضية الكورية فسترت كثيرا من صفاتها ، وإن كانت فم تحله ( أى لم تحل الاتصال بين النفوس ) لكن حالت دونه . فلا يرجى الاتصال على الحقيقة إلا بعد التهيوء من النفس والاستعداد له وبعد إيصال المعرفة إليها بما يشاكلها ويوافقها ومقابلة الطبائع التى خفيت بما من طبائع المحبوب ، فحينئذ يتصل اتصالا صحيحا بلا مانع " . ( 10 ) فلا يرجى الاتصال بين النفوس فى الحب حسب ابن حزم إلا بعدالتهيؤ بالرياضة له وإذا وسعنا هذا المبدأ وجدنا تصوف الفارابى وابن سينا وابن رشد العقلى

وأنت ترى ضبطا أفلاطونيا فلسفيا للحب عند ابن حزم ، ثم تجده يعارض محمد بن داود الظاهرى وهو ابن الفقيه المشهور كان فقيها أديبا شاعرا ظريفا ألف في الحب العفيف كتاب " الزهرة " " وهو مجموع أدب أتى فيه بكل غريبة ونادرة وشعر رائق " ( 11 ) وتأثر بالفلسفة الهلنستية . فهذه أبيات لمحمد بن داود فى الحب العذرى الافلاطونى يوردها ابن خلكان فى " وفيات الاعيان " :

أنزه فى روض المحاسن مقلتى

وأمنع نفسى أن تنال محرما

وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه

يصب على الصخر الاصم تهدما

وينطق طرفى عن مترجم خاطرى

فلولا اختلاسى رده لتكلما

رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم

فما إن أرى حبا صحيحا مسلما

كما تجد ابن حزم أيضا يعارض بعض أهل الفلسفة فى ضبطهم ماهية الحب ضبطا يوافق ما اختاره صاحبنا فى كتاب " طوق الحمامة " . فما سرا هذا التناقض ؟

إنه في الحقيقة يوافق محمد بن داود فى فهم الحب ولا يخالفه ولا يخالف أهل الفلسفة إلا في المصطلحات التى قد تسئ إلى المبادىء الاسلامية . فلا تنس أنه فقبه . فاقرأ قوله في الرد على محمد بن داود : " لا على ما حكاه محمد بن داود رحمه الله عن بعض أهل الفلسفة أن الارواح أكر مقسومة لكن على سبيل مناسبة قواها في مقر عالمها العلوى ومجاورتها فى هيئة تركيبها" ( ص 16 ) فإن ابن حزم يرفض تفسير ابن داود الرياضى الميثولوجى إذ يعتبر

النفوس أكرا مقسومة أو مشطورة وأن الاتصال فى الحب يكون بين النفوس المجاورة فى هيأة تركيبها ولا يسكن المثل إلا إلى مثله " والشكل يستدعى شكله " . فهذا التفسير الثانى للحب هو أيضا تفسير أفلاطونى .

ألم يذهب أفلاطون إلى أن النفوس كانت فى العالم العلوى أو عالم المعقول خالصة من الجسم والمادة ، تشاهد المثل فى صحبة الالهة ثم ارتكبت إثما عندما عجزت في إحدى محاولاتها عن اللحاق بنفوس الكواكب ومشاهدة عالم المثل فكان عقابها الهبوط من العلو إلى الجسم فى عالم العناصر وتذهب الاسطورة الاغريقية الى أن الانسان تطاول على الاله زيوس ( zeus ) في محاولته الالتحاق بالعالم العلوى فكان عقابه تقسيم نفسه الدائرية الشكل الى شطرين ذكر وأنثى . وامتزجت الاشطار ، وأخذ كل شطر يبحث عن شطره الملائم له فى هيئة تركيبه . ولا شك أن شوق النفوس الى الاتصال ، توقان الى الكمال وحنين الى الحمى .

غير أن اتصال النفوس لا يكون إلا بحسب مجانستها والتشابه فيما بينها وهذا ما أبرزه ابن حزم ، فاقرأ - لتتيقن من ذلك قوله:" وقد علمنا أن سر التمازج والتباين فى المخلوقات إنما هو الاتصال والانفصال والشكل دأبا يستدعى شكله والمثل الى مثله ساكن ، وللمجانسة عمل محسوس وتأثير مشاهد والتنافر فى الاضداد والموافقة فى الانداد والنزاع فيما تشابه موجود فيما بيننا " ( ص 16 ) والى هذا يذهب محمد بن داود ويوافقه إذن ابن حزم ولا يخالفه فى الحقيقة إلا فى المصطلحات الرياضية الفلسفية التى قد تسىء إلى المبادىء الاسلامية ، فهو يقبل فكرة النفس الكلية الواحدة المشار إليها في القرآن في قوله تعالى : " هو الذى خلقكم من نفس واحدة " ويرفض فكرة النفوس التى هى بمثابة الاكر المقسومة . فإنه يبقى - رغم اقتباسه التفسير الافلاطوني للحب- فقيها قبل كل شىء . فاقرأ قوله : " والله عز وجل يقول : هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها " فجعل علة السكون أنها منها " ( ص ( 16 ) .

فها هنا فكرة هامة جديدة . فامعن النظر في قوله : " فجعل علة السكون لها ( اى النفس ( منه ( أى من السكون ) " فالسكون هو الراحة وليس بمعنى التفاعل انتفاء الحركة إذ النفس حياة والحياة حركة . فخبرنى هل تعرف كلاما أحوج إلى تفسير الفارابى وتأويل أرسطو من قوله هذا : فهو يريد أن النفس جوهر مستقل بذاته ليست كالجسد الذى ليس له قوام إلا بالنفس ، فهى جوهر روحاني

منفصل عن الجسم وهى من السكون والسكون منها . وإن شئت فقل إن علتها فى ذاتها . ومن كانت هذه صفته فهو باق بقاء السرمد .

ويفيدنا ابن حزم ايما إفادة عندما يضيف قوله : " ولو كان علة الحب حسن الصورة الجسدية لوجد ان لا يستحسن الانقص فى الصورة " يريد الانقص من حيث الجمال الجسدى . ومن هذا القول تستنتج أن الحب الذى يريده ابن حزم هو الحب العفيف الافلاطونى الذى ضبطه محمد ابن داود الظاهرى فى كتابه " الزهرة " وتغنى به فى الآبيات التى اوردناها . ففي إمكان النفس فى هذا الحب أن تنعم بدون الجسد بنعيم روحاني لان " عالمها العالم الصافى وجوهرها الجوهر الصعاد المعتدل " .

ويضيف ابن حزم قولا هاما ليميز الحب العفيف الذي يكتب فله عن الحب الشهوانى الخالص : " وأما ما يقع من أول وهلة ببعض أعراض الاستحسان الجسدى واستطراف البصر الذى لايجاوز الالوان فهذا سر الشهوة ومعناها على الحقيقة " ( 12 )

فإنه يختار الحب المتمكن من صميم الفؤاد النافذ في حجاب القلب أى الحب الذى عرفه صاحبنا وجربه طويلا وأدرك حقيقته بالمعاناة . ولا أدل على ذلك من قوله :

" وإنى لاطيل العجب من كل من يدعى أنه يحب من نظرة واحدة ولا أكاد أصدقه ولا أجعل حبه إلا ضربا من الشهوة ، وأما أن يكون في ظني متمكنا من صميم الفؤاد نافذا فى حجاب القلب فما أقدر ذلك . وما لصق بأحشائى حب قط إلا مع الزمن الطويل وبعد ملازمة الشخص لى دهرا وأخذى معه فى كل جد وهزل وكذلك أنا في السلو والتوق فما نسيت ودا لى قط وإن حنيني إلى كل عهد تقدم لي ليغصني بالماء ويشرقني بالطعام..." ( 13 ) ويمكنك الاقتناع بقول ابن حزم ، فإنه كان حقا ألوفا ، ولعل أحسن دليل على ذلك بقاؤه حزينا على جارية أحبها إسمها نعم سبعة أشهر بعد موتها . فها هو يقول : " . فلقد أقمت بعدها سبعة أشهر لا أتجرد عن ثيابي ولا تفتر لي دمعة على جمود عينى وقلة اسعادها وعلى ذلك فوالله ما سلوت حتى الآن

ولو قبل فداء لفديتها بكل ما أملك من تالد وطارف وببعض أعضاء جسمى العزيزة على مسارعا وما طاب لي عيش بعدها ولا نسيت ذكرها ولا أنست بسواها ولقد عفا حبى لها على كل ما قبله وحرم ما كان بعده " ( 14 )

ويعتمد ابن حزم على تجاربه الخاصة فى تفسير هذا الحب العفيف كما يعتمد على أشعاره . فها هو يعرف الحب فى هذه الابيات:

ودادى لك الباقى على حسب كونه

تناهى فلم ينقص بشئ ولم يزد

وليست له غير الآرادة علة

ولا سبب حاشاه يعلمه أحد

إذا ما وجدنا الشئ علة نفسه

فذاك وجود ليس يفنى على الابد

فهذا الحب متعة روحانية لكن بدون كبت الشهوات كما يتبين لك ذلك من خلال أخبار ابن حزم الغرامية فى رسالته ومن قصته مع الجارية نعم . ولئن كانت شهوانيته مكبوحة فإنها فيه لم تمت وقد تنبه لذلك " فون غرنباوم " ( 15 ) ( Von Grunebaum ) حين ذكر أن بن حزم والعباس ابن الاحنف يلتزمان حدود الطهر بدون أن يضطرهما ذلك إلى عدم الاخلاص في تصوير ميولهما . ولعلهما يخالفان محمد بن داود من حيث كبت حبه .

ولا بد من الاشارة ها هنا إلى أن الحب العفيف الافلاطوني عند ابن حزم يختلف عن الحب العذرى فى وضعية المحب وإن كانا يتفقان فى الماهية . فإن الحزن في الحب العفيف الافلاطوني عند ابن حزم " موطأ بالكف والكبح " ( 16 ) بينما يموت " المجنون " وأضرابه من العذريين إذا أخفقوا فى حبهم وحزنوا حزنا شديدا . فالبين لا يقتل ابن حزم بل هو يتحمله كما يتحمل كل قضاء في هلع وجزع وحزن شديد وألم مرير . فهاهو يقول :

" وقد علمنا أنه لابد لكل مجتمع من افتراق ولكل دان من تناء . . وإن هذا ( أى البين ) ليولد من الحزن والاسف غير قليل ولقد جربناه

فكان مرا " ( 17 ) فهذه الشكوى المستسلمة تذكرنا شكوى العباس بن الاحنف شاعر الرشيد فى الابيات التالية:

ما يصنع الصب الحزين

جفاه أهل صفائه

لاشىء إلا صبره

حتى يموت بدائه

أو يشتفى مما يجن

إذا خلا ببكائه

وتبدو طرافة ابن حزم جلية فى تعمقه فى تحليل الحب العفيف الافلاطونى تعمقا لا نجده عند غيره من الادباء ولا يشك فى أن ابن حزم ومن نحا نحوه أثروا فى شكل أغانى التروبادور وساهموا فى ظهور الحب " الكورتوازى " بطريقة غير مباشرة كما أثبت ذلك " فون غرنباوم " .

فالحب عندهم جميعا " قوة تسمو بالنفس " و " المحبوبة أرفع مقاما من المحب " " والحب الصادق ليس إلا رغبة لا يرجي لها أن تتحقق " والحب العفيف حب من أجل الحب " ( 18 ) .

فإن الشكوى المستسلمة التى وجدناها عند ابن حزم والعباس بن الاحنف وجدها " فون غرنباوم " عند شاعر من الشعراء البروفنساليين وهو " برناردى فنتادور " المتوفى سنة 1150 م إذ يقول:

" أحب أجمل النساء وأشرفهن فى صدق دون تساؤل . فقلبى يعلو

بالتنهدات وعيناى ترسلان الدموع لاني أحبها كثيرا وأتألم فى

حبى كثيرا ، ولكن ماذا أفعل ؟ لقد أسرنى الحب وألقى بى فى سجن لامفتاح

له إلا الرحمة فتضن بها سيدتى " . ( 19 )

ويستطيع الباحث أن يجد أوجه شبه أخرى كثيرة فضلا عما اثبته المستشرق النمساوى . فمغامرة الشاعر " يوسف بن هرون الاندلسى المعروف بالرمادى " التى ذكرها ابن حزم فى رسالته ( ص 56 ) والتى يورد

بقيتها أبو عبد الله الحميدى صاحب " جذوة المقتبس " ( 20 ) تحتوى بذور القصص الغرامية الكورتوازية التى ظهرت في فرنسا فى القرون الوسطى كقصة الوردة ( le Roman de la Rose ) لجان دى مانق jean de Meung وقصة لانسيلو ) اLe Roman de Lancelot ( لكريتيان دى تروا Chretien de Troyes فقد فتن الرمادى بامرأة رآها عند باب العطارين بقرطبة كما فتن لانسيلو بملكته الشريفة . فإن خلوة هي أيضا شريفة تقول للرمادى " دع عنك هذا ولا تطلب فضيحتى فلا مطمع لك في البتة " . ويدعوها الشاعر الاندلسي " يا سيدتى " كما يدعو الشاعر البروفنسالى حبيبته " Dame " وحب الرمادى عفيف كجب لانسيلو فهو يقول لخلوة " إنى أقنع بالنظر " وعندما تغيب حبيبته وتختفي من قرطبة يبحث عنها الرمادى في كل مكان حتى يكاد ييأس وإن حبة الصادق ليس إلا رغبة لا يرجى لها أن تتحقق

وجدير بالملاحظة أن قواعد شريعة الغرام عند ابن حزم وهى الوفاء والكتمان والخضوع هى نفسها لم تتغير عند التروبادور فى بروفانس .

وفضلا عن ذلك كله فقد رسم ابن حزم فى كتابه " طوق الحمامة " صورة واقعية حية طريفة من حياته وحياة العشاق الظرفاء فى الاندلس واتحفنا بدقيق استنباطه النفسى وأرانا نفس الاندلسي المرهفة الحساسة وتفننه فى الشؤون العاطفية .

اشترك في نشرتنا البريدية