الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

محاولة فى تصنيف النثر

Share

النثر ضروب وألوان تتعدد وتتباين ولكل منها تركيب ومزاج وأسلوب حياة ، كشأن الشخصية . سواء بسواء ، لها مذهب خاص وصورة خاصة فى شتى مظاهر حركتها ومكونها

نحن نقرأ بحواسنا وأعصابنا وبكياننا اللحم والدم كله ، لا بأذهاننا فحسب وليس من المجاز فى شىء أن نقول بأن للاساليب - عند المباشرة الصادقة والتجربة الحميمة مذاقا ولونا وشكلا وقواما .

ففي بعضها ، أحيانا ، شىء من عذوبة الثمار وطراوة ملمسها وحسن مساغها ، تقرأ وكأنك تنظر الى الثمرة استوت طيبا ونضجا وتفتحت شفتين تغريك لثما ، كأنك تنهش اللحم منها مستأنيا ، تريد أن تتغلغل الى لب طعمها وروح حلاوتها وتفوز بغاية سرها . واذا الاكل فن ، وإذا فى الغريزة قبس من الذكاء ولقاح من الخيال

هى الثمرة فى بداعتها وغرابة لذاذتها يهش الجسد كله لاستقبالها . عرس الاسنان والشفاه واللسان معا . وإن دمك لينبض ويتهلل سلفا ، ويحمد لك هذه النعمة شوقا وارتياحا .

فهذا نثر الشهوة والحس أرضعته الارض بلبانها وأسكرته لذة الحياة .

كذا ! وفي بعض النثر شئ من بهجة الماء الجارى وصفائه وتلألئه فى اليوم المشرق الساجي . ظلال وانوار تنط وتتراقص ودوائر وفقاقيع تتشكل وتذوب ، ولا يعوزك الا أن يهب النسيم موشوشا بين الاغصان ، وانك لتكاد تحس بمره هادئا رقيقا وئيدا كأنه الخاطر لم يتجسد فهو يهيم .

لوحة تتردد بين الحقيقة والخيال مشتركة الطعم بينهما . نافذة نطل منها على الطبيعة فى رقتها وجلالها ، فى إشراقها وخفائها . لغز قريب على بعده لا ينفك يغرينا ويدهشنا على الدوام .

هو النثر الحالم العذرى ، للطبيعة عنده وقار وحرمة ، يهواها كهوى الصوفى للوجوه الحسان ، كما تهوى الصديقة تهم بها وتصرفك هيبة المسافة عنها .

ومن النثر أنموذج كمعابد الاغريق هندسة واعتدالا . رشاقة وبساطة هو الانسجام غاية الانسجام وانتفاء الفضول . وهو الجمال يتهادى ويتبرج عاريا . ويزخر بالقوة سمحا متواضعا

أو هو كالمعزوفة فى ضبط إيقاعها وبديع تناسب أوزانها ، على وفرة ألحانها وجيشان قوتها . لا لغو ولا اسفاف ، لآ فوضى ولا نشاز . وإنما هما النقيضان اتحدا . عناق المادة والروح . سلطان الضرورة وهيمنة الاختيار .

وكما تختلف الاساليب جوهرا وتركيبا كذلك هى تختلف فى موقفها من القارىء بسطا وانطواء ، يسرا وامتناعا ، صراحة وغموضا .

فمنها ما يمر بك مرا خفيفا كمر الكرام كأنه لا يعرض لك ولا يعنيك ، ثم هو يعود اليك ثانيا ويطيف بك ويلتف حولك شيئا فشيئا حتى يأسرك فى شبكته الخفية ، وإذا أنت من حيث لا تدرى تأنس به بعد إنكار وتقبل عليه بعد اعراض ويطيب لك الوقوف عنده والاسترسال إليه .

فهذا اللون ينفذ اليك نفوذا خفيا ، لا اسراع ولا لجاجة ، ولا يزال بك حتى يظفر بصداقتك وودك ، وبوفائك وسرك .

وثمة صنف يواجهك رأسا ويقتحمك اقتحاما فأنت الهدف يقصده توا يريد أن يغزوه علانية ، ولا مواربة ولا كتمان ، ويخف صوبك فيسلط عليك غاية وسائله وأقصى قواه يكاشفك بها متحديا ويضطرك الى الصراع اضطرارا ، يقتضيك أن تتجمع وتشتد وترهف وتدق كأنك القوس المشدود أو الوتر العود .

فهذا الصنف يأبى إلا أن يأخذ صاحبه عنوة ويبتز انتباهه فيستولي عليه وقهرا .

أسلوب يخاطب أعلى مواهبك فيك ويشدك الى أقصى أوتار ذهنك فاذا أنت السهم مترصدا للرمية ، أو الجواد قيدا لاوابد المعانى وشوارد الصور وهو لا يني يشغلك ويجهدك ، ويضيق عليك حتى يستفرغ طاقتك ويبلغ منك الجهد . فتقف بين الفينة والفينة لتستعيد أنفاسك وتستجمع قواك وهو مع ذلك يستحثك ويدفعك الى الامام ويلح عليك بسياط رموزه ولهب معانيه يريدك أن تتسلق العقبات وتتبوأ القمم . كأنما همه كل همه أن يشعرك بجهد الفن

ومأساة الفكر - تشفيا منه وانتقاما - فيعيشك تجربة الخلق ويذيقك ما تجرعه من عسر المخاض وآلام الوضع .

إنها أصناف وأصناف وعبثا نروم أن نستوعبها أو نحصى لها عدا .

وبعد ، فلست اعرف من بين الفاظنا الشائعة المتداولة فى لغة الادب لفظا أظلم لمفهومه وأجور على مسماه من كلمة النثر .

إنها صورة خاطئة ، مضللة ، محرفة للاصل الذى تزعم تمثيله لانها تخطر فى الاذهان معاني سقيمة أبعد ما تكون عن الحقيقة المرموز اليها .

أليست هي توهم بالتفكك والتشتت بل التداعى والفوضى مع أن للنثر ، هندسة وموسيقى ونظما ونظاما .

النثر كلمة مفتعلة لم توضع لذاتها على أنها كائن مستقل ، قائم بنفسه ، إنما هى صيغت تابعة للشعر ظلا له وضدا .

وكفى دليلا على " هجنتها ، ونبوها وجفائها أنها لم ترد على ألسنة العرب القدامى فهم اعلم بأسرار الكلام سواء المرسل منه والمنظوم والمسجوع والمزدوج .

ولست اتردد فى القول بأن هذا الاصطلاح القاصر الابتر من صنع أولئك المحافظين المتزمتين الذين درجوا - تعصبا وتقليدا - على تقديم الشعر القديم يرون فيه المثل الاعلى للبلاغة العربية ، أيام كانت دولة الادب في قبضة علماء اللغة والنحو وآضرابهم من رواة الشعر وحفظته ، والفن براء من كل هؤلاء .

او لعله من حسنات بعض الحذاق من العروضيين وإن علمهم بالادب - شعرا كان أو نثرا لهو كعلم الحمير بمزايا الرقص والايقاع .

اشترك في نشرتنا البريدية