من المحقق تاريخيا ان اول مجلس بلدى أسس بتونس هو مجلس بلدية العاصمة الذى احدث فى غرة محرم سنه 1275 ه . 1858 م . وجعل من مشمولات نظره رعاية المدينة من حيث النظافة والصحة العامة والبناء وتوسيع الطرق . ومهمة امناء المعاش ، وأول رئيس له هو أبو عبد الله حسين أحد اعيان المماليك ( 1 ) .
ويبدو انه لم تؤسس مجالس بلدية فى غير العاصمة من المدن التونسية الا بعد الاحتلال الفرنسى ببضع سنوات ، وثبت لدينا ان سكان مدينة صفاقس كانوا قبل الاحتلال بعدة سنين كونوا فيما بينهم جمعية بلدية تعاونية غايتها السهر على رعاية المدينة من حيث النظافة وردم المستنقعات فى فصل الامطار الى أن تأسس المجلس البلدى بعد الاحتلال بثلاث سنوات 1884 م . ( 2 ) .
وما حدث بصفاقس حدث مثله فى مدينة المنستير انما كان بعد سنتين من الاحتلال الفرنسى ، وكان ذلك اثر طلب نائب المجلس الصحى ونواب قناصل الدول الاجنبية الذين وجدوا التجاوب والتأييد من السكان انفسهم . ووقعت بايدينا وثيقتان ( 3 ) تاريخيتان ترويان لنا قصة مدينة المنستير فى آخر القرن الماضى ، وتفتحان امامنا نافذة نرى من خلالها حارات المنست وازقتها واسواقها فاذا نحن نتعرف على اسماء تلك المعالم وعل اماكنها ، ونتعرف كذلك على الجاليات الاجنبية التى كانت بها وجنسياتها .
واولى هاتين الوثيقتين رسالة ادارية اعلامية وجهها خليفة المنستير الى المكلف بعمل الساحل وتتضمن الاخبار عن حصول اتفاق اثر احتماع غايته الاهتمام بنظافة المدينة ورعاية صحة السكان .
وثانية الوثيقتين عبارة عن كراس شروط حددت التراتيب الضرورية فى حق الذى يقوم بذات العمل او حق السكان . وفيما يلى نفصل الحديث عن الوثيقتين .
الرسالة :
هذه الرسالة وجهها خليفة المنستير المرحوم صالح مزالى الى المكلف بعمل الساحل المرحوم أمير الامراء حسين بن محمود بن بكار الجلولى المشهور بحسونة الجلولى ( 4 ) .
وبها 42 سطرا بكل سطر بين 10 و 12 كلمة وكتبت بخط تونسى عادى على ورق بسيط حجمه 16×42 . ولغتها سهلة ممزوجة باللغة التونسية بها اغلاط كثيرة وتحريرها ضعيف ، شان جل رسائل ذلك العهد ، وهى مذيلة بامضاء الخليفة صالح مزالى ومؤرخة فى 15 شوال 1301 ه . ( 188 م . ) .
وننقل بعض فقرات منها لنتحقق الموضوع الذى عالجته ، جاء بأولها بعد الديباجة ( 5 ) :
" فى هاته الايام اتفقت أهالى المنستير وسكانها من الإجانب بواسطة نواب قناصلهم على نضافة ( ١) طرقات البلد وأزقتها من الاوساخ والقذارات (كذا) حيث كثر بها ذلك ويخشى من ابقاء ذلك تغيير في الهواء يسب ذلك واجتمعنا فى هذا الشأن عدة مرات مع المشائخ واعيان البلد ونواب قناصل الدول الاجانب " .
فالموضوع الذى وقع من اجله الاجتماع هو السعى فى تنظيف طرقات البلد من الاوساخ المتكاثرة . التى صارت تهدد صحة السكان . والذين ضمهم
الاجتماع هم اعيان البلد ومشائخها ونواب قناصل الدول . وفى فقرة ثانية من الرسالة زاد نائب المجلس الصحى الذى عبر عنه بنائب السانيطة ( La sunte ) وبين جنسية كل جالية اجنبية حضر نائبها :
" وهم نائب قنصل الفرنسيس ، ونائب قنصل الانقليز ، ونائب قنصل السبنيول واعيان من الطليان حيث لم يكن لهم نائب قنصل هنا ونائب السانيطة بالمنستير وزوج اطبا ( 1 ) من الاجانب " .
وخاض المجتمعون فى ايجاد المشروع وابرازه للوجود وفيما يلزمه من تمويلات وهل يتبع فيه نظام " اللزمة " فيلتزمه ملتزم بثمن معين او بالمزايدة ويتولى هو استخلاص المعاليم من السكان ، او ينتخب له رجل ثقة من بين الاعيان ليشرف عليه ؟ وبعد الحوار كان اتفاقهم حسبما صرح به فى الرسالة :
"ووقعت المحاورة فى هذا الشان عن توزيع الدراهم التى تلزم لمصروف ما ذكر وهل يقع تلزيمها لمن يرغب في ذلك او يتكلف بذلك احد من الاها والمر ان وقع الاختيار على تكليف احد من الإهالى ليقف في هاته المصلح فى خلاص دراهم المصروف وتخديم اناس فى نضافة ما ذكر وانتخبوا لهذا الامر المكرم الاجل القارئ الحاج حسان بن الحاج حمودة مزالي وجعلوا له اجرا فى كل شهر عده 75 ريالات ] 75 ريالا [ ووقع الاتفاق على شروط يلزم المكلف عملها كما وقع توزيع دراهم المصروف على الملاكة من الاهالي وغيرهم بححسب ما لكل منهم من المحلات وقدر الدراهم التى وزعت قدر عده 800 ريالات ] 800 ريالا [ وهي التى تلزم فى كل شهر على سبيل التقريب " .
والشروط التى وقع الاتفاق عليها هى موضوع الوثيقة الثانية التى سنتعرض لها ، وقبل ذلك نتأمل فى هذه الرسالة من جانب آخر لنرى ونتحقق الداعى الاول لهذا المشروع الذى كان يلح فى تكرار على ممثل السلطة فى وجوب العناية بالصحة العامة ، ووجد السكان فى موقفه اعظم عون لهم فيما كانوا يتذمرون منه فى حياتهم اليوم اليومية حتى اذا تم الاتفاق وشرع فى ننفيذه عمت الافراح بينهم وتبادلوا التهانى . . .
ان المتسبب الاول هو الذي عبر عنه مرة بنائب مجلس التحفظ وعبر عنه ثانيا بنائب السانيطة اى - ولا ريب - المجلس الصحى . وهذه الفقرة التى نستنتج منها ذلك كله ، والخطاب فيها موجه للمكلف بالعمل :
"وقبل هذا عرفت جنابكم بما طلبه نائب مجلس التحفظ بالمنستير من
اخراج الشوالق (6 ) الموضوعة عند بعض اناس المحلات بداخل البلد وعدم قبول الغلل (7) التى لم يبلغ ابان طيابها وآذنتنى سيدى بان تكون موافقا للنائب المذكور على ما ذكر وكان هذا كذلك وقد عرفنى النائب المذكور الان بانه عرف رئيس مجلس التحفظ على طريق التلغراف ( 8 ) بوقوع النضافة بالبلد مثل ما قررناه كما انه عرفه فى شان المسلخ بان محله لا يليق حيث انه قريب من البلد امام الباب المعروف بباب بريقشه الجديد ويلصق فندق الغلة وهو محل اجتماع الناس والباب المذكور به نواب الكمسيون (9) لاستخلاص معلوم النعمة ، وان رئيس مجلس التحفظ اجابه بالإستحسان في نضافة البلة وان يتكلم معى فى شان المسلخ . . . ان ابقاءه هناك فيه ضرر على الناس ولربما ينشى من رائحة وسخه فساد الهوى " .
ويبدو ان موقف مجلس التحفظ لم يكن ناشئا عن وجوب العناية بصحة السكان التونسيين انما كان ذلك اجابة لرغبة الحاليات الاجنبية الذين تشكوا كثيرا من عدم رعاية الصحة العامة وعلى الاخص من الروائح الكريهة المنبعثة من المسلخ وجاء فى هذا الموضوع :
" ان هذا المسلخ وقع الكلام فى تنقيله مرارا ولم يتيسر وغالب الطالبين لتنقيله هم السكان من الاجانب ".
وتعذر نقله لعدة اسباب اهمها التكاليف المالية . . .
الوثيقة الثانية :
يمكن لنا ان نعبر عنها بكراس شروط تضبط المشروع من حيث تنظيمه وتمويله وتحديد مسؤولياته . وهى من حيث اللغة والتحرير والخط وحجم الورق مثل الاولى حتى انهما يكادان يكونان وثيقة واحدة لولا انفصالهما جسما وموضوعا . . فالاولى رسالة والثانية قانون . . .
وهذه الوثيقة تتكون فى مقدمة وسبعة فصول ، فالمقدمة اوجزت معنى
الفصول السبعة ولتعميم الفائدة أرى ادراجها بحذافيرها بين يدى القراء وعلى الاخص الباحثين منهم . وهاكم هى :
الحمد لله نسخة جريدة وردت من المنستير
بيان الشروط الواقع عليها الاتفاق فى نظافة طرقات المنستر وازقتها مع بيان ما يجب عمله على من يلتزم ذلك ويتكلف من الاهالى بنظافة ما ذكر وما هو واجب على الملاكة والمكترين وتشتمل الشروط المذكورة على فصول حررت هنا فى شوال سنة 1301 ه . :
الفصل الاول
يلزم كل من الاهالى والسكان من رعايا الاجانب وغيرهم على اختلاف اجناسهم الدخول تحت الشروط الآتى بيانها واداء ما يجب على كل منهم لمن يلتزم او يتكلف بنظافة ما ذكر بحسب ما يظهر للجمعية توزيعه عليهم على نسبة تملكهم وما يتصرفون ( 10 ) فيه على وجه الكراء .
الفصل الثانى
اذا ظهر للجمعية تلزيم اللزمة المذكورة فلا يلتزمها الا من هو من رعايا تونس .
الفصل الثالث
يجب على من يلتزم اللزمة المذكورة او يتكلف بها بوجه انتخاب ان يرفع ما يحدث بالبلد من الاوساخ والقذرات يوميا والبدوء فى رفع ذلك من اول النهار الى الساعة العاشرة قبل الزوال من كل يوم بل الى ان يتم ذلك . وفى وقت الشتاء عند تجمع الاوحال ( 11 ) بالشوارع والازقة يلزمه قرشها ( 12 ) ورفعها الى محل رمى الزبلة وهو شاطئ البحر تحت سيدى عمر مخلوف . . كما يلزم فى مدة خمسة اشهر اولها مايه ( 13) العجمى وآخرها اشتنبر رش
(10) فى الاصل ( وما هم يتصرفون فيه ) . ( 11 ) بالاصل عند اجتماع الطبعة . ( 12 ) هكذا بالاصل والمراد ازالة ما يتكون من الاوحال بارض الطريق ، وفى اللغة قرش الشئ جمعه من هنا وهنا وضم بعضه الى بعض . ( 13 ) من 13 ماى الى 13 سبتمبر .
المحجات ( 14 ) الاتى بيانها بالماء وهى من سوق الباب الجديد الى باب سوق اربع ثم ينعطف الى زنقه الحمام ومنها الى حومة الجبانه الى ان يصل الى السوق ومن الناحية القبلية من سوق الباب الجديد الى باب بريقشه وينعطف الى حومة الشراقة داخل فى ذلك المنفذان الموصلان للسوق من الحومة المذكورة .
الفصل الرابع
يستثنى على من يلتزم اللزمة المذكورة او يتكلف بها من ازالة الاوساخ ( التى يتحملون ازالتها ) ( 15 ) رماد ديار الصابون ونقوض المرمات ( 16 ) ورماد الفرانق وانقاض الخنادق والمرحاضات والغبار المتجمع بالفنادق والديار والمخازن فان جميع ذلك يرفعه اربابه ( 17 ) .
الفصل الخامس
دفع الدراهم لمن يلتزم اللزمه المذكورة او يتكلف بها يكون اقساطا عند انتهاء كل شهر قسط ، غير انه بعد تمام الشهر الاول يدفع له نصف قسط ققط وعند انتهاء الشهر الثاني يدفع له النصف الثاني من القسط الاول والنصف الاول من قسط الشهر الثاني وهكذا يبقى القسط الثاني من كل شهر متاحرا احترازا من ان يتأخر اللزام او المتكلف ( عن القيام بواجبه ٢ ) او بظهر خلل فى خدمة ما يجب عليه عمله بمقتضى الشروط المذكورة .
الفصل السادس
على الاهالى والسكان ان يبادروا بدفع الدراهم الموزعة عليهم لاجراء هذه المصلحة العامة التى هى فى حفظ ابدانهم ونظافة بلادهم وان يخرجوا صباح كل يوم ما بمحلاتهم من الاوساخ ويضعونها امامها ليرفعها اللزام او من بتكلف بذلك بحيث ادا يرمي احد من الاهالى او السكان شيئا من الزبلة او الاوساخ من بعد دخول الساعة العاشرة التى هى قبل الزوال الى صباح غد ذلك اليوم فانه يجرى عليه ما يستحقه من العقاب زجرا له عن مخالفته .
الفصل السابع
يحرى العمل الآن في نظافة ما ذكر على مقتضى هذا الاتفاق والشروط المقررة به الى ان يقع انهاء ذلك لجناب الدولة المحمية التونسيه واذا ظهر لها اعزها الله ابطال هذا الترتيب او تغيير شئ مما هو مقرر بهذا الاتفاق زيادة او نقص او تعويض ذلك كله بانشاء مجلس بلدى للنظر فى مصالح البلد فانه لا كلام للزام فى ذلك بوجه من الوجوه وليس له الا ان يطلب خلاص ما بقى له من الاقساط عن مدة خدمته فقط واذ ذاك ينفسخ هذا الاتفاق راسا ويجرى العمل على ما يقتضيه النظر السديد .
حررت الشروط المذكورة باتفاق المصححين اسفله كما ان من يلتزم هاته للزمة او بتكلف بها يصحح باسفل هذا ايضا اعلاما منه باطلاعه على تلك الشروط والدخول تحتها وتحمله بما هو واجب عليه فيها زيادة على اشهاده العدالة بذلك .
تعليق
1 - ان هذا المشروع الصحى الذى تحدثت عنه الوثيقتان يمكن لنا اعتباره أول شروع فى تأسيس بلدية المنستير ، وعرف بكلمة " جمعية " حسبما ورد فى الفصلين الاول والثانى .
- انتهى-
2 - من المؤكد ان بلدية المنستير تأسست بعد سنة 1301 ه . 1883 م . اى بعد هذه " الجمعية " .
.3 - ان نسخة الوثيقة الثانية هى نظير من نسخة اصلية ممضاة من طرف المتفقين وطرف الذى تعهد ان يقوم بالعمل الحاج حسان مزالى. اما الوثيقة الاولى فهى الاصل .
4- وردت بهاتين الوثيقتين اسماء لاماكن واسواق مثل باب بريقشه - حومة الشراقة - حومة الجبانة الخ . يمكن للباحث بتعرفه عليها ان يزداد تعرفا بمدينة المنستير فى آخر القرن الماضى.
5 - عبر الكاتب فى عدة مواضع عن السكان الاصليين بكلمة - أهالى - وأهل البلد - وعن الاجانب بكلمة - السكان - السكان الاجانب .
6 - رغم ان المجتمعين كانوا من اعيان البلد ومن الاجانب . . فان هذه " الجمعية الصحية " لا يتولى مهامها الا من كان من " رعايا تونس"؟ ولا بد ان توافق على تأسيسها " الدولة المحمية التونسية " ؟

