مركب النقص مرض نفسانى كاد يشمل البشرية جمعاء ، أو شملها فعلا . فكل انسان لا بد له من نقيصة يشعر بها اولا يشعر ، لكفونها فى اللا شعور . ويعترف بها إذا شعر بها ، كما أنه ينكرها ويجحدها إذا كانت مخبأة فى أعماق لا شعوره ، وهذه النقصية إما أن تكون جسمية كعاهة ، أو معنوية يوحى بها المجتمع لصاحبها . كأن يلمزه في سلوكه واخلاقه ، أو قيمته العائلية أو جنسيتة أو رأسه . ولما كان في كل إنسان هذا المركب النفسانى الناقص المكبوت، كانت البشرية كلها مريضة نفسيا تعاني أزماتها ومصائبها الآتية منها وإليها.
فمركب النقص أو العقدة النفسية كما تسمى غالبا ، تؤثر فى سلوك الفرد تأثيرا بعيدا ، إلى حد أنها تكيف سلوكه إزاء الآخرين وتطبعه بطابع خاص . فالذي يعاني هذا المرض الإنسانى الخطير ، كثيرا ما يحاول تغطيته بطريقة من الطرق : إما بالزهو والكبرياء أو بالتواضع الكاذب ، أو بالهزل والدعابة ، أو بالسخرية واستنقاص غيره الذي هو فى الواقع والغالب يساويه . وإذا كان صاحب العقدة من ذوى النفوذ والسلطان عتا وتسلط على من هو أضعف منه . وهذا كالحجاج بن يوسف لا نعدام المجد فى عائلته يوم كان مجد قريش يملأ الارض ، وثقيف منظور إليها كذنب فى جسم العرب . وكذلك تسلط زياد بن أبيه لشعوره المعروف . إذ أن الطبيعة لم تعطه أبا يعرفه ككل الناس ويجزم أنه منه . وكثيرا ما تورث العقدة الإنكسار والإنطواء إذا كان صاحبها مسالما أو ضعيفا . وبعض هؤلاء يتغلب عليها بالطيبة والمروءة . كما يحاول تغطيتها من لم يكن له نفوذ ولا سلطان من الجهلة بالتمرد على القوانين : سماوية كانت أو إنسانية بارتكاب الموبقات والجرائم والشذوذ . وهكذا كانت البشرية تعانى ازماتها فى مختلف عصورها . يكلفها شعورها هذا خسارة كبيرة في الوقت والاموال والارواح.
يقول علماء النفس : " إن العقدة النفسية ، هي مجموعة من الانفعالات متبلورة ومركزة حول فكرة لشئ من الاشياء ، لشخص من الأشخاص،
نتيجة الخبرات السابقة ، وعلاقة صاحب العقدة لذلك الشئ . ونظرا لتعارض هذه الانفعالات مع أجزاء الحياة الشعورية فهى تظل مكبوتة فى اللا شعور . وتؤثر في سلوك صاحبها . والدافع إلى هذا النقص : العوائق والموانع التى تصيب الفرد فى حياته والتي يهدف من ورائها إلى ديمومة هذه الحياة،،
وهذه القاعدة يكاد أن يمر بها كل إنسان ، ولذا كانت العقدة النفسية ، إنسانية . تكاد أن تكون عامة ، إلا من عصم ربك من الانبياء والحكماء والعلماء . وأكثر الناس شعورا بالنقص أكثرهم تسببا للمشاكل فى الحياة . فمروان بن الحكم الذي كان محتقرا فى الوسط الإسلامى بالمدينة هو الذي سبب الثورة على عثمان بل هو منشىء دولة بنى أمية التى ارتكبت ما هو معروف إزاء أهل الحق من بني أعمامهم وما ترتب على ذلك من حروب ، ومن نشأة فرق واختلاف بين المسلمين ( 1 ) . والذي قامت على كواهلهم الدولة العباسية هم : أولئك الموالى المحتقرون احتقرتهم السياسة الاموية فقاموا بفرض وجودهم بإزالتها . وزياد ابن أبيه والحجاج والمختار الثفقى ، وخالد بن عبد الله القسري الذي كان يهجى بأمه النصرانية ، وأبو مسلم الخراسانى ( المولى ) وعبد الملك بن مروان ( الأبخر ) وهشام إبنه ( الأحول ) والمغيرة بن شعبة ( الأعور ) ومثله أبو سفيان بن حرب وعبيد الله بن زياد . وممن أثرت فى سلوكهم عاهة القصر . النعمان بن المنذر الغساني ، وتأبط شرا وامرؤ القيس ، وعبد الله بن مسعود رضى الله عنه جامع المصحف المخالف في ترتيبه لمصحف عثمان ، وأحد الثائرين على الخليفة الثالث ومؤسس مدرسة الكوفة الفقهية وأصول التشيع السلفى . وأبو جعفر المنصور ، وحفيده الرشيد ، وجنكيز خان وأبو عبيد الله المهدى والحاكم بأمره ونابليون . وكثير غيرهم يعجز عن حصرهم مقال أو كتاب .
أما في ميدان الادب فقد خلد التاريخ أدباء عباقرة بعضهم أصيب بمركب نقص نتيجة عاهة جسمية كالعمى والعور ، والعرج والبخر وتشويه الخلقة . كما نجد ذلك عند هوميروس وحسان بن ثابت وبشار بن برد وأبى العلاء المعري وسلامة الاعمى أو العور كعطاء بن أبي رباح ، والأحنف ابن قيس ( حكيم العرب ).
أو العرج كأبي الأسود الدؤلي : وكان عطاء بن أبى رباح عالم مكة في وقته ، افطس أسود أعور آشل أعرج . وكان أبو الأسود اعرج أبخر وكان الجاحظ مشوه الخلقة . وكذلك بشار زيادة على عماه. ومعهما الحطيئة.
وممن أصيبوا نفسيا بمركب نقص من الشعراء الاحوص ، لانه كان يرمي بشذوذ في اخلاقه ، ومثله أبو نؤاس فى صغره وفي كبره ، وهؤلاء أصحاب العاهات أو مركبات النقص يشكلون أكبر جزء من تاريخنا الحضاري والإنساني ، وغيرهم من أمثالهم كثير ، وعند كل الأمم .
فإذا أردت أن تفهم أدب أديب أو شعر شاعر فهما حقيقيا ، فعليك ان تعرف شيئا عن آزماته النفسية التى كان يعانيها . لاسيما وأن ذلك الفن إنما هو نتيجة لإضطرابات وآزمات نفسية . فتقرأ لامرئى القيس مثلا :
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا
فألهيتها عن ذي تمائم محول
إذا ما بكى من خلفنا انصرفت له
بشق وتحتى شقها لم يحول .
فتقول في نفسك ، أحقا هكذا كان امرؤ القيس ؟ وهكذا كانت الإباحية في عصره عند العرب ، الذين كانوا يدفنون بناتهم يوم وضعهن خوفا من العار ؟ ثم انظر الصورة التى يوحيها البيت الثاني إنها بديعة فى الوصف وإن كانت عهرا . وتسأل النقاد عن مقدار الصحة فيما يدعيه امرؤ القيس ، فيجيبك ابن شرف . ليس الأمر كما تظن . فإمرؤ القيس كان يشك فى فحولته ، بل ربما لم يجتمع بإمرأة اجتماع ريبة ، ولكنه آراد أن يعوض عن نقصه بادعائه هذا . وهكذا كل شاعر بنقص في ميدان من الميادين تجده أكثرهم إدعاء له . والشعور بالنقص عند اصحاب المواهب يتولد عنه الشعور بالعظمة ، كما عند بشار فيما يروى عنه من قوله : أعمى يقود بصيرا لا أبا لكم.
وبالعظمة الممزوجة بالوقاحة كما في قوله:
خبرت نائك أمه يغتابني
عند الامير وهل على امير
وعندما يهجو المبصرون العميان يستغلون وجود هذه العاهة فيهم ، لأنها اشد وقعا على نفس الاعمى . فمن ذلك قول حماد عجرد يهجو بشارا :
ألا من مبلغ عنى
الذى والده برد
إذا ما نسب الناس ف
لا قبل ولا بعد
وأعمى القرطبان
ما على قاذفه حد
وأعمى يشبه القرد
أذا ما عمى القرد
فيقال إنه كان أشد هجاء على نفس بشار .
بينما نجد الشعور بالإنكسار والتاسف والتألم عند صالح بن عبد القدوس قال :
يموت المرء وهو يعد حيا
ويخلف ظنه الأمل الكذوب
يمنيني الطبيب شفاء عيني
وما غير الإلاه لها طبيب
إذا ما مات بعضك فأبك بعضا
فإن البعض من بعض قريب
وعند أبي العلاء المعري يبدو الشعور بالذلة والانكسار أوضح يقول :
أراني في الثلاثة من سجوني
فلا تسأل عن الخبر النبيث
لفقدي ناظري ولزوم بيتي
وكون النفس في الجسم الخبيث
وأجمل أشعار الوصف هو ما قاله العميان . فمن ذلك قول بشار:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا
وأسيا فنا ليل تهاوت كواكبه .
وقال أبو العلاء
عللانى فإن بيض الأمانى
فنيت والزمان ليس بفان .
ليلتي هذه عروس من الزنج
عليها قلائد من جمان
هرب النوم عن جفونى فيها
هرب الامن عن فؤاد الجبان
وكأن الهلال يهوي الثريا
فهما للوداع معتنقان
وسهيل كوجنة الحب
وقلب المحب فى الخفقان
يسرع اللمح في إحمرار كما تسرع فى اللمح مقلة الغضبان
وأكثر الشعراء من أصحاب هذه العاهة . فحول عوضهم الله عما سلبهم بذكاء نادر وقريحة خصبة . والناظر فى آشعارهم يجدهم ارق لفظا وامتن قافية . قال بشار:
عميت جنينا والذكاء من العمى
فجئت عجيب الظن للعلم موهلا
وعاض ضياء العين للعلم راكدا
بقلب إذا ما ضيع الناس حصلا
ومن قبله قال ابن عباس - حبر المامة ولا شك أن بشار أسرق معناه:
إن يأخذ الله من عيني نورهما
ففي لساني وسمعي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل
وفي فمي صارم كالسيف مأثور .
وما اعتنى الناس بشعر كاعتنائهم بشعر العميان ،كهوميروس وحسان بن ثابت ، وبشار ، وأبى العلاء ، والحصري
وكما أن هؤلاء العميان من الشعراء هم أوصف من غيرهم على انعدام حاسة البصر عندهم ، فهم كذلك أقدر الناس على هجاء مقذع.
قال معاوية لابن عباس : يا بنى عبد المطلب أراكم تصابون في ابصاركم . فأجابه ابن عباس : وأراكم بنى أمية تصابون فى بصائركم . وهجاء بشار معروف بقذاعته.
اما ابو العلاء ، فهو يختار السخرية اللاذعة في هجائة ويسمو عما وقع فيه بشار . قال يهجو طائفة من جهة المتصوفة:
أرى أهل التصوف شر جيل
فقل لهم وأهون بالحلول
أقال سواء الله حين عبد تموه
كلوا أكل البهائم وارقصوالى
اما عند الذميمى الخلقة فهجاؤهم تجلى في نقمتهم على البشرية السوية . سواء اكانوا أقرباءهم أو محبيهم . وذلك كهجاء ذى الرمة لمية ، بعد أن كان كلغا بها . كذلك هجاء الحطيئة لامه ولنفسه يوم لم يجد من يهجو .
أرى لي وجها شوه الله خلقه
فقبح من وجه وقبح حامله
وكذلك وصيته قبل موته ، وهي معروفة في كتب الأدب . وأدب الجاحظ مملوء دعابة ساخرة ، لاسيما تلك الرسالة التى كتبها في التربيع والتدوير يسخر فيها بأسلوب لاذع من مدعي زمانه . وابن الحجاج كان قبيح المنظر ، فجاء شعره أقبح منه ومثله ابن الهبارية .
ومن الدين عوضهم الله خيرا من حاستهم : محمد بن سيرين الفقيه المحدث كان أصم . وعبد الله بن هرمز أحد شيوخ مالك كان شديد الصمم . والكميت الشاعر . ومصطفى صادق الرافعى فى المعاصرين.
اما اصحاب عاهة الصلع فأكثرهم ينبغي فى السياسة والادارة . ومن اشهر الصلع في التاريخ العربي الخلفاء : عمر بن الخطاب ، وعلى ابن أبي طالب ، وعثمان بن عفان رضى الله عنهم . وبعدهم مروان بن الحكم. وفي المعاصرين ممن طارصيتهم اللورد بايرون الأنكليزى . وقد كان أعرج اورثه عرجه هذا مركب نقص انقلب إلى شعور بالعظمة . أو مركب العظمة . فكان يتباهى بعرجه ويتمايل فى مشية وئيدة كلها زهو وخيلاء ، حتى صار شبان عصره يقلدونه وسموا مشيتهم بالبايرونية ونتيجة لعاهة العرج ، اصيب بايرون بعاهة أخرى عجيبة . ألا وهي الميل الشاذ نحو المحارم ، فقد كان عاشقا لاخته من أبيه ، وكان كلفا بها . ومن شذوذه وتمرده على تقاليد بريطانيا أنه كان يمجد نابليون عدوها في ذلك العهد ، فقد أوصله جنونه إلى تأليهه في شعره ، وشذوذه الجنسي انقلب في نفسه نقمة عليها ، فقد فكر في التكفير عما صدر منه ، واراد ان يهب نفسه وحياته للدفاع عن استقلال اليونان ، فدعا إلى الجهاد وكاد يظفر بأمنيته لولا أن الوباء أجتاحه فيما اجتاح من بلاد اليونان. وحزنت عليه أروبا كلها .
وكذلك الكسندر بوبى قال عنه الدكتور صفاء خلوصي : كان أحدب قمينا اصفر شاحبا قد شوه الجدري وجهه . وكان انطوائيا لا يحضر المجتمعات إلا قليلا . وهو شاعر ساخر وهجاء مقذع ، ترجم الالياذة والأوديسا إلى الإنكليزية شعرا . وأشهر قصائده الساخرة عن اغتصاب الخصلة . وهى قصة نبيل أحب امرأة عادية فلم تبادله نفس الشعور فانتهز وجودها فى مجتمع وأخذ مقصا واجتز خصلة من شعرها . وهو ما يسمى عند علماء النفس Fetichisme أى عبادة أجزاء المحبوب . صورته ، شعيرات من شعره أو ثوب من ثيابه . ولما بلغت القصة إلى بوبى ( pope ) نظم قصيدته عن اغتصاب هذه الخصلة ، وصب جام سخريته على النبلاء ومن الذين أصيبوا بإفراط في الحساسية حتى صار فيهم مركب نقص ، الكاتب والشاعر الفرنسى فولتير ، عندما رفض عضو المجمع الفرنسى la Motte ان يمنحة جائزة ادبية،شعر ان كبرياءة خدش وانطلق يكتب وينظم ليعوض عما أصابه من مس في كبريائه ، وأثرت الحادثة فى حياته إلى أن صارت نقمة على خصومه ، وحتى المسالمين من ابناء عصره . ثم كره لويس الخامس عشر له : زاد في توتر أعصابه وحدة مزاجه ، فكان فولتير أعنف هجاء القرن الثامن عشر في فرنسا . وانقلب هذا المركب إلى شذوذ أخلاقي إذ كان عشيقا لابنة أخته . وعاهة
نتونة الابط تبدو في أدب المسعدى فى قصة السندباد والطهارة وكذلك قبح العانة والتغوط
ومن العاهات الشذوذ الجنسى . ونلمح هذه العاهة فى شعر والبة وتلمذه أبى نواس .
وفي أدب أندري جيد آثار كثيرة لهذه العاهة . ويحكى عن سقراط إنه كان مبتلى بها . ومن العاهات الظاهرة فى الاداب عقدة اوديب ونلمسها في أدب D . H . laurence الذي صب سخطه على النبلاء فى قصته المشهورة : عشيق السيدة شاترلى . وهي قصة يصور فيها ، كيف وقعت سدة نبيلة في شراك سائس خيل ، وسائس الخيل هو نفسه laurence .
وتبدو كذلك فى أدب كوليت الكاتبة الفرنسية . وغالب أدبائنا العذريين وشعراء الادب العدري مصابون بها . .
ولكن هذه العاهات كلها على ما خلفت من تراث أدبى لا تساوي عاهة العمى وما تركته من أدب رائع شرقا وغربا على مر العصور .
يقول علماء النفس : إن شعور المرء بنقصه هو الذي يدفعه نحو التقدم. فشعور هؤلاء بنقصهم هو الذي دفعهم إلى القمم التي تبوأوها.

