جمعتنى به الصدف فأحببته منذ بداية معرفتى له بقريه " سيدى عياد " .
وشاركته في بيته احتساء الشاى الاحمر فأعجبني فيه إيمانه بالقيم وميله إلى الانجاز . . كان حقا ، رجلا نادرا ، فى " مستوى انسانى " رفيع وكان مثله الاعلى : " أنا أحب إذن أنا موجود ، وليس من المبالغة فى شىء ، أن أحبه سكان القرية على طريقتهم ، فجسمه خيالهم " وليا صالحا ، وإن كان " رشيد " أزهد الناس ميلا إلى الشهرة .
ثم أبعدتني الظروف عن القرية الصغيرة ، وكثرت مشاغلى ، ولكن ما نسيت ذاك الرجل الذى كرس أيام عمره لمحبة الآخرين.. كأنهم تبرير لوجوده وإغناء لانسانيته:
ناهيك أنه كان يخصص من راحته مدة لرفع الامية أو لاعانة السكان فى أشغالهم البدنية ، أو لتطهير الوجدان والافكار من عتيق الاخيلة والعادات وشائع الخرافات . . هذا الى جانب توجيهاته النيرة للفلاحين ، وتعليم الصبية
وبعد سنوات ، انتهزت فرصة إجازتى السنوية ، فاخذت طريقى إلى "سيدى عياد،، كانت السيارة تنهب الارض ، عبر الحقول الخضراء ، وفكرى يستعرض شريط تلك الايام الجميلة بالقرية ، حيث تلك الوجوه الساذجة ، التى تأنس بالزائر من الدقيقة الاولى ، وتغمره - فى غير تصنع أو كلفة - بالرعاية والمحبة . .
ثم فكرت في أعمال رشيد وبدت لي خاطرة غريبة . . عن لي أن هذا الرجل غير عادى ، نادر ، ولابد أن تكون له قصة ما ..
وخف الريفيون ، بسيدى عياد ، فرحبوا بمقدمي وأقمت بينهم يوما وبعض اليوم دون أن يقع بصرى على " رشيد " ذاك الصديق الذي اتيت خصيصا من أجله.. وسألت عنه " صالحا ، الراعى الصغير الذى علمه " رشيد " القراءة...
وما راعنى إلا والطفل يبتسم فى مرارة بادية ويقول وفى عينيه بريق كالثورة والتحدى . .
إن " عم رشيد " قد أفقدت بركته امرأة سحارة . لم يعد يضحك للصبيان ولم يعد ينصح الفلاحين ولم يعد يسلى الارملة واليتيم ، ولم يعد يصاحب الشيوخ " .
وكدت أجن.. لشدة ما اعترانى من الدهشة ... وسألت شيخا طاعنا في السن ، ألفيته على مقربة منى ، فزفر زفرة كادت تضع حدا لعمره المكدود ، ثم تاه بصره فى الافق كمن ضاع له شئ ثمين فى السحاب وقال : " رشيد اليوم غير رشيد الامس وشتان ما بين اليوم والامس . أما إذا كنت ترجو مقطع الرأى فى مصيبة " رشيد " فلا تضيع وقتك معى لاننى - رغم صداقتى لرشيد - لم أفهم هذه الالغاز والمتناقضات . . "
وذهبت الى منزل " رشيد " فى نهاية الامر ، فإذا به قد بيع - وقيل- إن رشيد قد أنفق ثمنه بين خمارة " يعقوب اليهودى " وزقاق العاصمة . . سكن الليل ولف بسواده القرية الصغيرة . حاولت النوم ، فلم أفلح رغم أتعاب السفر .
أحسست بحزن حقيقى يستحوذ على مشاعرى وبكابوس يضغط على فكرى ، كانت الصدمة - صدمة الرجل الذى آمنت به - عنيفة ومدهشة إلى أقصى الحدود . .
ولم أجد مخرجا من حيرتى أو تعليلا مقبولا لانقلاب " الرجل الصالح" إلى سكير مدمن . ! لم أفهم شيئا لان تسلسل الاحداث كان غير منطقي على الاطلاق ..كلا . . لا يمكن أن تشوه الايام تلك الصورة المثالية بهذه السرعة . وحتى لو وقع ذلك كيف يمكن هضمها والتسليم بنهايتها . وبدا جو الغرقة خانقا ، وضاق بى الفراش فاندفعت خارج المنزل . .
كانت القرية غارقة فى سباتها وكنت لا أبصر إلا اشباح ديار صغيرة معلقة على ظهر الجبل تطل عليها ، سماء واسعة خرساء ، سماء كلها ألغاز . . سماء كالمقبرة..
أيقظتنى أشعة الشمس المطلة من النافذة ، فإذا بي واهن الاعصاب ، أحس بتمزق ودوار . . ولكن دفعني نزوعى من جديد إلى فتح اللغز ، فجمعت أشتات قواى وبارحت المنزل..
تساءلت عن هذه الرغبة الملحة التى استحوذت بل هيمنت على فكرى وجعلتني افرط فى الاهتمام بأمر صديقى " رشيد " إلى درجة الارق . .
وارتحت إزاء نفسى بعض الشئ حين اكتشفت مبررا شبه مقنع لفضولي وقلت : إنى معجب بهذا الانسان ومؤمن بالمثل العليا التى عاش من أجلها ومن الصعب على النفس ، أن يتهدم فيها هذا الايمان وهذا الحب ، وأصعب شئ أن نتخلى عن موقف ما دون اقتناع أو شبه إقتناع على الاقل . .
وأنقدت بعض الصبية ، وسألته البحث عن " رشيد " فى الغاب ثم إرشادى إليه . . طمعا فى اتصال مباشر يزيل اللبس فأريح الرجل من ظنوني وأستريح..
وتناولت الفطور بالبيت ، وفجأة تهادى إلى سمعى صوت أعرفه " محمد . محمد ! ! " ثم تبعه قرع على الباب خفيف..
فأسرعت بالفتح فإذا بى وجها لوجه معه . . مع " رشيد " الذى أعيانى أمره ، وكدت أعانقه . . ولكنه قد استحال حقا إلي رجل آخر . . بدأ مهزولا ، طويلا فى انحناء ، قذرا لكن مع وقار..و.. أحسست بالزمن يمر بيننا رخوا مسنا . حاولت التلفظ فحارت الحروف على شفتى...
رفع رأسه . . عينان عميقتان حزينتان . . عينان يعكسان روحا حائرة تتخبط فى أجواء المبهم ، تبحث فى قنوط عن بصيص من نور . ومزق الصمت بصوت خافت .
- محمد . عيب عليك هذه المطاردة والبحث . . لكل منا جحيمه فدعني من تطفلك دعنى حرا فى جحيمي على كل قد أتيتك . أتيت استجابة لرغبة صبى ساذج لم يلوثه الزحام.. زحام النفوس إلى الهاوية .
اسمح لي أن انساك وأنت حذوى . . سأتحدث مع نفسى لاننى لا أطمع فى نصيحة كائن ما . . إن كنت حقا في غني عن شئ فهذا الشئ هو عطف الانسان بالذات . .
دعنى - إذن - أتسلى قليلا ، بمجابهتك بكآبتى ، بحقيقتى ، بقذارتى.. افترقنا - أنا والطيف الجميل - أنا ونزيهة وبداية القصة لم تنته... كانت مصيرى ولكن كان حبها كالوهم ، باطل الكيان.... واثر وداعها ، انقطعت عن دراستى ، وولدت كآبتى فبقيت أجرها على جبيني باحثا عن معنى وفى جذورى شوق إلى نهاية ما...
فعلا كنت كائنا تافها ، زائفا.. كنت فكرة صفراء من وهم مريع .. ثم اندلعت الثورة الوطنية فى بلادى ، فاندمجت الى الاعماق في المعركة ألقيت بنفسى إلى الحديد والنار ، طمعا فى نهاية ما ، أو طمعا فى غسل كآبتي وهى كآبة شعب وكآبة قضية .
ووجدتها . . وجدت نفسى فى المنعرج ، مع إخوانى فى الكفاح ، أبطال الحرية . وخرجت ، بعد النصر ، وعلى جبينى شوق " أريد أن أحب . . أريد أن أكون..."
أحببت هذه القرية المهجورة ، وتطوعت للتدريس بها . زرعت في أعماقى محبة الانسانية . . محبة الكيان . . عشت مشاكل كل ذى نفس حية هنا ، حتى الحيوان والنبات .
ونسيت زيف آحلامى وفراق نزيهة فتاتى الاولى بين زفرة الارملة ودمعة اليتيم ، وبين آمال العاجز وأشواق المريض ...
وذات ليلة ، اقترفت جريمة نتجت عن عطف صادق ، فكانت البداية خيرا والنهاية شرا . حملت طعامى وأكلته مع زوجة بائسة مرض بعلها . وعزيتها ومنيب الرجل بالشفاء . . ثم رجعت اليوم الثاني بيدى اليسرى طعام وباليمنى دواء ، وبصدرى عطف أخوى وحب للانسانية.
ومر اسبوع وانا أجاهد لانقاذ المريض من مخالب الموت ، ولانقاذ المرأة من الجوع ، واليأس ولكن " ذات ليلة ممطرة عاصفة ، تسللت المرأة إلى غرفتي بل إلى فراشى ، وكنت مستلقيا انظر دون أن أرى " القازة " التى تنير وتذوب . . وكنت إذاك - منصرفا بفكرى إلى حبيبتى الاولى التى رفعتني إلى سماء الحب ثم اختفت فجأة دون كلمة . . دون عنوان . . وأحسست بوجود المرأة فانتفضت من تأملاتى وسألتها :
- " هاجر أنت ؟ كيف حال عباس زوجك . . ما الذى أتى بك ؟ وحدقت فى بطرف حالم ، من خلال أهداب وطف ، وتحركت شفتان حمراوان كحبات الكريز وقالت في صوت كارتعاش الحس : "دعنا من عباس . لعله لا يستحق تضحياتك.. رشيد ما أنت وحيد هنا ما أقسى الوحدة!
-ماذا تقولين ويحك ! عباس إنسان وفي هذا كفاية . ثم من قال لك
أننى وحيد... بالعكس.. أنا غارق فى الضجة حتى فى عزلتى ..آلاف الوجوه تطل على فى وحدتى آلاف من أبناء الانسان ... " هاجر " ما الذى أخرجك إذن ! "
واقتربت منى وأخذت تعرك جبينى وكأننى فى حلم.. ثم فتحت عينى فأعجبنى هذا الشعر الاسود المسترسل فى وحشية حبيبة إلى النفس . . وأردت ان اقول لست ادرى ماذا ولكنها قالت : " اسمع رشيد أنا في حاجة إليك . أعرف أننى قد أكون سخيفة ولكن سأكون معك صريحة : أنا أحبك يا رشيد إلى درجة الالم . أحبك إلى حد الجنون والفناء.. وخبأت وجهها في صدرى كطفل صغير ، واهتز كتفاها بالبكاء . . وحاولت اللامبالاة والتحجر لكن انطفأت " القازة ، فنمنا ضعيفين قويين ، نمنا جحيمين مرتعشين،،
وأطل الصباح ؛ كاشفا عن خيانتنا فخرجت حانقا على ذاتى ، لاعنا " المرأة " والبراءة الكاذبة . . كنت فعلا قذرا : قذرا . .
وسمعت يوما نواحا ، ثم علمت أن الزوج المسكين قدمات فسكرت لاول مرة لاخدع نفسي . . وذهبت إلى تونس فكانت نهاية القصة التي بدأت منذ سنين وجدت نزيهة ، حبى الاول ورمز العفة والطهر . . وجدت الصبية الاولى التى اختارها قلبى من بين الصبايا لكن أين ؟ فى دار الخنى وعلى بابها قد كتب حب بنصف دينار " عمرى إذن ، وأحلامى سدى.. مصيرى إذن بنصف دينار . . فقط..
وتصدعت فى أعماقى عوالم ، وتزعزعت أركان ، وكفرت باسطورة البراءة وأسطورة المرأة . .
وعاد التيه والفراغ من جديد وانتهيت إلى أرقى درجات الغثيان . . " وعندما انتهى رشيد إلى هذا الحد من القصة ، رفع عينيه فنفذت إلى أعماقى وارتسمت إلى الابد فى مخيلتى.. ولم أنس.. أنا بدورى . . ذاك الرجل .

