الى الشاعر الاستاذ الهادى نعمان!
اليك مني تحبة يحملها شكر عن هديتك التى وافتنى هذا الاسبوع تضم بين دفتيها " النغم الحائر " وهي هدية أقدرها قدرها وأضعها حيث يليق بها ان تكون فى هذه الفترة من الزمن إذا اقدمت أنت على أشعارك تجمعها وتنظمها وتخرجها للناس فلذة من فلذات كبدك وعصارة من مولدات فكرك وإذ انقطعت انا عما كان يشغلنى عن مواصلة اختلافى الى اساتذة البشرية قديمهم وحديثهم اعجيمهم وعربيهم بحثا عن بعض النفحة نتعرض لها فى هبوبها او عن شىء من الحقيقة يلذ لنا أن نقف عندها أثناء هذا السفر المريح حينا المضنى احيانا الشائك على كل حال وهو سفر ما اخترنا ان يلقى بنا اليه وأن نحكم أنفسنا في الوجهة التى نحن عليها سائرون والغاية التى نحن اليها مساقون .
ومتى انتبهت الى كثرة ما يلاقيه الشاعر والكاتب من طول مقارعة وشدة تلجلج فى كثرة من العناء وزيادة من العناد لم يفتني أن افضل ما يتقدم به مجاهد من مجاهدى العقل هو ما قعد له الايام وسهر له الليالى واختلج له قلبه اى اختلاج فبكى له أحيانا وإن سر له حينا وثار فيه على الحياة ثورات وان رضى بها غبا .
فانا مقدر كل ذلك وعلى تقديرى له يكون شكرى لك وان كنت طالعت " النغم الحائر " منذ ايام واسابيع ووقفت على محتوياته وقرأت قصائده واستمعت الى اناته وحاولت أن اتفهم نغماته الحائرة وانا مشتاق في كل ذلك بما كان طرق سمعى فى السنين الخوالى من مقاطيع أو قصائد أنشدت فى مناسبات وتليت فى مواكب كنت أحد حضارها فأخذت على نفسي ألا أبقى على ذكرياتى ولا أن اقتنع بما هو اقرب الى الحدس منه الى اليقين ولا ان ارضى لها بمواقف الغموض والابهام دون غيرها من معالم النقد والتحليل .
والحق انى دفعت الى هذا كما دفعت الى الاطلاع على ما انتجه الفكر التونسى فى هذه الحقبة من الزمن التى تحياها البلاد خلال المؤلفات التى صدرت اخيرا على استعين بها على تمحيص راى او تقديم فكرة للوقوف على مدى ما وصل اليه شعور المواطنين وتفكيرهم وقدرتهم على الابداع اذ كل شئ سوى ذلك لا يتجاوز حدود اللفظ واللفظ لغو ما لم يدل على ابتكار فى الوحى أو ثورة فى المعنى أو خلق فى الحياة .
وإني لا اخال نفسي تسمح لي بأن أقدم على هذا العمل - ولا اظن انك تتوقع ذلك منى - وأن أكتب لك حينئذ بجميع ما فاجأنى من قراءة الديوان وما تحسست له عند تلاوة قصائده فذاك امر دونه مزيد بحث واستبانة احداث واستقصاء اخبار وما أخذت نفسي بذلك .
ولكنك لو طلبت الي ان ابين لك ما اعجبت به أكثر من غيره وآنست به وارتحت له وتراءت لي من خلاله بشائر ربما يكون من الجدير الاتجاه اليها فى صراحة والاقبال عليها فى وضوح والاحاطة بها في صنعة والغوص عليها فى حذق لاجبتك هو " النغم الحائر " . فليس من كلمتين أدل على محتوى الديوان واوفى لمضمونه وأصدق لنبراته من هذا العنوان الذى اخترته له ووقعت عليه وعرفته به فالديوان نغم حائر او نغم وحيرة والحيرة فيه أشد من النغم وأبعد غورا وأثبت اصلا واغزر انطلاقا واصدق عاطفة . ..
وهذه الحيرة تبدو من الشاعر من أول تأوهاته على حين أن أخذ يشعر بما ينقصه وبما هو فى البحث عنه من هنا وهناك حتى يتم له انسجامه فى المحيط الاجتماعى - ان رام هو ذاك - بل فى العالم الاكبر الذى اخذ عقله يتلقى فيه مبادىء السباحة الروحية فلقد :
مر بالشاطىء الملوث بالاو حال يشدو...
يتغنى مع الصدى فى سكون وغناه صبابة وحنان
يسأل الموج وهو فى صمته الممتد عما تبثه الاكوان ( ص 1 )
كما أنه:
نى الليالي شعرا وهى حالكة وراح يشدو بلا عود ولا وتر
( ص 5 )
ولعل اعراض الحياة فتت فى عضده وحدت من حدته فردت ببصره خاسئا الى المناقع التى يرتادها عامة الشعراء فاذا به يعجب ويصيح:
أصحيح تموت أيها اللحن وما ان دعاك بعد فطام
الربيع الممراح والامل البسام والفجر والهوى والمدام
هذه كلها بوحيك " أ " شدو فأغنى وليس عندى مرام
غير لحن به تسليت فى ليلى اذا ما " هاجت بى " الآثام
( ص 11 )
فتطفو على شفتيه مرارة تلك الخيبة واذا بلسانه يردد فى شىء من اليأس : شاعر ما استطاع ان يفهم الكو ن وفى خلقه " حشى وقلوب " . ( ص 35)
ولعله علم - من حيث لم يدر - ان ادراكه للكون لايكون الا من خلال ادراكه لنفسه لما بين العالمين - الأكبا والاصغر - من صلة دائمة وتقارب يناله العقل وتشابه يقف عنده الشعور ولكنه ان لم يستطع ان يفهم الكون فلم يكن اسعد حظا فى فهمه لنفسه وصار له أن يقول:
ما زلت اسأل عن نفسي وعن خبرى وعن صبابة قلب لج فى السفر.
( ص 5 )
غير أنه لم ييأس - ولو يئس لانقطع عنه فيض الشعر ولغادر عالمه الخيالي مغادرة لارجوع بعدها - وحق له أن لا ييأس فكانت النفحات تهاجم شعوره فتقترب منه أحيانا ثم تنأى لتعود ثانية ثم تحملها أمواج الاثير في عبث ومداعبة كما تفعل الرياح في حملها للاصوات تبعدها حتى لاتكون اصوات وتقربها حتى لا تكون الا أصوات ويدرك ذلك الشاعر وكأنه حرك يده يمسك بها ضالته بل فتح قلبه ليدخل فيه لحنه المنشود وهو في طوره هذا ينشد:
اصيخى الى لحن شجى مقدس جميل كأحلام الصباح المجدد
كإشراق نور البدر فى ظلمة الدجى اصيخى أصيخى عل ذا اللحن مسعدى
( ص 30 )
لكن السعادة لم تكتب لشاعر - او هى لم تكتب له بثمن بخس . فحالما ظن نفسه قريبة من المرمي ايقن أن عينه ما رأت الاسرابا وان عقله ما ادرك الا وهما فيتملكه القنوط ويصيح في لوعة :
فهل طائر فى وكره متشائم اغنى له شعري بغير جزاء
( ص 20 )
وهو على حين ان ظن انه بعيد كل البعد عن تلقى الخبر المنشود يشعر بتطور فى داخليته وبنمو فى قوة ادراكاته فيهتف :
تعشقت فيها جمال الربيع " وطعم الخلود ولحن الزمن "
( ص 33 )
ويدخل فى عالم من الاحساس اللاهوتى فيتصل باجرام علوية وتخلص له الحقيقة اذ يقول:
ومن الموت ما يكون حياة " ك " من الصمت "نبرة " وكلام
( ص 15 )
وان هو أصبح يسبح فى الخلود والزمن والموت والصمت فعله سعى في احلامه ان يسوى بين هذه المعانى فلا يعز عليه حينئذ أن يزيد في عددها للدلالة على أشكال - فى الحقيقة الواحدة - وما هو بمنته ولا قاض منها وطره ! - فيقول :
انما النور " سابح " فى مدى الصمت وللصمت " نفحة ووجيب "
( ص 35 )
هكذا يبدو لي الشاعر ولعله لم يكن في الحقيقة كما وصفت ولم تكن محاولاته كما تجرأت أن أفككها وأردها الى مكوناتها ومقوماتها . والرجاء ألا اكون ازعجته بذلك ولا ادخلت عليه ضيما لا يحتمل كما أن الرجاء فى ألا اكون احرجته أيما احراج أو غيرت مجرى إلهامه ووجهة شعوره لما عن لي فى بعض الاحيان ان استعيظ مفردا باخر او كلمة بأختها ادعاء منى انى اصبح بعد ذاك أقدر على الاستماع الى الحانه والتفهم لاوزانه .
على أن الشاعر ما اظن أنه بلغ غاية يرضاها لنفسه او يرضاها عنه العارفون فلقد لج فى طريق يقصر في حقها العمر وان طال وينفذ فيها الصبر وان طفح اذ خلق الانسان ضعيفا وقديما دعا ربه أن لا يحمله مالا طاقة له به غير أنه ان لم يقدر ان يقطع اشواطا في هذه الطريق فلا أقل من انه يحسن قطع ما هو قاطعه ، ومن الجميل فى شأنه أن يبحث عن الكيف دون الكم وان يستجود القليل
عوض ان يستجلب الكثير فغير جدير به ان يفوته كنه الامر وأن يقلب الوضع رأسا على عقب وأقل جدارة من ذلك ان يخرج من عالمه ذاك لسهو او ضلال او انقياد للغير او مجاراة للعصر .
وانى اخشى - ويخشى معى - ان يكون ذلك النغم الحائر قد انفجر عن " اجتماعيات " قد وجد الشاعر فيها هدوه واعتداله فانس بها و اخذ منها برهما لكلومه المندملة وقروحه الدامية اذ من المؤسف ان يطرق آذاننا صوت باحث مستجد فى بحثه قلق حائر غمزه الدهر بغمزاته وعصره الوجد بمعصاره فتملكه حب الانطلاق وسعى ان يعرج الى مدارج المعرفة والعرفان ويسكن عوالم انتفت فيها الاضداد وانتقضت المقابلات وسادت الوحدانية في اجل معانيها واخلص جواهرها واعذب مشاربها ثم هو يعود حيث البداية فتعوج به الطريق وتلتوى به السبل فيفقد نفسه كالملك الساقط على الارض ويفقد غيره ممن تعشموا فيه بعض الخير أو ارتووا من سلافة رحيقه !
وفى قولي : " من المؤسف " افتراض لاوقوع وتقدير لاظهور ووهم لا حقيقة وإلا فلا أجد لنفسي مبررا ولا لقولى سندا ولا لادعائي حجة . وإنما الذى آود ان اذكر هو البون العظيم الذى يفصل على الاطلاق شاعر الوحى عن شاعر المناسبة ذاك الذى لا يهمه الا الاتصال بالحق المجرد يستنبر به في شعوره وايمانه فى انفراده واجتماعه فى علمه وعمله وهذا الذى يتحين الفرص ويلهث للمناسبات ويظهر فى المجتمعات ويستمع للتصفيقات .
ولست اروم الحيرة لذاتها ولا لانها من ظواهر الشذوذ او القلق او المرض النفسانى ففى ذلك ما لا يجعلها محببة وما لا يجعل المتصف بها مغبوطا علي نعمة او محسودا على ميزة وانما أرومها لامرين قد يطول الكلام فيهما طولا يتسع للتحليل والبسط والتعليل:
أولهما ان الحياة الراهنة مع مالها من الدواليب والمركبات ادخلت ايما ضرر على النفس البشرية الامر الذى بعث بالعقول المفكرة والقلوب النابضة من الرجالات الى ضرب من ضروب الحيرة الدالة على التفاتهم الى نواح من الحياة البشرية الكاملة أصبح يهددها قلة توازن الرجل المعاصر وعدم اعتداله وان صفق لذلك المصفقون بلاهة ورقص لها الراقصون جنونا . . ولكن ما علينا!...
وثانى الامرين ان الحيرة اذا اتت فى ابانها ونزلت في أرضها وصادفت
حمولتها تكون فاتحة اكتشاف جديد وابداع متناه وخلق ما سبق مثله لمعاصر ولا خطر على قلب مدع أو مكابر .
ولقد تعشمت ان تكون ممن يسلك هذه السبل ويعمل في هذه الحضيرة ويرمي الى هذه الغاية وارجو الا اكون قد غلطت ولا أن ضلت بي الطريق فى شأنك فان كان ذاك فياحبذا وان كان خلاف ذاك فالرجاء ألا مؤاخذة !...
ولو سمحت لنا الظروف بالتحدث عن هذا وغيره وفرنا لانفسنا بعض الغنم ولو اتسع لنا المجال الى انشاء ما يكون قريبا من هيئة المؤلفين التونسيين لادخلنا علينا خيرا كثيرا من حيث ندرى ومن حيث لاندرى ثم لانكون بعد هذا وذاك قد تجاوزنا حدود الواجب مما تفرضه علينا أنفسنا باعتبار انها ذوات مستقلة لها خيرها وعليها شرها وباعتبار أنها وحدة من مجموع تعمل فيه ويعمل فيها على حد ما جاء من الامر بالمعروف والنهى عن المنكر .
ولي معذرة فى هذه الاطالة المجحفة التى تتسع لها نفسك وقد لا تتسع وترضى بها خواطرك وقد لا ترضى ثم هى تتسق مع ما رسمت لنفسك من الخطط وحملتها من الاعمال وقد لا تتسق . ومهما يكن من أمر فلي يقين أني ما اضعت وقت اذ كتبت لك هذه الرسالة فلئن جاء فيها ما ينبهك الى نواح من نفسك قد تكون اغفلتها او لم تنزلها منزلتها فلقد ارتاحت لها نفسي بعض الارتياح كارتياح المفصود بعد فصاده . . فكل انسان وما اعتاد . وله مستقر ومتاع الى حين!...والسلام والسلام

