الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

مسرحية :, كيف لا احب النهار ؟

Share

-2-

أشخاص الرواية . عيسى ................... صبايحى بدار المراقب الشاذلى ( شيتة ) ......... صبايحى بدار المراقب مسعود.................... زنجي سائق المراقب ميشال ....................المراقب مرغريت.................. زوجة المراقب التجاني ....................ابن الحاج أحمد البوزيدى الحاج البوزيدى .............شيخ العشيرة ، ومن اعيان البلدة البشير ...................... اخ الحاج البوزيدي مصباح ...................... مؤدب الحى  الأم .........................زوجة الحاج أحمد فوزية ....................... زوجة الهادى عبد العزيز .............موظف بمصلحة البريد أحمد  ..................شاب مثقف انقطع عن التعليم الرجل الأول ........... اهالي السجناء الرجل الثاني............ الرجل الثالث.......... جندرميان ..............رينو                           آلان

( الفصل الثاني ) (*)

غرفة من غرف احواش طبقة الفلاحين الاثرياء الذين لا يأبهون بتنظيم غرفهم وترتيب أثاثهم . فالجدران مطلية بالجير المشهب ، ومرشقة بالمواعين الاثرية ، . من مكبات من السعف ، وقصاع من الطين ، وفناجين من الفخار ، تتدلى فوق صور بعض الاولياء والانبياء . وقد ثقل السقف برزم البصل والثوم . بينما تكدست فى الزوايا اكياس القمح والشعير ، واختلطت القوارير بالاحذية والجلود والزرابي.

هناك ثلاث صور مكبرة لافراد العائلة ، هى التى علقت بنظام فى صدر الغرفة ، احاطت ببعضها بيوتات دقيقة من خيوط العنكبوت ، مما يدل على اهمال وعدم اعتناء . تحتها جلس الحاج احمد البوزيدى فى مظهر الفلاحين القساة الذين يتصنعون الابهة ، تتقد عيناه جهلا وخبثا . وقد جلس أمامه ابنه التجاني ، الشاب الحائر الذى يعيش التناقضات والصراعات.

الحاج : يجب ان تعتذر العائلة للمسيو ميشال ، وتتبرأ لديه من فعلة الهادى . انها خطيئة لا تقدر. التجاني : وماذا يعنينا منها ؟ الحاج : سمعة العرش ، سمعة العائلة . . . الصلة التى تربطنا بالمراقب ! التجاني : كل ذلك لا علاقة له بالهادى.

الحاج : أليس صهرنا ؟ التجاني : ( فى جفاء اكثر ) : وماذا يترتب عن ذلك ، هل حرضته العائلة . من قال له افعل . . . هل . . هل . . الحاج : رأيه الفاسد ، عقله ، فكره . الكتب التى امتلئ بها بيته ، وحرمت سعادة ابنتى . نحن نعرف الداء مسكينة فوزية ، حرمها من كل نعمة ، ومن كل خير ، لا أكل ولا فراش . ولكن هذا كله لا يحفظ سمعة العائلة وشرفها . هل يعرف المراقب هذا : قطعا لا ٠٠٠

التجاني : دعك من التفكير فى الاشياء التافهة . فهذه لا تمس العائلة . الحاج : تعتبر كلامي تفاهة ؟ . . قضيت ستين سنة على الارض ، وعشت حربين عالميتين ، والقنابل تطاردنى فى الحقول لأنتظر منك ، من ابن انجبته من صلبي ، كلمة مثل هذه .

التجاني : لم اقصد ان ٠٠٠ الحاج : وتريد ان تقنعني بأننى أخطأت الفهم . التجاني : رأيي بكل وضوح ، هو انك رجل من اعيان البلدة ، وصاحب كلمة فى العشيرة والذهاب الى دار المراقب يسيئ الى سمعة عائلتنا ويحقرها فى نظر الناس . هذا بكل اختصار . هذا ما اردت ان اقول ٠٠٠٠ هذا . . ما ٠٠

الحاج : وتتمادى فى بلادتك . تقدم لى النصائح . هي دار المراقب اصبحت مشينة ، تحط بالكرامة ( يستنجد ببصره بصور اح الاولياء المعلقة على الجدار ) . - ماذا نفهم من هذا الجيل ؟ بماذا يفكر اذا كان الجلوس مع الحكام إهانة ؟ . اعوذ بالله اذهب من امامي يا طفل التجاني : لماذا تغضب هكذا ما الداعى لذلك ؟ الحاج : ( وهو يتجاهل كلامه ) بعثت بك الى المدرسة لتتعلم فأصبحت تناقشني . كأن المدرسة لم تعودك احترام الوالدين والاخذ بآراء من هم اكبر منك سنا وتجربة . انا لا اسمح لك بعد اليوم مهما كبرت ، ان تفوه امامي باية كلمة .

التجاني : ولماذا . . الحاج : يا قليل الحياء ، وسبب الكوارث والمصيبات ، طردوك من المدرسة وكان المسيو ميشال هو الذى اعادك اليها . . نعم سافر من اجلك الى العاصمة . الا تذكر ؟ لا ينس الفضل سوى الجحود وتأتى الاعياد والكرنفالات . فتكون انت من بين من يبوؤون الصدارة والصفوف الاولى . يا ناكر الجميل ... ادخلت علينا الرزايا ، ولا تريد ان تشارك العائلة فى اصلاحها ، . وتعتبر الاعتذار لمسيو ميشال حطا من قيمة العائلة .

التجاني : ٠٠ اية رزايا ؟ ادخلتها على البيت . . اية كوارث ؟ . . الحاج : هذا الهادى الذى غششت عائلتنا به . قلت لى انه من احسن زملائك في الدارسة وأوضحهم سلوكا . ( بتهكم ) وها ه اوضحهم سلوكا حقا التجاني : انا ما زلت مصرا على ذلك . لن يتغير رايى فى ان الهادى رجل طيب ومثالي . ولكن الرجال يخطئون مع الأسف ( بتأثر ) لا بد للانسان من خطايا .

الحاج : معناها انك تبرر موقفه وتتخذ الاعذار له . معناها انك تفوقه فى التنكر لصانعي الخير والجميل . للرجال الذين يملكون السجون والقانون والقوة ، والاعلام والدبابات ، والسيارات انتم طائشون يا اطفال. التجاني : ( فى استفزاز ) هؤلاء الذين تتحدث عنهم . نحن اعطيناهم الاعلام والقوة . . . الحاج : ( باستغراب ) وتفتح فمك بالكلام . عجبا ان تكون انت من ابنائى . اعطيتموهم كلام على قرماش . . . البطاقات الحمراء من بيت الهادى . . . دوسيات الشتم والسباب والفضائح . . اعطيتموهم هذا . امن هذا صنعوا الدبابات والطائرات ؟ امر هذا صنعوا السيارات ؟

التجاني : ومن هذا صنعوا المجد الذى تتحدث انت عنه . الحاج : غريب غريب . نفس الكلام . . . نفس المنطق . . أأنت منى من ابنائى . من عائلتى . . احمد البوزيدى. التجاني : ومن اكثرهم حبا لك وغيرة على سمعة العائلة الحاج : قله لغيرى هذا الكلام . اما انا فقد جربت فكرك ، ومحوت اسمك من ذاكرتى . تقول هذا يا قليل الحياء ، وتتجاهل اخاك عبد العزيز الذى مضت عنه ست سنوات ، منكبا على فلح الارض ، لا يبرح الحقل الا فى العيدين . وتتجاهل اخاك عمار الذي يكاد لا يرفع عينيه مرة واحدة عن الارض . ولا يراه احد فى الشوارع متسكعا مثلك . . . تقول هذا وتنسى اثواب الصوف التى أدمت جلدى ، من اجل ان اكونكم وان اجمع لكم ثروة . انظر الى اثوابى الصوف التى ادمت جلدى . انظر الى امك . الى الحوش المملوء بالبقر . . . يا كافرا بالنعمة .

التجاني : ( يفتح فمه بالكلام . ولكن الحاج يتمادى فى الحديث فيسكت ) انا ... الحاج : لقد كنت ادخرك لهذه المفاتيح ( يشير الى رزمة منها ) تغلق مخازن المون ، والاقجار الملييئة بالدفاتر والفاتورات ، وتحرص ممتلكات العائلة ، وارث اخوتك . . . ترهن ذهب من تشاء من النساء وتعطف عمن تشاء من الرجال . تخرس الافواه وتفتح كل ابواب السلطة . وها أنا اراك فى لحظة واحدة وانت تقوض امالى وتقتلنى . التجاني : ولست اتراجع عن فكرة عدم الاعتذار الى المراقب .

الحاج : لتدب الشيخوخة والفناء الى اوصالى ، ولينفتح القبر لى . ماتت رغائبي . ماتت مع ضياع الابن البكر ، ماتت معك انت . التجاني : ولكن التجاني لا يزال حيا . ولن يموت. الحاج : وماذا يعنى التجاني بدون الحاج . بدون حقول الرمان والتفاح ، والنخيل والابقار . بدون لقب عائلة البوزيدى. ثلاثون سنة تمشى على الارض لا معنى لها . سأعرف كيف أسلب عنك نظرات الاعجاب ، وانتزع منك لقب العائلة اذا لم تقم الآن وتذهب للاعتذار لمسيو ميشال عن فعلة الهادى .

( المشهد الثاني )

( ينهض الحاج ويغادر الغرفة ، وهو يتكركر فى برنسه ، عليه سيماء الغضب والانفعال . بينما يظل التجاني قلقا . يهم بالخروج ثم يتردد . الى ان تدخل عليه امه ) .

الأم : أبوك خرج غاضبا التجاني : لقد اصبح مجنونا . خرف . يريدنا نسخة منه ، عفاريت سليمان التى تأتمر بامرته قال لى ان علينا ان نعتذر للمراقب عن فعلة الهادى  الأم : حدثني البارحة عن فكرته هذه . التجاني : هذا غير معقول يا أمي . هو حط بقيمتنا . أهل البلدة يكفيهم ما شاهدوه منه ، من احتقار وظلم . عشرون سنة وهو وصى على شهادات الفقر ، والاستحسان ، و " بنوات " الخبز .

الأم : واذا كان ذلك من اجل خلاص الهادى فلماذا لا تفعل ؟ التجاني : هو فى مضرته قطعا . ألام : كيف . هذه اشياء لا اعرفها ؟ التجاني : الهادى لا يخاف السجن . وانا اعرفه جيدا . ما ضر والدى ان بقى الهادى فى السجن . ما يدعوه لان يحمل نفسه ويحملنا مشقات الاعتذار .

الأم :  واختك إلام تتعذب وتشقى . التجاني : قابلتها ، وتحدثت معها وهي مقتنعة بفكرتى . هي معى فى كل ما اقول . . . . دعيها . . دعيها . الأم: بأن تترمل الى نهاية عمرها .

التجاني : وهل السجون تبقى منغلقة الى ما لا نهاية له .؟ الأم: ما سمعت باحد خرج منها . التجاني : ولكنك لم تسمعي قط باحد دخلها . لست ممن يسمعون بالمساجين الأم : دائما تتهمنى يا ابنى ، كأننى لا اعرف ولم اسمع بصالح الفرطاس ، بو عبشة والزاوى .

التجاني : هؤلاء ليسوا مساجين . أولئك مجرمون ، مبعدون عن المجتمع لانهم اساءوا فيه الى قانون الجوار ، واما المساجين الحقيقيون فهم امثال الهادى ناس يكرهون الباطل ، والسرقة والشر . الأم : وانت أيضا كالهادى . تتحدث بهذه اللغة التى لا نفهمها ( فى استسلام وطيبة ) الله يطلق سراحك يا مسكين . التجاني : دعوة الخير افضل من سماع رجل مجنون لا يفهم. ألأم : ولكن أباك مفكر ومدرك . واتمنى لو انك تتبعه وتفهمه.

التجاني : وأحمل أخراج الرمان والبرتقال ، وقرب اللبن والزبدة، والدجاج الى الفيلا . كل ما يتشهى أخى عبد العزيز ان يلمسه حتى مجرد اللمس بيديه . كل ما كان والدى يعاقب من اجله الحالبة والفلاح ، ويحسب عليهم قطرات اللبن المنسكب على الارض.

الأم : ( ترفع بيديها فى عفوية ) المراقب يستأهل كل خير يا ابنى. يشاور أباك فى كل صغيرة وكبيرة فى البلدة . . . يحترم عائلتنا . . يجلها . ( تستدير الأم متجهة نحو الباب للخروج ) التجاني : ( ممغما مع نفسه ) رباه لقد تكومت الاخطاء . تشعب الطريق بما فيه الكفاية.

الأم :( وهي تهم بالخروج ) لا تعارضه يا ابنى . انه قاس . أنا أعرف والدك . . . لا تعارضه أنا اعرفه اكثر منك . التجاني : وانا اعرفه جليا يا أمي ( يشير الى صورته فى الجدار وهو يصافح المراقب المدني في احدى المناسبات ) أليس ذلك هو والدى ؟ . نعم هو ذلك . عار العائلة . تمد اليه يدك وتصافحه ، مزيدا من توطيد اقدامه على ارضنا ومزيدا من منحه الامان والاستقرار .

( المشهد الثالث )

( تخفت الانارة ، ويسود صمت عميق ، ينسحب على إثره صوت من الصورة . وربما شبح الأب الحاج أحمد البوزيدى ، وهو يبدو كبير السن ، مستطيل اللحية . فيخاطب ابنه و كانما يرد على كلامه السابق ).

الحاج : ومن انا لولاهم ؟ من الحاج أحمد ؟ التجاني : أنت أبي . الرجل الذي انجبت تسعة ابناء ، زرعت بهم الارض  خيرا وبركة الحاج : الابناء يتطلبون الكثير والوفير ، والمستقبل ، وقد أمنت لكم  حياتكم. التجاني : وسودت تاریخنا. الحـــاج : كلا . كلا لقد منحتكم المجد. أنظر إلى وأنا أصافح هذا الرجل. أتعرف من هو ؟

التجاني : لا حاجة بي الى معرفته ... اكرهه كما اكره ماضيك الحاج : لكم تمنيت ان تأتى من العاصمة ، وبيدك شهادة تثبت بها  قدرة العائلة على التقرب منهم فها أنت تخونني وتحطم كلما أملت فيك . التجاني : وعما قريب ستشهد ما خبأت للمستقبل. الحاج : انك ابنى . اعرف من تتهدد . انا أبوك الذي تعزف الآن من  اجله . الانشودة الخالدة ( المارسياز ) ، وتمتد هذه اليد من  وراء البحر المتوسط توشح صدره . انا أبوك الحاج أحمد  البوزيدي ، يعزف الطاقم العسكرى أناشيده النحاسية لى ،  ويهتف الشعب الفرنسي لاخلاصي.

التحاني : شعب الباستيل براء منك يا عدو فولتار ، وديدرو ، وعدوى أنا . عدو الملايين من ابناء تونس ، من عشاق الحرية. الحاج : كلمات على قرماش . . . حفظتموها عن ظهر قلب يا أطفال؟ التجاني : ( ينظر في الوجهة الاخرى حيث توجد صورة أخته على الجدار، ويتوجه بالكلام اليها فى حدة وانفعال ) . . تكلمى يا فوزية. ها هو يقف عاريا . قولى كل شئ . يا طالما كنت تحسين مثلى ومثل الهادى. فوزية : ( تنسحب صورتها وصوتها من الجدار . تتكلم ) سامحه الله ، علمنا ان نخاف منه كثيرا ، وان نتجنب عينيه الناريتين.

التجاني : انظرى اليهما يا فوزية ، أما ترين كم هما حسيرتان مقهورتان . اختفت عيناه يا فوزية . مات الشرير فى اعماقه. فوزية : مسكين لحيته مصبوغة بالحناء ، استطالت على صدره . هكذا كان يتخيل نفسه كلما تحدث عن الجنة . من فعل هذا به ؟ التجاني : اه لو كان ثمة من يقدر على ان يفعل به . أن يغيره. فوزية : إنا ما اعتدنا أن نراه فى بيتنا على هذه الصورة.

الحاج : حتى انت يا فوزية تتنكرين لأبيك . نسيت أيام كنت تلعبين عند نصف الباكيتة ، ونظرات اعجابك الطفولى ترمق وقارى . نسيت يدى وأنت تحكين انفك عليها ، وتتمرغين فى عطورها. نسيت المصوغ الذى اثقلت به اذنيك ورقبتك ، ويديك . كل ذلك لم تعودى تذكرين فيه أباك . . . . والهادى من الذى انقذك منه وادخله السجن . اليس والدك الذي هو أنا ؟ . كنت أؤمل ان تحتلى بعد سجنه فى بيت عمك ، مكانة مرموقة، تحفظين الارث والدم ، وتصلين الرحم . كنت أؤمل ان ازوجك منصور . . ابن عمك منصور ، وتطلقين هذا الهادى.

فوزية : ( تطلق صيحة فزع ) أنت مجنون . تفكر بكل هذا . وتتكتم عنا . التجاني : أرأيت يا فوزية ؟ ألم أكن أقول لك ؟ الحاج : واكثر منه . سوف احرم التجاني من الارث ، واكتبه باسمك . حتى عبد العزيز وعمار ، واخوتك الصغار ، خصصت لها نصيبا أقل منك .

فوزية : تريد أن تغريني ( يتغير صوتها ) لا . أبدا لن ارتضى. الست أنا هى التى أسرت إليك بخبر الهادى . التجاني : قول له يا فوزية . قولى له كل شئ. الحاج : وكانت فرصة مواتية ، الفرصة التى لا أنساها . . . يا ما اعجبت بك ، وانت تدلين بشهادة ضده لك الحق ، حرمك من النعم والخيرات . هل يمكن ان انسى ابنة مخلصة ؟

فوزية : وفيية لزوجها . الحاج : اتقولين هذا الكلام . اتقولين هذا ؟ التجاني : تلك هى الحقيقة . ذلك ما لا تعلمه. فوزية : هي الحقيقة يا أبى . انى لم اوش بالهادى ، ولم آتك بالبطاقات المزورة ، والأوراق والدوسيات الا بعد ان حدثني التحانى عن

الخطر المحدق بهم . حدثني عن اشتباه البوليس فيهم ، واتفقنا على خطة مدروسة. التجاني : وانا الذى أمرتها بالتنفيذ. الحاج : يا خراب العائلة . ويا بؤس شيبى . تتفقون ضدى ؟ التجانى : وغدا سوف ننجي الهادى . نخلصه من السجن بكل ما اوتينا من استطاعة .

فوزية : ونوفى بما اتفقنا عليه . التجانى : سيكون . نعم سنخلصه . . اتصلت بالمراقب ومرقريت، وانته الأمر . اتفقت معها . خدعتها . بدأت المسرحية بباقة من الورود . وستنتهي المسرحية بباقة من الورود ، تقدمها للهادى في حفل نقيمه بمناسبة اطلاق سراحه . أليس كذلك يا فوزية ؟

فوزية : نعم كذلك سيكون كل ما تريد الحاج : لن تحققا شيئا دون رغبتى . لن يكون لكما . . لن يكون ما دمت حيا . التجاني : نعم سيكون الحاج : لن يكون. فوزية : نعم سيكون.

( المشهد الرابع )

( يسمع وقع ارتطام خطى كثيرة ، فتنسحب الصورتان ، وتتلاشى الاصوات . يدخل الحاج ومعه رجلان . احدهما البشير البوزيدي أخوه . والثاني مؤدب العشيرة سى مصباح ) .

الحاج : ( إلى التجانى ) انت ما تزال هنا . ماذا تفعل .؟ التجاني : والى اين تريدني ان اذهب ؟ الحاج : تسهر بالليل ، وتحلم بالنهار . الديك ما تنصح به نفسك ؟ البشير : السلام عليكم ( الى الحاج ) ماذا هنالك يا حاج ؟ ماذا فى الجو. مصباح : السلام عليكم . ( يجلس على الارض يتحدث بارتياح الى. التجانى كأنه يعلمه بشئ خطير ) ذهبنا اليه . وكان متفهما الوضع ، صافحنا فردا فردا بتواضع كبير.

الحاج : ولم ينكب جاهنا البشير : حدثنا عن زيارتك له بالامس ، وعن باقة الورود التى اهديتها . . . . . الحاج : لامرأته!. مصباح : وقد وعدنا بانه سيفعل كل ما فى وسعة للاعتذار باسم العائلة والعشيرة للاوساط العليا .

الحاج : وسنكتب كما اراد لائحة نستنكر فيها اعمال الهادى . مصباح : وتبرع لجامع الغوث سيدى ( حمد الله ) بعشرين حصيرة من ماله الخاص ، وخمس ليترات من الزيت لتضوئة المسجد. البشير : وافرد فقراء عشيرتنا ، باربعة اكياس من الدقيق ، وعشر قرصات من الشحم.

مصباح : ( مقاطعا البشير ) الشحم يا سيدى البشير ، شحم بغال ، محرم أكله ، واستعماله وادخاره. الحاج : دعك من الدعايات يا سى مصباح ، دعايات على قرماش . هل عندنا فى العشيرة من يعاف شيئا ولو كان شحم بغال . مصباح : هي افعال الخير لا تنسى . نعم لا يمكن ان تنسى عند الله . هى مكتوبة فى لوح محفوظ .

الحاج : ( باعجاب ) كنا تركناهم خارج سور الحديقة . عشرين شيخا، ولمة من العجائز والاطفال وحالما دخلنا ، اوصيت عيسى بان يأمرهم باطلاق الزغاريد . وعندما اطلقوها فتح مسيو ميشال نافذة مكتبه واطل عليهم وابتسم مظهرا اعجابه بهذا الموكب. فكان ان افردهم بكل تلك الخيرات والنعم . دقيق ، وشحم . . والوعود كثيرة .

مصباح : والذى لا يمكن ان يمحى من الذاكرة يا سيدى الحاج ، هو تواضعه . ما رأيت في الناس مثله لطافة وابتساما ومرحا . البشير : ( يلتفت مشيرا الى الحاج باعجاب ) الفضل فيه لهذه اللحية . ثم ( يلتفت الى التجاني الذي يجلس واجما ) أنتم الخلفاء ، سترثون كل هذه الهيبة ، وهذا الجاه ، وهذا الوقار ، وهذه الرجولة . الحاج : ( مبتسما فى زهو وخيلاء ) ولكم العاقبة والخير يا سيدى البشير . ( تسمع اصوات وجلبة فى الخارج ) .

البشير : منذ الصباح وهم يتبعوننا إلى كل مكان نؤمه ، لقد وعدهم والدك ، بان يوزع عليهم الدقيق حالما نصل الى المنزل ، وها هم ينتظرون. الحاج : اخرج اليهم يا مصباح . . اسكتهم . لعلعة اصواتهم الباحة، صاعدة الى عنان السماء . قل لهم ليذهبوا وياتوا غدا فى الصباح امام جامع الغوث. ( يخرج مصباح ، ويتواصل الحديث بين الحاج وأخيه ) .

الحاج : هذا الطفل افهمته بكل ما اتفقنا عليه ، ولكنه لا يصغى الى كلامي . ارضى الله عنك يا منصور. البشير : ابني مسكين ، لا يعارض ولا يناقش ولا يحاول ان يفهم، وبذلك اكتسب رضي الناس ورضى عمه ورضى أبيه. الحاج : الامر لله هذا التيجانى ادخل على حياتى شغبا جديدا ، فعوض ان يكون صديق منصور ، تجمعهما العائلة ، والدم . ها انت تراه ضائعا ، مهموما ، لا يؤم البيت الا نادرا .

البشير : هو لم يعد فى حاجة الى ان نبصره . تعلم وكبر وعرف اشياء كثيرة. الحاج : غير ما يمت لمصلحة العائلة بصلة . يا ضياع ما بنينا وشيدنا في الخيال ( يشير الى صورة اخرى فى الجدار ) تأمله عندما كان صغيرا وهو بجانبي . هذه الصورة كلما نظرت اليها احسست بان الطفل الصغير ذاك انفصل عني وتبدل. البشر : ( يتوجه بالنصح الى التجانى ) حاول ان تنسى الهادى وعلاقاتك القديمة معه . ففي ذلك بعث للعائلة . انه لا بد من ان ستمر الماضي فينا . ولا بد من ان نتبنى افعالنا ، حتى لا تفلت الفرصة منا .

التجانى : ( مغمغما ) ومن ينقذ العائلة من الورطة ؟ البشير : نحن المال ونحن الرجال . سوف يموت الهادى فى السجن. ولن يرى البلدة بعد اليوم وبذلك نكون قد تخلصنا جميعا من الورطة . اهذه تسميها ورطة يا سى التيجانى ؟ التجانى : الورطة . . الورطة . انا اتحدث عن الورطة . مسكين الهادى. الدقيق والزغاريد ، ولوائح الاستنكار. الحاج : هذا الطفل عندما يتحدث لا يكلم الا نفسه ، وبالفاظ ملوية غير مفهومة . انت سمعته الآن يتحدث الورطة ، الو ٠٠ ولكن أفهمت شيئا مما قال ؟

البشر : هؤلاء اصبحوا يقولون اشياء لا نفهمها . جيل فتح عينيه على العواصم والسيارات والسهريات البقرة عندنا اسمها بقرة. وعندهم لها اسماء اخرى لا نفهمها . الحال انقلب . (" تدخل فوزية وبيدها صينية") فوزية : ( الى أخيها ) لقد هيأت ادباشك. البشير : أين على خير ؟ التجانى : سفر الى العاصمة فى رحلة تستغرق يومين. البشير : فى الخير يا بني. التجانى : اريد ان اقلع ضرسا مريضة ، نخرها السوس.

الحاج : وربما استبدل عقلا غير الذي يحمل . البشير : اما فوزية ، فهى ستسافر الى بيتنا . أليس كذلك يا حاج ؟ الحاج : من غير شك ، تبدد قلقها ، وتشرح صدرها بين ابناء عمها . فوزية : ما دام زوجي سجينا ، لا اقدر على الخروج من البيت. الحاج : هي فرصة لتنشرى بعضا من الحزن الذي ملأت به بيتنا في الشوارع والاحواش الاخرى.

فوزية : اخوتى لا يوافقون. الحاج : اسمعت يا سي البشير . هناك ناس آخرون يحكمون المنزل معي ، لهم رأى يريدون ولا يريدون ، يوافقون ولا يوافقون؟ عجبا لهؤلاء . التجانى : حتى البيت لم يعد لنا حق فيه.

الحاج : ( فى سخرية وتهكم ) نعم لكم حق فيه . البت الذى تتأهبون فى كل لحظة للانقضاض عليه وهدمه . وتتنازعون الراي من شاد لكم الغرف فيه ، وتفتكون منه المشورة . غدا تذهبين الى بيت عمك لأستريح منك . لا اريد كلاما ولا مجادلة ، ومزيدا من الحزن على هذا الهادى . ( تنسحب فوزية بينما يطل وجه الأم وهى تقول ) .

الأم : يا تجانى هناك من ينتظرك بالباب. الحاج : لقد اصبحت اشترى فى كل شهر او شهرين حلقة حديدية للباب ، من كثرة الطراق الذين يبحثون عن التيجانى التجاني : غدا سوف اسافر.

الحاج : كما تريد البشير : مع السلامة يا بنى . (يخرج التجاني ويبقى الحاج والبشير وحدهما ) الحاج : تلك هي التربية المثالية ، الضغط القوة . عدم فتح باب النقاش معهم البشير : أعجبتني بالخصوص عندما ارغمتها على الذهاب. الحاج : وهل كنت تتوقع غير ذلك منى ؟ أنا رجل قاس حتى مع نفسي كما تعرف ، لا ارحم وما تعودت ان اتلقى الرحمة من احد .

البشير : وهذا الجيل يجب ان يؤخذ بالشدة . لقد فهمتك الآن اكثر . الحاج : هي سوف تأتيكم الى هناك . حاول ان تلينها وترغبها فى الزواج منه . البشير : ان عيشة اقدر منى على اداء هذه المهمة . الحاج : انت وعيشة او انتما معا قولا لها ان الهادى ذهب فى داهية، ولن يخرج من السجن الى الابد. ( يستدرك ) ومع ذلك فهي تكرهه بدون شك وانما اصطنعت ذلك امام أخيها .

البشير : لو لم تكن تكرهه كيف تأتيك بالبطاقات التى ضبطتها فى جيوبه ، وتأتيك بالتقارير ، وتطلب منك ان توشى به الحاج : لست اشك فى انها تكرهه. البشير : ما فى ذلك شك. الحاج : ابدا .

البشير : شابة مثل فوزية ابنة عائلة واصل ، اعتادت ان ترى الحوش يمتلئ فى العشية بالاحمرة والفلاحين وفي الصباح بالابقار والحالبات ، تفارق الزبدة واللبن وترتضى بالعيش مع موظف بسيط يحمل خبزها فى قفة . الحاج : انه داء أخيها . هو الذي زين لها فضائل العيش معه . حكت الى أمها عن كل شئ . والفضل فى استمرار حياتها فى ذلك البيت يرجع الى انا وحدى . لقد كان من حقى ان افصلها عنه فى أول يوم .

البشير : وها هي الامور تنتهى بطبيعتها . لست ممن يصنعون الشر يا حاج .

الحاج : لاقى جزاءه ، جزاء الذين لا يحسبون للقوة والدبابات والسلاح حسابا ( يشير الى صورته مع المقيم المعلقة على الجدار ) . اتذكر المهرجانات يا سي البشير ، والطائرات التى لا يزال دويها فى الآذان وشخير محركاتها فى الاسماع . اتذكر تلك الصورة. أخذت لى مع المقيم العام . معه هو بالذات يوم وشح صدرى بالاوسمة أمام الآف الاعين من الاهالى ، وطاقم الموسيقى، وصفوف العسكر اتذكر ذلك اليوم يا سي البشير ؟ .

البشير : نعم . كنت فى صف الجالسين على المنصة . وكانت الاصابع تمتد نحوى مفتخرة ، هذا هو عمى البشير هذا أخوه الحاج أحمد البوزيدي . كيف لا اذكر الشرف والفخر الذي نالنى كيف لا اذكر يوم أخي

الحاج : والى الآن ، ما من احد يراني من الجنود ، والصبايحية والكمباطا الا ويقف لتأدية التحية العسكرية لهذا الصف من الاوسمة المعلقة على صدرى . كلاب يريدون لنا احتراما اكثر من هذا .

البشير : والله لا اعلم . الحاج : قم معي لتأخذ فوزية معك . لن يراها الهادى بعد اليوم. يريدون الفتنة وكلام على قرماش ستتزوج فوزية منصور ابن عمها رغما عن التجانى . . . . الموسيقى . . . شخير الدبابات والطائرات . . . الاوسمة . . قم معي . قم معي يا سيدى البشير

(ستار ) الفصل الثالث فى العدد القادم

اشترك في نشرتنا البريدية