يوم علمت ان الاستاذ أحمد خالد يعتزم جمع عدد من دراساته وأبحاثه ، المنشورة بمحلة (( الفكر )) خاصة ، ونشرها فى كتاب بعنوان (( شخصيات وتيارات )) شعرت بالارتياح والاعتزاز فى آن واحد .
فقد عرفت أحمد خالد منذ ان كان طالبا بدار المعلمين العليا منتسبا الى اسرة (( الفكر )) متحمسا لاتجاهها التونسى الصميم ، عرفت فيه الوداعة الطيب التى تميل بصاحبها الى الصمت الايجابى والتأمل الخصب ، وآنست منه التسامى الى المثل العليا فى الحياة والتشبت بفضيلة الوفاء لمعانى الوطنية والاخلاص للذات ، والعمل الصامت الدؤوب ، ووجدت عنده شغفا بالدرس والبحث وتطلعا الى خبايا الادب التونسى المبدد الشمل فى الصحف والمجلات ، وأعجبتنى منه سماحة نفس وعفة لسان وفرط حياء . وهى جميعها صفات أصبحت اليوم نادرة عند فريق من الشباب المتعلم الذى جرفه العصر الحديث بمغرياته وسرعة حداثه وغرابة مكتشفاته فالتمس النجاح الرخيص وارتدى ازياء خاطتها له أيد أجنبية أو انتصب على عرش الببغاوات متوهما انه ظفر بالطرافة أو وفق الى الخلق .
وارتحت كثيرا عندما لاحظت أن وجوده بسوسة مدرسا بالمعاهد الثانوية ، بعيدا عن المراجع والمكتبات لم يثنه عن الدرس ولم يحوله عن هوايته الثقافية السامية ، خلافا لعدد كبير من زملائه الذين يتعللون بضعف امكانيات العمل وقلة المصادر حتى بتونس العاصمة لتعليل كسلهم وتقاعسهم او تغطية عقمهم . بل انه ظل يرابط فى ساحة البحث وينهض بأعباء المثقف الحق الذى يلتمس الجزاء من نوع العمل الذى يقوم به ويقف حياته من أجله ، فقد صدر له كتاب قيم عن الطاهر الحداد بعد عناء كبير لان جحافل الرجعية التى ذهب ضحيتها هذا المصلح الكبير لا تزال تتقاوى على نفسها للصمود فى وجه التقدم ولكن هيهات أن يحجب السحاب نور الشمس طويلا .
بل كأن العراقيل التى وحدها أحمد خالد فى طريقه زادته ثقة فى نفسه وايمانا بنبل رسالته فيواصل البحث ويعنى بجمع ما تفرق من مصادر الادب
التونسى وما شرد من اخبار اعلام هذه البلاد وينبه الى ما خفى أو أهمل من شخصياتنا الفكرية او الاجتماعية ، ويشيد بفضل من مهد الى نهضة تونس وينصف من ظلمه معاصروه غفلة او جهلا او تعصبا ، كما يحيى ذكرى الغابرين كأنه يخشى ان تذهب بهم ريح النسيان او تقتلهم - ثانية - عقارب العقوق .
الا ان التزام أحمد خالد وعزوفه عن المجانية (( المطلقة فى البحث وفرط محبته لبلاده وغيرته على أدبها وثقافتها لم تزغ به عن مسالك البحث القويم ولم تنسه قواعد الدراسة الرصينة التى تقتضى (( النظر والتعليل بعد التنقيب والتنقير )) فهو يؤكد ان البحث وان اقتضى الذوق وسلامة السليقة (( تعبد وصلاة )) فيجمع بذلك فى أروع صورة بين نبل المقصد وكرم المنزع واصيل الاتجاه وبين أمانة العلم واستقامة المنهج .
ولئن انصرف صاحب (( شخصيات وتيارات )) بكليته الى استجلاء معالم الفكر التونسى المعاصر التى كادت ان تندثر بسبب غفلة بعضهم ، فعرف بسعيد أبى بكر وحلل جوانب كثيرة من خصومته الادبية مع زين العابدين السنوسى ، وحلل تصور الشابى للمرأة ومنزلتها فى شعره ، والقى ساطع الاضواء على موقف عدد من الشعراء التونسيين من قضية السفور والحجاب فى الثلث الاول من القرن العشرين وتعرض لجدلية القديم والجديد من خلال علمين من اعلام الفكر والشعر بتونس فيما بين الحربين العالميتين هما راجح ابراهيم وسالم بن حميدة ، وخص ابن خلدون بدراسة مستفيضة ، فهو لم يقتصر على اعلام تونس وحدهم بل درس رجالات أدبية وفكرية يعتز بهم كل من ينتسب الى الحضارة العربية الاسلامية أمثال الجاحظ وابن حزم وقدامة بن جعفر والمعرى واقبال وتوفيق الحكيم ، وهو بذلك يقدم اجل الخدمات للتراث العربى الذى نعتز به جميعا ونعمل على المساهمة فى اثرائه واشعاعه .
وانه لا يمكن فى هذه المقدمة ان اعمق فى درس ما احتواه هذا الكتاب القيم من نفيس البحوث وما كان القصد الدرس او النقد . انما هى كلمة اعجاب وتقدير أردت ان اسجلها بكل صدق آملا ان يكون هذا الكتاب مرجعا مفيدا للاساتذة والطلبة ولعموم الادباء اذا هم راموا دراسة الادب العربى عامة والادب التونسى خاصة .
وانى على يقين ان الاستاذ أحمد خالد سيواصل عمله الكبير مبرأ من الغرور بالنفس ، بعيدا عن القناعة ، لا ينال من عزمه غمط للحق ولا جحود للقيمة ، مقتنعا بأن أجل الاعمال وابقاها على الدهر فائدة أهدأها صوتا واقلها جلبة وألصقها بالفكر الأصيل (* ) .
