الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

مذكرات معلم أجيال :، ننكر واجتهاد خاطىء

Share

ظاهرة سيئة غمرت ولا تزال تغمر الافراد والجماعات والقادة لا يتفطن لها الا القليل من المفكرين الباحثين وتلكم هى تنكر الخلف لما قام به السلف من عمل صالح مفيد . ولعل الغرور الذى يهيمن على الارواح هو الباعث الفعال على ذلك فينسف الاخير ما بناه الاول او يعرض عنه ويزهد فيه حتى يتلاشى من عند نفسه . ويرتجل القائم مقامه طريقة عذراء او اسلوبا جديدا فى زعمه محطما الاول الذي ابرزته الجهود العظيمة والامكانيات الكبيرة والى هذه النفسية الشاذة ترجع معظم الاخطاء التى وقعت فيها الجماعات ولم تسلم منها الدول ومن راجع تاريخ البايات بتونس تتضح له هذه النفسية فى صورة جلية فى سير تلك الدولة فان المتولى منهم ينسف ما بدأه الاول فاذا اشاد احمد باي الاول او المشير الاول مدرسة عصرية جامعة بتونس وانتدب لها الاكفاء من الاساتذة يدرسون ويعربون وينافسون الامم ويزاحمون ويسيرون بالثقافة العلمية سيرا حثيثا وفاجاه المنون ياتي خلفه محمد باي فيطمس ما بناه سلفه وهكذا دواليك حتى اختل السير وحل الشقاء ووقع التصدع فى الحياة الشعبية وقد يظهر خطأ ذلك المجتهد واضحا ولكنه يركب رأسه ويصر على العظيم وقس على ذلك وانتبه له .

عندما جدد انتخاب الجمعية الخيرية الاسلامية فى اوائل الربع الثاني من القرن العشرين وانتخب السيد البشير معاوية الرئيس بمحكمة الوزارة انذاك رئيسا للجمعية الخيرية بادر مكتب الجمعية الخيرية اثر استقراره برفت السيد العربى مامي من سلك اعضاء الجمعية بمقتضى قرار نشرته الصحف ومستنداته او هى من بيت العنكبوت . ثم تناول مكتب الجمعية الاستاذ الطاهر صفر مدير المدرسة العرفانية بالتحريش والازعاج محاولا طرده كى يحل محله فى ادارة المدرسة مباشرة واستفحل الخلاف وافضى الى تسليم الاستاذ صفر لادارة المدرسة ، وفكرت الجمعية او مكتبها فى طريقة سهلة للوصول الى غرضها فى ممارسة سائر شؤون مشاريع الخيرية وفي طليعتها

المدرسة وتوصلت الى حل ملائم لاهدافها فعرضت ادارة مشروع المدرسة على بعض المعلمين على ان يقدم تسليمه سلفا ويدير المدرسة عنوانا : أو اسما : ورخصة الفتح تسحب منه اذا تمرد أو أبى ... سواء أحب أو غضب فرضى المسين بان يدير المدرسة اسما ويسأل عن اعمال غيره لا عن اعماله ؟ .. خلافا للقاعدة الاصولية القائلة المرء مسؤول عن اعماله لا عن اعمال غيره .

وفى الكتاب العزيز - كل نفس بما كسبت رهينة . وفيه ايضا ولا تزر وازرة وزر اخرى - رضي ذلك المسكين ان يكون مديرا . و

من آلة الدست ما عند المدير

                   سوى تحريك لحيته فى حال ايـماء

هو المدير ولا شىء يدار به

                      مثل العروض بحر بلا ماء

وهكذا كان ولاول مرة تنتدب الجمعية أو مكتبها شخصا يدير المدرسة العرفانية ( القرآنية ) وهو لا يحسن العربية فكان ذلك المسكين اذا اراد ان يكتب منشورا للمعلمين يطلب من بعض معلمي العربية خفية ان يكتب له ذلك المنشور وهى مهزلة من اسوأ ما عرف من المهازل ولم تزل تمثل بالمدارس التى يديرها مديرون لا يحسنون لغتهم .؟ بعد مرور السنين والاجيال ... وستستمر ما دامت العربية عند اهلها وفى أرضها لغة تكميلية وثانوية غير ضرورية . وما دام الناطقون بها متنكرين لها وهم فيها من الزاهدين لا يقيمون لها وزنا وقد حملهم اجتهادهم الخاطئ وضعفهم المادى والمعنوى على اعتبارها لغة خيالية لغة المرح والنكتة واللطائف لا لغة العلوم والفنون . وفاتهم انها خدمت العم أجل خدمة قرونا واجيالا واضطلعت بكل اصطلاح وادت كل معنى وترجمت عن كل فن عندما كان رجالها امثال الرازى وابن سينا وابن رشد وابن الطفيل والكندى والفارابى وموسى بن منبه وما اليهم من عظماء الفلاسفة والمفكرين والمبتكرين بل والاجانب عنها الذين كانوا يترجمون اليها كل علم وفن ويضطلعون باللغات ويجيدون العربية بدافع الطمع والتزلف الى الحاكمين أو بدافع الاخلاص والشعور العالي من طرف الناطقين بها الذين كانوا يعنون بها عناية خارقة ويرون الحياة فى مرآتها والسعادة فى نشرها والقوة في زخارتها فكانت حية بحياتهم وفياضة بفيضهم ومتقدمة بتقدمهم وقديما قال شاعرنا ابن هاني :

ولم ار الانسان الا ابن سعيه             فمن كان أسعى كان بالمجد اجدرا

ولم يتأخر من اراد تقدما                 ولم يتقدم من أراد تأخرا

وبالهمة العلياء ترقي الى العلي

والأمر العسير الذى يستعصى عن الاذهان السليمة حله ان تنبعث بين عشية وضحاها العبرية اليهودية بعد الموت المحقق فتكون اللسان الرسمي لدويلتهم ولسان التدريس فى مدارسهم وترمى العربية بالعقم والموت ..؟ اتفهمون السر فى هذا ؟ . الجواب واضح : ان المتكلمين بالعبرية معتزون بكيانهم وارادوا للغتهم الحياة فنفخوا فيها من روحهم فاذا هي حية تسعى وناطقة . ونحن اردنا لها الفناء فادركنا الفناء قبلها ومنينا بافدح النكبات ولم نخجل يوما ما من التاريخ ولا من الواقع ؟ فبالامس عندما كنا نرزخ تحت نير الاستعمار كنا نذود عن حياض الدين واللغة ونناقش المستعمر الحساب اذا عاملهما معاملة خسف . ولما وصل الامر لايدينا واصبحنا سادة انفسنا قلنا (ما عليه) اذا والينا السير وراء الغير وتشبثنا باذياله وعشنا ضائعين فى التاريخ وفي الوجود ... ثم كان من افدح اخطاء الادارة المباشرة - أى ادارة مكتب الجمعية الخيرية لشؤون سائر مشاريعها بدون مسؤول يعتمد عليه وعمل يناط به ويسأل عنه ثورة التلاميذ الذين يدرسون بالمعاهد الثانوية على رئيس الجمعية ثورة عارمة غامرة مؤلمة مخجلة .

ذلك ان طائفة من التلاميذ تمردت فيما يظهر على ناظرها فقرر رئيس الجمعية عقاب عشرة منهم بالجلد على ارجلهم واعاد الى الاذهان عقاب المؤدبين القدامى وعصيهم وفلقتهم ؟ . . وما الى ذلك من اساليبهم واحضر الرئيس مؤدب قسم الحفاظ بالمدرسة وأمره بالاستعداد لتطبيق العقاب وذهب عن خاطر الرئيس ما ينشأ عن هذا السلوك الشائن من الاخطار الجسيمة فلم يفكر واقتحم :

ومور لو تلقاها حكيم                          ذا النهى وحبب ما استطاعا

وخير الامور ما استقبلت منه                    وليس بان تتبعه اتباعا

كذاك وما رأيت الناس الا                      الى ما ضر جاهلهم سراعا

الحلم بعد الجهل قد يثوب                      وفي الزمان عجب عجيب

وعبرة لو ينفع التجريب                         واللب لا يشقى به اللبيب

فتناولت ثورة التلاميذ رئيس الجمعية باللكم والرفس وضروب الاهانة :

قد يبعث الامر العظيم صغيره حتى تظل له الدماء تصيب

وانسحب المؤدب من ميدان الثورة الذى اشتعل واستنجد الرئيس بالشرطة فتعرضت لما تعرض له من الهتك وانفلت التلاميذ من ساحة المدرسة فى مظاهرة صاخبة احدثت اسوأ والقيل بالعاصمة واضطرت الصحف التونسية آنذاك الى سلوك سياسة التهدئة الى ان عاد الامر الى نصابه بعد حين .

كانت تمر بنا هذه الاحداث التى عشناها مرور الطيف المزعج فى الاحلام فلا تتأثر لها الا بعض ثوان ثم تضمحل فلا تؤثر فى ارواح كانت تشعر بسمو رسالتها التى آلت ان تؤديها كاملة غير منقوصة وكنا نتحمس لها ونضحى لاجلها ونستبسل فى القيام بها لنربا الصدع ونلم الشعث ونصلح المعوج وكنا نعلل الحوادث باننا أمة لا تزال فى فجر التجربة ولا بد لها من التعثر وكنا نجزم بانه سيأتي يوم يثوب الى هذه الأمة رشدها فتسلك الجد وتأمن العثار وتحكم العقل وستعود حسب ناموس طبيعة الاشياء الى حماية كيانها وهذه التجارب من شأنها ان تفيد العبرة وترهف اللب وتعين على الرجوع الى الجادة طال الزمان أو قصر . . .

وحدث فيما بعد شغور خطة عضو من اعضاء مكتب الجمعية الخيرية فرأى الرئيس واعضاؤه ان ينتدبوا لها عضوا ينيطون بعهدته تفقد المدرسة ولم يكن لادارة التعليم وقتئذ من المتفقدين للعربية الا متفقد فقط مقابل خمسة متفقدين للفرنسية ولدينا كتاب من حضرة طيب الذكر السيد الصادق التلاتى يتضمن ذلك : فالفرنسية لها خمسة متفقدين والعربية لها متففد واحد . ذلك لان الفرنسية لغة المتغلب والمستعمر والعربية لغة الضعيف المستعبد ولا دين ولا لغة لمستعبد .

ونظرا لهذا الوضع الجائر انتدب مكتب الجمعية الخيرية مدرسا ممتازا من مدرسى العلوية وذلكم هو السيد الدالى يحيى الذى اظهر اكبر عناية بتفقد المعلمين بالمدرسة العرفانية فكان يتفقد المعلم الواحد مرتين فى اليوم غالبا وفى معظم الاوقات تجده بأحد فصول المدرسة يرشد ويروض ويوجه وحمدنا له ذلك الاخلاص المتناهى واكبرنا تضحيته وحرصه وعنايته وتفانيه لولا ما شاب ذلك الاخلاص من سوء صنيع ظهر فى هيمنته على برامج التعليم التى أبى الا ان يحررها بقلمه ويسطو فيها على أوقات القرآن والتربية الدينية بالتحيف والحيف وكان يتقدم الينا بان نكره للتلاميذ الحروب الدينية فقلنا له ان كنت تقصد بالحروب الدينية الحروب

الاسلامية فهى لم تشرع الا للدفاع عن حريات الاديان نطقت بذلك آية القتال التى قال الله تعالى فيها :

"اذن اللذين يقاتلون بانهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق الا ان يقولوا ربنا الله ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا " الآية والقرآن الذي ينفر منه المستعمرون لا يقر سلطانهم علينا وينفر منه ويدعونا الى مقاومته وفى الكتاب العزيز ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا الآية وغلاة المستعمرين يتهموننا ويتهمون القرآن بالتعصب عليهم والقران جاء لتحرير المسلمين من ربقة الاستعباد والمسلمين فى نظره هم الاعزة الذين لا يرهقهم حيف ولا يخيفهم سل سيف ولا يبالون فى سبيل عزتهم وكرامتهم وحريتهم بالموت الزؤام وانكم بصنيعكم هذا قد غيرتهم هدف المؤسسين لهذا المشاريع العلمية التى أسست لحماية الدين وكتابه واخلاقه وادابه واللغة العربية وفنونها ؟!! فهدأت حدته نوعا ما وكفى .

اشترك في نشرتنا البريدية