الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

مشاعر وأما يس, فى الطيارة : من جدة الى الرياض

Share

" فى المرة الأولى التى قدرلى فيها أن امتطى صهوة الجو في طائرة عنيت بدقة بالغة ، بتسجيل جميع الاحاسيس والخواطر التى شعرت بها وات في الجو منذ اللحظة التى وضعت قدمي فيها بمطار جدة ، الى اللحظة التى هبطت بي الطائرة فى مطار الرياض .. فهذا إذن شريط من الخطرات الجوية ، متلاحق الصور ، متستلسل المناظر من بداية الرحلة حتى ختامها . . ولقد ارسلت فيه النفس على سجيتها فدو تحتها كل ماجاشت به على سجيته ، وما تكلت تنميق فكرة ولازخرفة خيال ولا تعمقت في خاطرة ولا تعملت في اسلوب ، . وهكذا جاء المقال معبرا تعبيرا صادقا عن خاجات النفس في ساعة من ساعات ابتهاجها ، فى رحلة شاسعة المسفات ولكنها خاطفة تراكمت فيها لمشاعر والماظر والأحاسيس . . والمقال الى دلك هوأول مقال يكتبه كاتب سعودي على طائرة سعودية فى جو سعودي ويشر فى صحيفة سعودية على القراء "

الساعة ١٠-١٢ عربي صباحا

درت محركات الطائرة السعودية بشدة قاصفة ، وقيل المركاب : هيا ! وابتدانا نصعد الى جرف "السمكة " الفضية لهائلة الطائرة ، واحدا بعد واحد ، ودخلت فيمن دخل فما شعرت بهزة نلق ولا باضطراب نفس ، وكاننى ادخل سيارة وثيرة فى رحلة ممتعة قريبة . . واحكم غلق الباب المجوف علينا . ، وجلس كل منا على كرسيه ، وازداد دوي المحركات ، وزافت الطائرة يعجلاتها على الأرض كما تزوف القطاة حينماتهم بالطيران ، ثم بدأت تنفصل رويدا رويدا عن الأرض . . لقد بدأت فى الصعود ، وبدأت في الظيران . وكان امرا عاديا لم نشعر معه برهبة ولا ارتجاج . . ثم علت وتسامت فى العلو حتى انتظم استواؤها على متن الجو متجهة صوب المشرق في سرعة خاطفة

وهدوء عجيب يالله ! نحن الان بين طيات الجو ، كطير من الطير ، ولقد ظهرت لنا الحبال الشامخة الذرى أشبه شئ بالاكوام الصغيرة التى يصطنعها الاطفال من الطين ، وظهرت ليا لاحقاف الهائلة أشبه شئ بالتلال الصغيرة التى ينشؤها الصبيان من القرمد.. فهل هكذا تنظر الى دنيانا الطيور التى تزدري ضعفها وهي على الارض ، اذا هي تبخترت باجنحتها فى الاجواء ؟ !

أما الأرض بما عليها من اشجار وبما فيها من وديان فقد بدت لنا شيئا جميلا ، ولم نشعر ، ونحن نتغلغل في طبقات الاثير باية حركة انفصالية عن الأرض ، فمشاعرنا وأحاسيسنا في الجو ، هى مشاعرنا واحاسيسنا على سطح الارض سواء بسواء . وفي ذلك دليل واضح او خفي علي مدى اتصال هذا الجو بالارض وان دا متساميا عنها . . ولم نشعر كذلك بدوار مطلقا ، حتى ولا بالدوار الذي نشعر به عادة اذا صعدنا قمة جبل شامخ ، ولعل لرحب الجو ؛ وسكون الهواء ، وإحكام صنعة الطيران الحديث اثرا بارزا في هذا الهدوء العجيب الحبيب . ولقد ا عملت الفكر فيما اشعر به وانا بى الجو حيال الأرض ، فاذا بي اجدني اشعر شعورا مستقرأ في الاعماق بانني انما اشرف على الأرض من الطائرة فى " روشن " مال جميل ، فى جلسة شعرية خاذة . وان كانت المظر تمر بي مرا سريعا متلاحقا

وادركت ، الساعة ، مبلغ سهولة اخذ مساحات الارضين الشاسعة ، واخذ مناظرها الجميلة والكئيبة وأخذ مناظرها العجيبة ؛ فى تعاريجها وتضاريسها وفي جبالها وأوديتها وطرقها ، وما عليها من شجر وعشب . . ادركت مبلغ سهولة اخذ ذلك كله من الجو ، وادركت كذلك هول فتك من في الجو بمن فى الأرض ، فالجو بالنسبة للأرض اشبه شئ بالحا كم العام المسيطر على كل جزء ظهر او مستتر من اجزائها ..حتى الوان الارض من احمر الى اسود وأصفر ثمار من الطائرة بصورة ابرز مما تستبين على وجه الأرض .

الله اكبر ! ها لقد ارتفعت كلمة التوحيد فى الجو ، مخطوطة على " الطائرة السعودية" فى هذا العلم الزاهي بلونه الاخضر الزاهي الحمد لله على نهوض دولة الاسلام .

ها هى الطائرة تزداد ارتفاعا وتغلغلا في اعماق الجو ، كالنسر المحلق الممعن فى التحليق !..

وها هي الآن قد بدأت تارجح قليلا ذات اليمين وذات الشمال ، بفعل الرياح المتموجة في هذه الطبقة العالية من الأجواء .

ما يزال الصمت والهدوء يخيمان على الركاب جميعا ، فكان على رؤوسهم الطير : آنفاس تعلو وتهبط ، وعيون حالة تشخص ، وادمغة تفكر وتعتبر ، تفكر في عظمة الخالق : خالق هذا الكون الرحيب ، وخالق هذا المركب الطيار العجيب : " والله خلقكم وما تعملون " . . صدق الله العظيم .

هذان جناحا النسر الفضيان يلتمعان في الجو بانعكاس أشعة الشمس عليهما وهاهما يترنحان ترنح لثمل المخمور ، وكا نهما من الاثير فى روض افيح نضير. وها هى المزارع الفيحاء المخضرة السندسية . . إنها الان تبدو كرقع الشطرنج الصغيرة ، أوكلعب الاطفال في اطراف الوديان ثم ها هى الطريق السلطانية الواسعة أنها الآن تبدو لنا كالخط الدقيق ، أو كا حد البراجم . وهذا حقل يعلم الله كم اتساعه وامتداده على سطح الأرض ، وإنه ليبدو لنا كلوح طفل صغير نقشت عليه حروف دقيقة ، بمداد اخضر رائع الاخضرار.. وهذه منطقة الجبال المتكتلة تلوح كأنها بحر متلاطم من حجارة ، والقمم الشامخة تبدو بسيطة ضئيلة .

ها هى الطائرة تزداد ارتفاعا وأعماق الجو كالنسر المحلق المستمر في التحليق.. وهاهى مسايل المياه ، وهاهي الاودية تخترق منطقة الجبال اختراقا من كل ناحية ، فهي بالنسبة اليها مثل الشرابين التى يخترق محيط جسم الانسان .

حينما استأنفت الظائرة الطيران كان جوها الداخلى حارا . . أما الآن وقد طرنا زهاء عشرين دقيقة فقد استحال الطفس فيها باردا ، يرغم قفلنا لكل النوافذ وإحكامنا لهذا القفل . . انه اذن برد الطبقات العالية من الجو ، حيث تأثير انعكاس أشعة الشمس ضئيل بالنسبة لانعكاسها على ما يقرب من سطح الارض

لم نشاهد أحدا يمشى على الارض حتى الآن . لا أدري أكان ذلك لقلة رواد الصحراء ! أم لشدة ارتفاعنا الذي يحجب عنا الأشباح ؟ والى لا تمنى ان ارى انسانا أو حيوانا للأقدر حجمهما من هذا الارتفاع الهائل .

أود أن أنظم قصيدة رائعة فى جمال وجه الفضاء الرحيب.. ولكن مع الأسف لقد سبقني الرصافي الى ذلك حينما نظم قصيدته البارعة فى الفضاء وقال في مطلعها

جمالك يا وجه الفضاء عجيب وصدرك يأبى الانتهاء رحيب

فقد حلق به شيطان الشعر إلى هذه الطبقات فوصفها بامتع الأوصاف .

المناطق الخضر فى البر الآن قليلة ، الجفاف يقتل الأرض بالظما . . أما الانسان والحيوان فلا بد أن يسعيا بجهدهما إلى مظان المياه والكلا والطعام بحكم ضرورة الحياة والغريزة .. فى هذه المنطقة من الصحراء مجارى مياه تخترقها ، وعلى بعض شواطئ هذه المجاري بقايا بعض الاعشاب والاشجار المنينة التركيب القوية الجذور .

اذا غلب الجبال التى تحتنا الآن ومرة بل هي نحاسية اللون ذات تضاريس تلفت الأنظار .

انا فى الجو اشعر بنشاط خير من نشاطي على ظهر الأرض .. فهل كان هذا لأنها الرحلة الجوية الاولى ؟ ولطرافة الجديد على المرء ؟ أم هو تحسن حققى فى الصحة ننا من هذا الارتفاع عما تحتويه الارض من اقذار واكدار واوخام ؟ !

لا ادرى ، لا ادري ! وانما الذي ادريه أنى الشط منى قبلا والسلام هذه حقيقة أشعر بها من قرارة الاعماق .

مني لنا نصف ساعة ونحن محلقون ممنون فى الطيران والتحليق وطقس الطائرة او جوفها على أدق تعبير يزداد بردا كلما ازداد ارتفاعها ، ووجه الفضاء يزداد حبا وجمالا كلما اوغلت الطائرة في السموق . . والآن ها هي الجبال

تلوح كسطح مستو املس في لون سحرى داكن ، وقد طرز هذا السطح المستوى الجميل أو الرهيب بلبقع البيض والخطوط الصفر ، واخترق هذا السطح العظيم " مسد " ابيض اشبه بحبل " الليف " الشامى المعروف وقد اتمحت كليا رؤوس قمم الجبال لشدة تحليق الطائرة ، مثل انمحاء قواعد العجلة الضخمة اذا امعنت فى سرعة الدوران .

ثم ..ها هو خط السيارات بين الحجازونجد ؛ او بين مكة والرياض إذا راعينا دقة العبارة ، ها هو يستقيم تارة وينلوى اخرى ، ولكنه يلوح على سعته حبلا رقيقا ممتدا . .

وهذه منطقة جادها الخصب . واحة فى وسط منطقة الجبال المنبسطة الجرداء ، يظهر العشب وتبدو الاشجار فى هذه المنطقة ضئيلة ، ومع الساع مساحة هذه المنطقة على ما اخيل فانها لنلوح كرقعة صغيرة لا تزيد مساحتها عن بضعة امتار مربعة . .

هل دخليا منطقة المهاوى " المطبات " ؟ . . فها هي الطائرة الان بعد سير (٣٥ دقيقة) يشتد ترنحها ويزداد مقياس اضطرابها عن ذى قبل.

ثم هل سمونا فوق منطقه النهود " المفود " ؟ وهل أوغلنا فى السير او فى الطيران على احكم منطق حتى مغلفلنا فى المنطقة النجديا البحاء ؟ . . لقد تخلت عنا هيا كل الجبل بعد مسيرنا اربعين دقيقة وتجلت من تحتنا الان منطقة رملية بيضاء نلوح شبه حصير ابيض عريض الحوانب مشرق البياض نثر عليه ذرور اسود ، هو هذه الاشجار وهذه لاعشاب .

وهذا خط اسود يخترق هذا الحصير الرملي المبسوط ، يخترقه مرطرفه لؤوب بعدئذ جازعا واهيا رفقا منقطعا الى " امه " متصقة الجبال التى خلفاها وراء ايه خبط بقايا " جزء" ابلها لاحف فى سالف لاحقاب وما تزال "عملية " ابتلاح البقية الباقية منها فى طريقها الى الكمال .

لقد رحب الجد ، وانحسرت " برافع " وجه السماء : " السبحاب والضباب " فبدت زرقة السماء فى غاية من الجمال والبهاء والروعة والجلال ، ولقد الفى

الهواء الطلق الممراح ، أوسع " مسرح " له في طبقات هذا الجو الأفيح الضاحي الرحيب ، فلم لا تعبث اصابعه الجبارة بهذا المركب الجريئ الضئيل ؟!!

وقيل لنا ان الطائرة وصلت في علوها الى (٧ ) آلاف قدم ، فهى فى وجيب دامم ، وفي حرب مستمرة ، وفي مبارزة صارخة مع المواصف المزمجرة وقد دلتنا على نشوب هذه المعركة الجوية السلمية ، هذه الاهتزازات العنيفة . المتتابعة .

تجاوزن-ا الآن - منطقة الرمال ، وعلونا منطقة الحرار المكفهرة التى جثمت من قديم على صدر هذا السهل المغراق المنجرد ، ابقاءا على ذاتيتها وضمانا لحيويتها .

الآن ، والآن فقط ، بدأ الركاب يتحدثون.. لقد انطلقت السنتهم من عقال ، وزالت عنهم رهبة الجو والطيران ، ورأوا كل شئ عاديا مألوفا . واذا اعتاد الانسان امراهان عليه امره ، وانزاح عن صدره كابوس الرعب والاشفاق :

والنفس كالطفل ان تهمله شب على حب الرضاع وان تفطمه ينفطم

لقد شربت ماءا مثلجا فى طبقات الجو العالية وعلى ارتفاع نحو ٨٠٠٠ قدم من سطح الارض التى ولدت بها وترعرع فيها وكبرت . . هذه حقيقة بسيطة ولكنها عميقة الشاعرية ، ولذلك ها انا أسجلها فى نفس اللحظة والتو .

" ويخلق ما لا تعلمون وهذه الطائرة من جملة خلقه تعالى ، الذي لم نحن نتقنه في سالف القرون وان همهم بتخيله شعراؤنا الأوائل فقال أحدهم

ساهما حالما :

بكيت على سرب القطا اذمرون بي فقلت ومثلي بالبكاء جدير :

أسرب القطا هل من يعبر جناحه لعلي الى من قد هويت اطير

وان هم باستنباطه احدهم : " العباس بن فرناس " فضاعت جهوده أوضاء وجوده ادراج الرياح لأن لكل زمان فعالا ولكل جيل مجالا مقدرا محدودا لا يتخطاه وان حاول كل المحاولات .

نحن الآن فوق سبخة من سباخ الجزيرة ، وانها لنبدو في رأى كصحن مفلطح ناصع مدهون ، او كطست من نحاس موه بالقصدير .

ها ! هذه رقعة شطر نجية صغيرة خططت من تحتنا إلى اليسار ، يخترقها خط السيارات ، وقال عارف مرتاد : إنه محطة المويه المعروفة ، وقد سامتناها في الساعة الواحدة والنصف

وها هو خط السيارات يقابليا ايضا ليقطعه ايضا بسرعة هائلة . . بين كل فترة واخرى نقابل هذا الخط المتثنى ونقطعه قطعا جويا . . مرة بالطول وأخرى العرض.. واذن فان خطوط الطيران هنا توازي في اغلب الآحيان خط السيارات . . وها هو خط السيارات وقد هرب من تحتنا يتثنى فى هروبه تثى الافعوان المغير ، ضاربا بجرانه فى الصحراء البلقاء الممتزجة بالحرار السود . . ها هو هاربا يعدو نحو الشمال عدو الظليم راي القانص ؛ وذلك لكى يجد لنفسه منفدا يسير فيه سالما ومتنائيا عن هذا السبع الكاشر الانياب المفترس الغرثان : ( منطقة البفود )

" وتقولوا ا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين"

هاأنا الآن أشاهد جناحى الطائرة الممتدين فى الفضاء امتداد ذراعي جبار مارد ، اشاهدهما يعلوان ويهبط ن فى حركة سريعة هادئة ، وكأنهما كفتاميز ن الطائرة  فيعلو جانب منها بعلو أحدهما ، ويهبط منها جانب بهبوط الاخر ، فهي اذن فى هبوط وارتفاع بين هذه المهاوى " المطبات " الاثيرية المحتجبة عن الأبصار ، وانها لمها وعنيفة الوقع ولكنها جفيفة التأثير إذا قارناها بمهاوى السيارات فى طرق غير منظمة . تلك المهاوى التى تكاد تخلع نياط القلوب..

وهذا " بحر أبيض متوسط " من نفود ، يقع بين " بحرين أسودين " من نفود يكتنفانه من هنا وهناك .

والآن لقد زاد ارتفاع الطائرة عن ٨٠٠٠ قدم وبذلك يمحت معالم لارض عن الظر تماما ، وبدت معالمها من تحتنا كالبخار او كالضباب او كالهباء . . وافتريت بنا الطائرة من منطقة السحاب . . وناملت مظر السحاب ونحن قريبون منه فبدالى كالخيل المفتة من حبل مجريها !

الساعة ٢١٠ .

لقد هبطت الطائرة عن مستواها الآف . ولا جديد . فنحن الآن فوق منطقة رملية ذات تماوج وارتجاج ولافجاج بها ؛ وان الطائرة لتترنح من فرق هذه المطفة الجرداء الموحشة .

وقيل لبا فيما قيل : هذه منطقه " عفيف " وقد تغيرت طبيعة الارض ، فاختلطت الرمال بالحرار فهي تحاول ابتلاع هذا الدخيل المنطاول وسيتم لها ذلك يوما ما ، لأن الحرة هنا قلية غريبة ، ولأن الرمال اغلبية ساحفة...

نظره منك يا صاح الى اليار ! ! فهذه واحة نضرة لعلها - كما قيل ليا من بعض روافد وادي " الرشا " .

الساعة ٢.١٥

لانزل نطير فوق لمنطقة الرملية المغراق ، وتحدها من بعيد منطقة حرة شديدة السواد ، ويظهر ان هنا سبخة . تتخال هذه المنطقة الحرية اودية فيها اشجار وفيها عشاب واخابيد جز ، وان مياهيات ذا سقط عليها الغيث - لفيض على المنطقة الرملية من كل صوب ، كابها تكرمها بهذه الفحة حتى تضمن لها البقاء .

ولقد طوياس الارض ، يد ان الأشجار الضخمة مع هذا الدعو لا تزال تبدم لمينها كارحم من على ضفاف الوديان

الساعة ٢.٤٥

تحتبا لأن منطقة جبلية رملية عجيبة الشكل تخترقها مجارى المياه الوفيرة الكثيرة وهذه لوديال بالنسبة لهذه المنطقة - على ما يلوح المرائى من الجوس هى اشبه

بالأدواح الضخمة الملقاة على سطح الأرض بعد اقتطاعها فهى ممتدة عليها بجذوعها الضخمة ، وبفروعها المنتشرة ذات اليمين وذات الشمال وقيل لنا : هذه منطقة " العرض " ها نحن الآن نعلو منطقة " القويعية "

الساعة ١٠٣

آرى قرى من حولها مزارع تشتاق الى لثم ثغور المياه العذبة ، إن هذه القرى لتتجلى كرقع الشطرنج الصغري مثل زميلاتها السابقة تماما ..اما المزارع فكلعب الاطفال التى يعبثون بها نسقت على طراز هندسي غير دقيق.. وتقع هذه القرى على اطراف الأودية الجميلة التى تمدها بالماء للرى وبالعشب للرعى, وبالجمال للناظرين .

سبحان الله ! هذه منطقة تختلف طبيعتها عن سابقتها.. فهي متماسكة ومرتفعة فى لون جيري ، وتملؤها مجاري المياه ، واخاديد الرياح .

ما للطيارة تترنح هنا ترتنحا هائلا لم يسبق له ضريب ؟ . اذن فهنا منطقة مهاو واهوية فظيعة وهكذا تشبه مناطق الأثير ما يقع تحتها من مناطق البسيطة

ها ! .. هذه مجموعة مزارع نضرة ، بجانبها قرية تبدو صغيرة.

لأول مرة ، وفي الساعة ٣/٢٠ من مسيرنا او من طيراننا على الأصح ، اتيح لي ان ارى حيوانا يسير على الأرض ، لعله بقرة او لعله حمار . لا ادري وعلى كل فانه اهل مستأنس يرعى الكلا بهدوء واطمئنان .

وهذا قطيع من الغنم السود تسير في هذا المسيل الجاف ترعى من عشبه وشجيراته ، فهى كخيط اسود عريض ممتد متحرك . اما الراعي فلم نشاهده ولعله كان يتفيا بعض الظلال عن هذا الهجير اللافح .

واذن فلقد بدأت الطائرة تنخفض رويدا رويدا عن مستواها السابق ، فلعل الرحلة السعيدة الأولى من نوعها بالنسبة لى ولزملاء - لعلها موشكة ان تتم قريبا .

ها هي الشمس وقد بزغت علينا فى نوافذ الطائرة من الجانب الجنوبي .. اذن لقد بدأت الطائرة تستدير ، لتهبط في استدارتها على المطار .

لقد طالعنا صحفا غضة من مصر في طيارتنا ، ونمنا وطعمنا وشربنا وتحدثنا ، وتبادلنا الضحكات والنكات البرئية ، وكان كل شئ عاديا وجميلا ومؤنسا وانيقا ، حتى الجو الرهيب ، كان لرهبته في انظارنا جمال ورونق عجيب وسرعان ما ائسنا به وانس بنا ، فكاننا اصدقاء قدماء متآلفون .

الساعة ٣/٣٠

ها هو الخط السلطاني للسيارات يعترضنا لنقطعه كدا بنا معه ، وشاهدنا الآن فيه مخما ، ومستودعا للسيارات ، وسيارات جائمة .

لقد بدأت الطائرة الآن فى الهبوط الصدق تدريجيا . أحسنا بذلك احساسا مركزا . اذن لقد وصلنا " الرياض " . وانها الآن لتدور دورانا منظما وتهبط هببوطا منظما . ها هي الارض تقترب منا او نقترب منها على الاصح رويدا رويدا . . وها هى معالمها وسكانها وما عليها من دور واشجار وجبال - كل ذلك بدا ينماز لنواظرنا انميازا واضحا يزداد وضوحا بين كل ثانية واخرى وها هو دوي الالات يخف قليلا قليلا . . وفي الساعة ٣/٤٥ هبطت الطائرة ولامست قوادم عجلاتها الأرض ، وها هي تزوف بذيلها كما تزوف الحمامة حينما تقع على الأرض من طيران شاهق ، وها هي تعدو بها عجلها عدو الظليم في المطار العظيم . لقد انقلبت الطيارة سيارة فى هذه اللحظة الموقوتة ، وها هي تقف بعد ان استكملت دورتها الفنية اللازبة من السير الحثيث ، تقف في انتظام واتزان ، فلا ارتجاج ولا اهتزاز ولا اضطراب ولا ارهاق ، حقا إن الطيارة الحديثة نعمة عظيمة من نعم البارى جل وعلا علينا ... كل شئ الان هاديء .وها نحن لقد عدنا من " سكان الأرض " بعد ان مكننا ثلاث ساعات وكسرا من " سكان الجو " . . وها نحن ننزل من سلم الطائرة الى ارض المطار بسلام وارتياح إنها رحلة ممتعة وسفر سعيد ان شاء الله .

جو جدة - الرياض . الساعة ٣/٤٥ صباحا من يوم الأثنين الموافق ١٣٦٦/٦/١٤ ه

اشترك في نشرتنا البريدية