الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات, السائح والترجمان

Share

طبع دار المكشوف - بيروت - 1964

اهدانا الاديب اللبنانى الكبير توفيق يوسف عواد نسخة من آخر مؤلفاته " السائح والترجمان " وعي مسرحية من نوع طريف تذكرنا " بالسد " تجرى ودائها - ان صح التعبير - فى بعلبك واشخاصها ؛ السائح والترجمان والنحات و . . صوت الزمان ورجل المريخ . وراينا - تعريفا بها في تونس وتقدوا للكاتب ان ننشر الرسالة التى بعث بها المؤلف الاستاذ ميخائيل نعيمة وهي مؤرخة فى 6 نيسان 1964 . مع شكرنا للكاتب وعبارات اعجابنا . " الفكر "

اخي توفيق :

عدت - وانت ، ال "عواد" - الى توفيق الذى عرفناه فأحببناه فى " الصبى الاعرج " و " الرغيف " و " قميص الصوف " . وكانت الفترة التى انقضت ما بين هجرتك وعودتك طويلة الى حد ان كدنا نيأس من عودتك . وكيف عدت ؟

عدت وكأنك لم تبرح الحلبة ابدا . فها هو مولودك الجديد - " السائح والترجمان " - بين يدى . وهو يشهد بأن الحرارة في قلمك هى هى . والنقمة على البطئ والفاسد والتافه فى حياتنا هي هى هى . واللجاجة فى طلب الاسرع والاصلح والاثمن هى هى . وما الفارق الا في انك نقلت همك بالانسان من المسرح اللبنانى الى المسرح العالمى حيث تحاول ان تجعله يعطى حسابا من نفسه يبرر به وجوده كانسان .

شئت لمولودك الجديد ان يكون حوارا . فاذا كان تمثيلية فانها لتعتمد الكلمة والصورة اكثر من اعتمادها الحادث والحركة . وفي ذلك ما قد يقلل ما قيمتها كتمثيلية . ولكنك عوضت عن ذلك النقص الى حد بعيد باختيارا " الجو " الذى يجرى فيه الحوار . ثم ينقلك السائح من حالة بشرية سوية او حالة تتتجاوز زحدود الوعى السوى . وذلك بتنشيقه نوعا من المخدرات . وهكذا

استطعت ان تخلق " النحات " و " صوت الزمان " و " رجل المريخ " وان تجرى بينهم وبين " السائح " حوارا تحمله ما شئت من الاحاسيس والافكار

فى خرائب بعلبك وحدها ما يزود خيال الناظر اليها باجنحة تمضى به بعيدا جدا فى متاهات الزمان والمكان . فكيف بذلك الخيال اذا اسعفته بنشقة من الكوكايين او الهيرويين ؟ ثم كيف به اذا رحت تبدل فى اوضاعه النفسانية بتبديل اوضاعه المادية ؟ وذلك ما تمكنت منه في الحوار بين السائح والنحات ، والسائح وصوت الزمان . والسائح ورجل المريخ

كانى بك ما خلقت النحات الا لتمثل به الانسان فى تفتيشه المحموم عن الاله الذى يستطيع ان يحد نفسه فيه فيطمئن اليه . فهو لا ينفك يخلق الآلهة ثم يحطمها لانه لم يهتد بعد الى نفسه فى أى منها . ان فى اعمق اعماقه ما هو اكبر بكثر ، وابعد بكثير من كل ما توصل اليه حتى اليوم بيده وفكره . انه لم يبلغ بعد " نقطة الدائرة " - ذلك المحور العجيب الذي عليه يدور الزمان والمكان بكل ما فيهما من متناقضات . اما هو فثابت لا يدور لانه خارج الزمان والمكان وفوق الخير والشر وجميع المتناقضات

ثم كأني بك ما خلقت رجل المريخ الا لتجعل منه هدايا للسائح الى نقطة الدائرة . والسائح عندك يمثل كل انسان . اما رجل المريخ فيمثل الانسان المنفتح على الآله السرمدى فى نفسه . وهذا الانسان يبنى من نفسه هيكلا بدديعا يتناسب وعظمة الاله فى نفسه :

" فى وحدة للوجود

لا تعرف السدود

ولا الحدود

موصولة الاجيال

مشدودة الآمال

مربوطة الآجال

بالخلود

ونعبد فيه الاله الجديد

منه انفطرنا

ومنا انفطر

عنه انشطرنا

وعنا انشطر "

فى " السائح والترجمان " مقاطع لا يمل القارىء ترديدها لما انطوت عليه من جمال السبك وحدة الفكر والعاطفة . ولعل ابرزها ما جاء على لسان " صوت الزمان " فى وصف تماثيل بعلبك المهشمة  (ص 49) ووصف " مخدع الحب " (ص 60 ) ووصف العمال المسخرين الذين لولاهم لما قام حجر فوق حجر في هياكل بعلبك ( ص 74 ) . ثم فى وصف الآلهة التى عبدها الانسان فلم ينله من عبادتها الا العبودية (ص 113) . وفى وصف الهيكل الجديد الذى سيبنية الانسان المنعتق من ازدواجيته وما تخلقه من اوجاع واوهام (ص 144).

وفي الكتاب لفتات تباغت القارئ بالسرعة التى بها تنقله من جو الى جو دون اقل تمهيد . مثلما فيها لفتات تضنيه بكثافة رمزيتها . الا انها لا تعوقه فى السير معك الى النهاية التى تنشدها .

ان " ضربة المعلم " فى " السائح والترجمان " هى ، من غير شك ، فى انتقائك خرائب بعلبك مسرحا له . ثم هى فى ذلك التشوق السحرى الذى قدمته الى السائح بعيد دخوله الخرائب فاستطعت ان تنقله الى واقع غير الذى يواجه كل سائح عند دخوله " القلعة " وخروجه منها : باعة مزعجون بجلبتهم وبما يعرضون من تافه المتاع للتذكار . حتى اذا انتهى فعل التشوق عدت بالسائح الى الواقع البليد عينه الذى وجد نفسه فيه فى بدء سياحته . وهذان الواقعان - واقع الوعى وواقع ما وراء الوعي - يلتقيان عندك على صعيد واحد من الزمان والمكان . فكأنك تسأل القارىء : اى الواقعين يا صاحبي هو الواقع ؟ وجوابك صريح لا شك فيه : انه الواقع الذى وراء ما درجنا على اعتباره واقعا .

لست اريد ان يفوتنى التنويه بما فى الكتاب من جميل " الاخراج " وعلى الاخص فى نسخه الممتازة التى تكرمت على بواحدة منها . انها نسخة مسرفة فى الاناقة .

دعنى ، فى النهاية ، اجدد تهانى لك " بسلامة العودة " راجيا ان يكون فيها خير كبير لك وللادب الذى يعتز بك واحدا من ابنائه الاوفياء .

اشترك في نشرتنا البريدية