ليس من السهل أن يشق الباحث العربى اليوم اليوم طريقه الى البحث العلمى الموضوعى فى تراث العرب بعد حركة الاستشراق التى ننكر عليها قلة التعمق حينا وقلة الاخلاص حينا آخر ، مع أننا لا ننكر عليها دورها الكبير فى تنشيط البحث فى بعض وجوه العطاء الفكرى الذى أفرزته الحضارة العربية فى تاريخها الطويل ، وقدمته الاجيال العربية المتلاحقة للانسانية فى هذا الميدان
وليس من السهل عليه أن يصرف همه الى ذلك المشغل بعد تقاليد البحث الذاتية التى أرستها البحوث المتفرقة الشاملة أو الجزئية والتي أنجزها بعض العرب أنفسهم ، وما زالت تستنزف - على غير أسس قويمة - طاقاتهم .
فقد ارتكب بعض رواد الحركة الاولى أخطاء جوهرية فى حق حظ العرب من التفكير لا يدركها الا من عالج النصوص ، وسبر الاغوار ، وأخلص للعلم ووفق فى الاجتهاد ، وقد غفل كثير من رواد الحركة الثانية عن حقائق الاشياء
بسبب الخلل فى منهج العمل ، فقل من سلك سبيل الموضوعية منهم أو بحث فى الامور بتجرد
يصعب اليوم اصلاح الخرق وقد اتسع واستئصال الداء وقد استفحل ولكن ذلك - مع بذل الجهد - لا يستحيل .
إن من واجب الباحث العربى اليوم اليوم أن يقف_ ولا سيما فى الآداب والعلوم الانسانية - أمام تحديات عديدة تشكل خطرا على مستقبل البحث في تراث العربية ، منها ما يلاحظ من تجاهل أو جهل لعطاء الامة العربية فى بحوث الذين يتقدمون للبحث فى الفكر البشرى من غير العرب أو المستشرقين ومنها ايضا ما يظهر عند بعض العرب أنفسهم من ضعف العزيمة على مواصلة البحث فى الآداب والعلوم الانسانية أمام بهرج الغزو التكنولوجيا ، ومادية العلوم " الصحيحة " كما لو كان البحث فى الفكر والجماليات من بذخ الصنعة والكماليات
ولكن أعظم أخطار ذلك على الاطلاق مضانة فى بحوث فئة من المستشرقين يعوزها تدقيق النظر ، وفي تقاليد البحث التى استتبت عند فئة من العرب يعوزها تقويم منهج العمل .
وتندرج حركة البحث فى التفكير السياسى عند المسلمين والعرب التى بعثها برؤية جديدة الاستاذ الكبير أحمد عبد السلام ، فى نطاق خطة نضال من أجل إحياء تراث الامة العربية وابراز خصائصه على الوجه الذى يستحق .
وقد سخر الدكتور أحمد عبد السلام لذلك منذ سنوات عديدة جهدا متواصلا فى البحث والتدريس ، فى كلية الآداب وفي مركز الدراسات والابحاث الاقتصادية والاجتماعية بتونس ، كما بادر فى المركز المذكور بخلق أولى حلقات البحث فى لغة التفكير السياسى عند العرب والتواضع للمشاركة فيها كعضو من أعضائها . وهو يشرف اليوم على مجموعة من البحوث يقوم بها الطلبة وتتصل بهذا الموضوع .
وقد طالعتنا الشركة التونسية للتوزيع - منذ أسابيع - بكتاب الدكتور أحمد عبد السلام " دراسات فى مصطلح السياسة عند العرب " متضمنا مجموعة من البحوث كان المؤلف انجزها فى نطاق برامج مركز الدراسات والابحاث الاقتصادية والاجتماعية ، وأخرجها فى هذا الكتاب مبوبة متسلسلة
تسلسلا يدل على أنها وإن كانت فى أصل وضعها تمثل حلقات منفصلة بنية وزمنا ، فانها منسجمة ومتصل بعضها بالبعض الآخر مما يبين أنها أعمال تندرج في نطاق خطة نضالية معينة وبرنامج علمي واسع ، ومما يؤكد ذلك ان المؤلف أراد هذه الدراسات المجموعة " حلقة أولى " إذ وعد بأن يتبعها بحلقات أخرى حيث قال :
" فنحن إذ نقدم هذه الحصيلة الاولى من بحوثنا فى هذا الميدان نرجو أن نكون قد ساهمنا فى توضيح جوانب من تاريخ التفكير السياسى فى بلادنا ونرجو كذلك أن نتمكن بحول الله وحسن عونه من إتمام ما بدأناه هنا بدراسة ثانية نوضح فيها إن شاء الله جوانب أخرى من ذلك التفكير اعتمادا على مؤلفين آخرين من كتاب السياسة العرب " ( المقدمة ص ٥) .
ويقوم هذا الكتاب على ثلاثة أقسام - أو مقالات - هي بمثابة الدراسات التحليلية المقارنة لمصطلح السياسة عند كتاب السياسة التونسيين من القرن الرابع عشر الى القرن التاسع عشر . وليس هذا العمل مجرد مرحلة من مراحل الكشف عن مصطلح السياسة عند العرب ، وإنما هو مرحلة أساسية فى العلم ، تأسيسية فى مشروع العمل ، ذلك أنها تتضمن تحليلا ضافيا لوضعية المصطلح فى مقدمة ابن خلدون ، وهي - كما بين المؤلف - مصب لتيارات التفكير السياسى التى ظهرت عند العرب فى القديم ، ومنطلق ما كتبه المسلمون والعرب في شؤون السياسية منذ أواخر القرن السابع عشر
أما الكتابان : " أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك " لخير الدين ، و"اتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان " لابن أبي الضياف ، فقد كانا فيها أداتى مقارنة - أساسيتين لا محالة - ولكنهما نموذجان يمكن تعويضهما لتوسيع المعرفة بحقيقة مصطلح السياسة عند العرب في القديم أو الحديث ، ولكن مقدمة ابن خلدون لا معوض لها ، فهى المحور الذى يستقطب ما سبقه ويشع على ما لحقه
وقد جعل المؤلف لهذه المقالات مقدمة عامة ( من ص 3 الى ص 5 ) ، أشاد فى قسمها الاول بمنزلة آراء ابن خلدون فى تاريخ التفكير السياسى واعتبرها همزة وصل بين مرحلتين كبيرتين فى تاريخ الحضارة الاسلامية ، مما يحتم الانطلاق فى دراسة التفكير السياسي ولغته عند العرب من هذا الاثر الفريد
وبين المؤلف في القسم الثانى من المقدمة منطلقاته العلمية واختياراته المنهجية وأهدافه البعيدة بما من شأنه أن يكشف للقارئ طرافة الموضوع ، من ناحية ، وجدة الرؤية ، من ناحية اخرى
أما الاقسام الثلاثة فقد ركزها المؤلف على تتبع سبع مصطلحات لنص " المقدمة "، من جهة ولنصى " أقوم المسالك "و"الاتحاف " من جهة اخرى .
ولكن حظ هذه المصطلحات من التحليل والمقارنة بغيره كان متفاوتا هو واحدها الى آخر بحسب أهمية جريانه فى استعمالات الكتاب الثلاثة ، ومدى ضيق حقله الدلال أو سعته .
هكذا استأثر مصطلح " السياسة " بالقسم الاول ( ص 7-39 ) ، واستتأثر مصطلحا " الملك " و " الدولة " بالقسم الثاني ( ص 41-884) بينما خصص القسم الثالث لمصطلحات أربعة هي : الوازع والعصبية والشورى وأهل الحل والعقد ، ( ص 85-162) .
وقد عاد المؤلف في الخاتمة التى خرج بها من البحث الى ابراز الصلة الموجودة بين المعانى المختلفة التى دلت عليها الصطلحات المدروسة فى الآثار الثلاثة ، وبيان دورها فى التقدم بالباحث شوطا كبيرا نحو فهم التفكير الخلدونى وفهم التفكير السياسى فى القرن التاسع عشر .
وكل ذلك يؤكد ما نص عليه المؤلف فى مقدمة البحث من فائدة تحصل عند النظر الى التفكير السياسى على أنه القاعدة الاساسية لمختلف مظاهر التفكير الاسلامى ، كما يركز القاعدة التى ختم بها المؤلف بحثه وهى :
" ان المصطلحات السياسية لا يمكن أن تدرس في غير إطارها من المشاكل التى عاناها الكتاب والمفكرون الذين التجؤوا اليها " ، ( ص 165) .
ولعل أبرز مظاهر الطرافة فى هذا العمل يكمن فى جمع المؤلف فى بحوثه بين جانبين متكاملين فى القضية : الجانب الفكرى والجانب اللغوى . ولم يكن ذلك لمجرد توسيع العمل وإنما لما لاحظ من تفاعل بين مضامين التفكير وأساليب التعبير ، فكان ينطلق من الواقع اللغوى ثم يتأمل فى
واقع الاستعمال فى النصوص المدروسة حتى يصل الى ضبط الابعاد الفكرية فى القضية وتعيين قيمتها الحضارية .
فعمدة هذا العمل الاساسية النص الحضارى الذى لا يتناول فى مستواه الاخبارى المجرد كما يسير العمل بذلك فى البحوث التقليدية ، وإنما يتناول فى مستواه الايحائى أيضا ، أى من هو دال بواسطة إمكانيات الاداء فيه أو لا وقبل كل شىء ، لا بواسطة لبنات الافكار الظاهرة فحسب .
والانطلاق فى بحث النصوص من الظاهرة اللغوية منهج فى العمل ، أقرته اللسانيات وبرهنت الدراسات الحديثة على نجاعته وضرورته لا بالنسبة الى الابحاث التى تعنى باللغة فحسب بل بالنسبة الى الابحاث التى تعنى بشؤون الفكر أيضا .
غير أن الظاهرة اللغوية فى بحوث الدكتور أحمد عبد السلام كانت منحصرة فى اللفظ الاصطلاحى . وليس فى ذلك غرابة اذ المصطلح الفنى إن كان يمثل الاطار العملى الادنى الذى يعلق به معنى ، فهو الاطار العلمى الاسمى الذى بعكس مدى النضج الذي يبلغه التفكير ، والتجريد الذى يبلغه التنظير .
فيحق لنا بمقتضى ذلك أن نعد هذا العمل نواة لوضع معجم تاريخي مختص فى لغة السياسة عند العرب .
واعتقادنا الاخير هو أن كتاب الدكتور أحمد عبد السلام يبشر بنهضة قويمة فى ميدانى البحث اللغوى والبحث الحضارى فى العربية .
