شاعرة بالسليقه :
فاطمة الدريدى شاعرة تونسية رقيقة أهم ما يميزها تلك النزعة الرمانسية التى تغلف روحها وتمتزج بحسها وتحملها على أجنحتها الهائمة الى عوالم مليئة بالاطياف والرؤى والذكريات ، تجاربها الشعرية عفوية محدودة ، ربما لانها ما زالت فى ميعة الصبا وضحوة الشباب ، الا أن ديباجتها مشرقة وصياغتها الشعرية جيدة وحرصها على اختيار الالفاظ الموحية واضح ، واهتمامها بالجرس الموسيقى الهادي لا تخطئه الأذن .
تقول عن نفسها : إنها منذ نشأتها ومنذ أن بدأت تعى الاشياء والشعر يجرى فى دمها وفى شعورها دون أن تمارسه كتابة ، وأن شغفها بالشعر وقراءته نشأ قبل ان تعرف الأوزان ( 1 ) فهى اذن شاعرة بالسليقة موهوبة بالفطرة ، أحست بدغدغة الشعر وأخيلته وتراكيبه وأساليبه وانغامه وموسيقاه قبل أن تمارسه أو يستقيم لها الوزن ، لا تفتعل ولا تتصنع ، ذلك أن الشعر بالنسبة لها احساس عميق تحاول أن تعبر من خلاله عما تكنه نفسها ويحس به قلبها من مشاعر وعواطف وأحاسيس وانفعالات ، دون رياء أو زيف أو مغالطة.
وتتحدث شاعرتنا الواعدة عن المؤثرات التى تركت بصماتها فى نفسها فتقول : " إن التأثر الكبير أو الدافع الذى يجعلنى أعبر هو مجال الطبيعة فتكثر كتاباتى فى الخريف ومن الممكن أن أستمد تجاربى من تجارب الآخرين ، من أصدقاء وصديقات لأعبر عنها بالكلمة أو بالحرف " ( 2 ) .
موسيقى الشعر :
والجدير بالذكر هنا ، أن شاعرتنا حريصة على الوزن والتفعيلة ، فالشعر بالنسبة اليها هو الشعر الموزون وان كان يتخفف أحيانا من قيد القافية ، ومن هنا فهى - كما تقول - تؤمن بالشعر الحر الخاضع للتفعيلة لان الشعر مهما لكن فهو شعر ويجب أولا وقبل كل شئ أن يكون بالجملة الموسيقية ، أما القافية فلا تهم ، ومن هنا فهى أيضا تحبذ الشعر الحر ولا تعزف عنه لأن الشاعر يجد فيه المجال رحبا واسعا للانطلاق والتعبير عن أفكاره بسبب عدم تقيده بالقافية .
ومما لاشك فيه أنه مما يحمد للشاعرة ويحسب لها حرصها على الوزن ، خاصة بعد أن اجتاحت الشعر موجة رعناء لا تمت اليه بصلة ولا تعرف طريقها الى أوزان الخليل وبحوره ، فنحن معها فى احتفالها بالوزن وحرصها على موسيقى الشعر سواء فى ذلك موسيقاه الخارجية المتمثلة فى التفعيلة أو موسيقاه الداخلية المتمثلة فى تناغم الكلمات وتساوق الحروف ، فالشعر ان لم يهز الوحدان بموسيقاه فقد أهم عناصره ومقوماته ولا يعد بحال من الأحوال شعرا مهما انطوى على رؤى أو أخيلة شعرية ، وكثير من الشعر العربى المعاصر فقد أهميته وعذوبته لفقدان عنصر الاثارة الموسيقية فيه بسبب تحلل كتابه - ولا أقول شعرائه - من الوزن ( 3 ) .
النزعة الرمانسية فى شعر فاطمة الدريدى :
وفى هذا المقال نتحدث عن بعض الملامح البارزة فى شعر فاطمة الدريدى ولعل أول ملمح أن يكون تلك الروح الرمانسية التى تسرى فى شعرها سريان الماء فى العود الاخضر.
ولقد سئلت الشاعرة عن اللون الذي تميل اليه فقالت "لعل الشعر الوجدانى أن يكون هو أصدق أنواع الشعر " ( 4 ) ، وهى بهذه الاجابة تعلن بوضوح عن مذهبها فى الشعر وعن جنوحها الى النزعة الرمانسية بكل ما تحمل هذه النزعة فى طياتها من طابع الذاتية والتجارب الباطنية والاهتمام بالمرائى
الجمالية والتعبير عن الرغبات المكبوتة والشعور بالحرمان والتوحد ، واستلهام الليل واجترار الذكريات ، والارتماء فى أحضان الطبيعة والاتصال بها والاندماج فيها وغير ذلك من سمات النزعة الرمانسية . كل هذا أو بعضه نلمسه فيما نظمته شاعرتنا .
على أننا نود أن نشير فى هذا الصدد الى أن بعض النقاد قد توهم خطأ أن النزعة الرمانسية فى الادب - شعرا كان أو نثرا - قد خفتت نبرتها ان لم تكن قد تلاش فى هذا العصر الحاضر الملىء بالمشاكل والاقضية الاجتماعية والاخلاقية والسياسية والاقتصادية ، تلك المشاكل التى جعلت الانسان المعاصر يشعر بالقلق والحيرة والضياع والغربة وبأنه مسحوق ومطحون تحت وطأتها بحيث لم يعد يهتم بغير ايجاد حلول لما يواجهه من مشاكل الحياة ، وبالتالى الانصراف عن النزعة الرمانسية والدعوة الى التزام بقضايا الانسان المعاصر فى الادب والفنون .
وهذا وهم كبير وخطأ شائع ، لان الانسان فى أى مكان أو زمان هو الانسان بروحه وجسده ، بقلبه وعقله ، بظمئه الروحى واحتياجاته المادية ، فليس بالخبز وحده يحيا الانسان ، وليس بالآلة وحدها يصنع الحياة ، ومن هنا فان الانسان فى حاجة دائمة ومتجددة الى ما ينعش روحه ويثير عواطفه ويحرك مشاعره وينبه أحاسيسه ويوقظ أحلامه ويدغدع طموحاته ، ولا أدل على ذلك مما نراه حاصلا الآن من سقوط كثير من ألوان الادب المتستر وراء قضية الالتزام وانصراف الناس عن استساغة هذا اللون من الادب أو تذوقه ، والدعوة الى العودة الى الروح الرمانسية بكل أصالتها وصفائها ونقائها .
ونحن نتفق مع شاعرتنا فاطمة الدريدى عندما قالت " أعتقد أن الناس بدأوا يرجعون الى الحقل الشعرى وأكبر دليل أنهم بدأوا يرجعون الى الاقلاك الرومانسية والى القصائدا الرقيقة المشهورة ، وأحسوا أن الجو الشاعرى والحس الشاعرى لا غنى للانسان عنهما لان العصر الحديث عصر الصخب والاعصاب المشدودة والتكنلوجيا والضجيج ، فالنفس البشرية تهفو الى كلمة صادقة ناابعة من حس وشعور أى انسان فما بالك بانسان شاعر ؟ " ( 5 ) . وعلى كل فهذه قضية اخرى لا مجال للخوض فيها فى هذا المقال .
الشعور بالغربة :
من ملامح النزعة الرمانسية فى شعر فاطمة الدريدى شعورها بالغربة واحساسها بالحيرة والتوحد ، ومما لا شك فيه أن الشعور بالغربة شعور قديم واحساس وجد قبل أن تعرف الرمانسية كمذهب ادبى ، فالمتنبى عندما يقول :
انا فى أمة تداركها الل ه غريب كصالح فى ثمود
انما يعبر عن احساسه بالغربة بين قومه وشعوره بالتوحد بين معاصريه ، ولكن الشعور بالغربة فى العصر الحديث أصبح فكرة جديدة ترتبط بطبيعة العصر الذى نعيش فيه وهى أنه عصر القلق والوحدة والضياع فى زحام الحياة .
وقد عبرت شاعرتنا عن هذا الشعور فى قصيدتها " الموت حرقا فوق شفاه حانية " ( 6 ) .
ادور فى دوامة الغربة تأكلنى دوائر الحيرة
وهي تتحدث فى قصيدتها " فى متاهات النوى " عن اغتراب القلب فى موطبه فتقول :
ذلك الحرف الذى علمنى
ما الاغتراب ؟
ذلك الحرف الذى أغلق دونى
ألف باب
منذ ن رحت وسافرت ..
فأيامى اكتئاب
استلهام الليل :
أما الملمح الثانى من ملامح النزعة الرمانسية التى تغلف شعر فاطمة فهو هيامها بالليل بكل ما يوحى به من أخيلة وأفكار واستلهامها اياه بما يخيم عليه من ظلام وسكون . ولعله أن يكون غنيا عن البيان ان لليل عند الشعراء سحرا وأى سحر ، وقد اهتم كثير من النقاد المحدثين بالكشف عن الاعماق الشاعرية عند كبار الشعراء من خلال عنصرين أساسيين هما الزمان والمكان . ويمثل الليل واحدا من عناصر الجمال ويعتبرون الليل مفتاحا لمجموعة من التسميات عند هؤلاء الشعراء تشمل ضمن ما تشمل الظلام واللون الاسود
والظلام والبرد والعمق والسكون والسهر والقلق والالم والموت وغير ذلك من التسميات المستوحاة من عالم الليل (7).
وقد احتفلت شاعرنا بالليل أيما احتفال بل انها تقول : " إن أغلب قصائدى كتبت بالليل . فالليل يعنى بالتعبير الشاعرى السكون والصمت وكل المعانى الجميلة تتوفر فيه وتفسح لى المجال لان اكتب "( 8 ) .
وقد عبرت عن ذلك فى قصيدة " فى متاهات النوى " فقالت :
كلما خيم ليل
فجر الايحاء صمت الذاكره
وهفت نحو جراحاتى القديمه
مسحة الحزن الاليمه
برؤاها الغابره
وهى فى الليل تحترق كالشمعة وتعانق الاطياف وتلتقى عيناها بالحلم الجميل ويتأجج شوقها فتقول :
فأنا اشتعل الليله
كالشمعة فى الدمع المذاب
منذ أن بت باغوار الدياجى
ساهره
كلما خيم ليل
التقت عيناى بالحلم الجميل
تفحة شعرية في وحشة الليل البخيل
تملأ الليل غناء
كلما عانقت أطياف الهوى
كلما تهت مع الاحلام في سير طويل
وأنا احترق الليلة
كالشمعة فى ضوء النهار
يها الطيف الذى يحتل فكرى
فأنا التهب الليلة فى أعماق سرى
أبدا لن يطفئ الشوق الكبير
شوق عمرى !
العاطفة المشبوبة :
واذا كانت النزعة الرمانسية عند بعض الشعراء تتجه بهم الى الشعر العاطفى المشبوب وتحملهم على التعبير عن الخواطر الحسية المصاحبة للآلام ،
فان شاعرتنا صادقة مع نفسها أبعد ما يكون الصدق عندما تقول من قصيدة " التيه فى قوافل الريح " ( 10 ) .
معذبى والقتل غاياته
فى دقة الجرم تفننتا
من أين آتيك بما تشتهى
وكل ما فى قبضتى نلتا !
وتتجاوز الشاعرة تلك الخواطر والانفعالات المشبوبة الى خواطر وانفعالات أخرى أعلى نبرة وأشد تأججا واشتعالا فتقول من قصيدة " عاشق الرفض ورافض العشق " ( 11 ) .
بعمق مشاعرى الثملى
أحس بدافع مغر
يحول زهر ريحانى
الى حقل من الدفلى
ويدفعني بأن أصبو
للحظة متعة جذلى
بلذة ساعة الخلق
سأسحق زيف أوهامى
وأشرح دون تضليل
حكاية زارع الشوق
وتزيد شاعرتنا هذه النبرة ارتفاعا فى قصيدة " الموت حرقا فوق شفاه حانية " فتقول :
أتوق فى غيبوبة بلهاء
لساعة التلهف العذبه
للموت حرقا
فوق أحلى شفة حانيه
فى اللحظة الحاسمة الملتهبه
وبعد ... فان فاطمة الدريدى شاعرة واعدة تشى سليقتها الشاعرة وموهبتها الاصيلة بالعطاء الكثير وهي وان لم يكن قد صدر لها سوى ديوان واحد كل قصائده من تجارب ما قبل العشرين ، فاننا نأمل أن تغرس فى خميلة الشعر زهورها الرقيقة بأشكالها المختلفة وألوانها المتعددة وأشذائها المتنوعة .
