( الحلقة الثانية عشرة )
٣ - بلاد الروم : (١)
لقد كانت بلاد الشام ومصر وافريقية الشمالية - قبل ظهور الاسلام - تخضع لحكم أجنبى متمثل فى الدولة البيزنطية ، أو الدولة الرومية الشرقية .
ولقد كانت الروابط الفكرية والحضارية في بلاد العرب الصق ببزنطة منها بفارس ، خاصة وقد أمست الامبراطورية البيزنطية تدين بدين سماوى له صلته بالدين الاسلامى(٢) .
من هنا يظهر لنا ان القاء الضوء على حضارة هذه الدولة شئ مهم ، اذ قد يعطينا
(١) لدراسة أحوال بلاد الروم من جميع النواحى ، انظر المراجع التالية :
أ - هامرتن ، تاريخ العالم ، المجلد الرابع .
ب - ويلز ، معالم تاريخ الانسانية ، جـ ١ وجـ ٢.
د - ديورانت ، قصة الحضارة ، الاجزاء ١١،١٠،٩.
د - أحمد حسين ، تاريخ الانسانية .
هـ- د . سعيد عاشور . أوربا العصور الوسطى
فكرة واضحة عن معالم ذلك العصر ، والارهاصات التى بشرت بخروج وظهور الرسول العربى الكريم ، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
أ - الناحية السياسية : لست فى مقام دراسة أحوال بلاد الروم دراسة تفصيلية وانما أريد ان أعطى هنا صورة مصغرة وسريعة لحال تلك الدولة ، تساعد فى القاء الضوء على تاريخ البشرية قبل ظهور الرسالة المحمدية ، وما كانت تعيش فيه من فوضى واضطراب
فبلاد الروم - وأعنى بها الامبراطورية الرومانية - كانت من أعظم الوحدات الحضارية والسياسية التى عرفها التاريخ البشرى ، ( فلقد ضمت هذه الامبراطورية بين حدودها جميع مراكز الحضارات القديمة - باستثناء فارس والهند - وذلك عندما بلغت أقصى اتساعها على عهد الامبراطور تراجان (٩٨-١١٧) . وقد امتدت الامبراطورية الرومانية عندئذ من المحيط الاطلسي غربا حتى الفرات شرقا ، فشملت فى الغرب البلاد المعروفة باسماء بريطانيا وغاليا وايبريا وايطاليا واليريا فضلا عن شمال أفريقية من المحيط الاطلسى حتى
طرابلس ، في حين شمل الجزء الشرقى من الامبراطورية البلقان وآسيا الصغرى وأعالى بلاد النهرين فضلا عن الشام ومصر وبرقة .
هذا مع ملاحظة ان نفوذ روما امتد بعيدا الى ما وراء حدودها السياسية ، حتى بلغ فارس والهند ، وتطرق الى النوبة والسودان، ونفذ الى جوف الصحراء الكبرى عبر جبال أطلس ، كما بلغ الشعوب الجرمانية الضاربة فى مجاهل اوروبا شرقى الراين وشمالى الدانوب .
وترجع عظمة الامبراطورية الرومانية إلى ان السلطة المركزية فيها استطاعت ان تحكم سيطرتها على هذه المساحات الجغرافية المترامية الاطراف ، وعلى تلك الشعوب والامم المتباينة الاصول والحضارات ، الامر الذى تطلب من الحكومة الرومانية اصدار قوانين وتشريعات تناسب ذلك العدد الضخم من الشعوب التى اختلف بعضها عن بعض فى تراثها التاريخى وحضارتها ولغاتها ودياناتها . وتبدو هذه العظمة فى مقدرة امبراطورية الرومان على استيعاب شعوب عريقة ذات حضارات قديمة كالمصريين واليونانيين ، جنبا الى جنب مع شعوب اخرى حديثة المولد وما زالت فى
فجر تاريخها مثل الغاليين والجرمان (٣) .
وتجدر الاشارة هنا الى انه لا يعنينا - بقدر كبير - فى هذه اللمحة التاريخية ما تعاقب على هذه الامبراطورية من احداث وأهوال . ومن تغلب عليها من الاباطرة العظماء الاقوياء او الحكام الذين اصبحوا ألعوبة فى أيدى غيرهم من الانتهازيين .
( وانما يعنينا انها باتت مع الايام امتدادا لامبراطورية الروم الاولى ، وان من اشهر أباطرتها جستنيان ( ٥٢٧-٥٦٥ م ) وان الذى فتحت الفتوح الاسلامية فى عهده هو هرقل ( ٦١٠-٦٤١ م ) ففى عهد هذا الاخير انضوى تحت لواء الاسلام كل من الشام ومصر وأفريقية ، واستعدت هذه البلدان لتلقى آثار الحضارة الاسلامية العظمى .
( ولو عدنا قبيل الاسلام قرنا الى الوراء لألفينا الدولة البيزنطية فى أقاليمها الشرقية فى حرب دائمة لا ينطفئ أوارها ، ولا سيما مع الفرس ، فمنذ عام ٥٠٢ م شن قباذ الفارسى الحرب على انسطاسيس البيزنطى ، وما زال قباذ يواصل حملاته حتى وفاته فى عهد جستنيان سنة ٥٣١ ، واستمر القتال بين جستنيان هذا وكسرى انو شروان الاول سنة ٥٩١ م ، ثم طال امد الحرب ربع قرن بين كسرى ابرويز الثانى وهرقل منذ سنة ٦٠٢ حتى سمنة ٦٢٨ . ومن الغريب ان تلك الوقائع كانت تتكرر دون ان تدعو الى مبدأ ، ودون ان تقرر شيئا ، فلم
يكن وراءها غاية ، وانما كانت كالداء العضال مدعاة للاسى العميق (٤) .
نظام الحكم : ولقد اصبحت الدولة الرومية - منذ صارت أمبراطورية فى عهد أغسطس سنة ٣١ ق.م - ذات نظام حكم استبدادى اوتوقراطى يعول على سلطة الحاكم الفرد المطلق وكان هذا النظام يفرض تجمع السلطة كلها فى يد الامبراطور الذى أصبح فى نظر البيزنطيين ذا صفة الهية .
وما كادت هذه الامبراطورية تتحول إلى المسيحية حتى أضحى الامبراطور في نظرهم معينا من قبل الله ، مختارا منذ ميلاده للسيطرة على البشر ، لا معقب لحكمه لانه ينفذ ارادة السماء ، ولعل أدق وصف لنظم الحكم فى تلك الامبراطورية انها كانت - كما قال يور : (( قيصرية بابوية )) .
( والتفويض الالهى فى شؤون المال من أوضح الامارات الدالة على مدى تسلط الامبراطور وسيطرته على مقدرات الدولة كلها : فان الامبراطور نفسه - مستعينا ببعض مستشاريه ان شاء - هو الذى يقرر لكل ولاية ما تحتاجه للعام القابل من نفقات ، وعلى حكام الولايات تقسيم ما يخص كل اقليم ، حتى ينتهى الامر الى السلطات المحلية الصغرى فى كل قرية ، وتوجيهات الامبراطور تنفذ فى جميع هذه التقسيمات المعقدة الدقيقة على أكمل الوجوه ، لأن الادارة البيزنطية ( البيروقراطية ) التى تقوم على تنفيذها خاضعة فى أتفه الامور لاشراف الامبراطور نفسه أو لوال معين من قبله كان يدعى (( الايديولوغوس )) (٥) .
استمدتها من جيرانها سواء من اليونان أم من الشرق أم من غيرهم ، وانما يعنينا بقدر كبير حالتها الدينية منذ أعلن الامبراطور قسطنطين الاكبر سنة ٣١٣ م مرسوم ميلان معترفا فيه بالديانة المسيحية كاحدى ديانات الدولة المتعددة فى ذلك الوقت .
( ومهما يكن من أمر فان مرسوم ميلان سنة ٣١٣ م جعل من المسيحية ديانة مرخصابها كما ساوى بينها وبين غيرها من الديانات الأخرى داخل الامبراطورية الرومانية بحماية أرواح المسيحيين وممتلكاتهم ، اسوة ببقية رعايا الامبراطورية . ومن هذا يبدو ان سياسة قسطنطين الدينية تمثل حلقة انتقال ، كما انها تعبر عن تطور فكرى أكثر من تعبيرها عن تحول روحى . ذلك انه تسامح مع المسيحيين فى الوقت الذى لم يضطهد الوثنيين ، وعن هذا الطريق حاول ان يمسك العصا من وسطها ليحقق نوعا من التوازن بين المسيحية والوثنية . والواقع ان عهد الامبراطور قسطنطين يمثل عدة تيارات دينية متضاربة ، اذ لم يقتصر فيه الوضع على التطاحن بين المسيحيين والوثنيين ، بل انقسمت المسيحية الناشئة على نفسها بين أريوسين واثناسيوسين ، مما جعل كل فريق يعمل للفوز والحصول على أكبر قدر ممكن من الامتيازات على حساب المذهب الآخر . وهنا وجد قسطنطين فرصته فحاول ان يرضى الجميع دون ان يغضب فئة أو مذهبا . وهكذا اعترف قسطنطين بالمسيحية بمذهبيها دون ان يتنكر لديانة الدولة او يتخلى عن عبادة الامبراطور التى كانت مصدرا اساسيا لقوة الاباطرة ونفوذهم .
وبعبارة أخرى فان قسطنطين اختار ان يقيم قوته السياسية على ثلاثة دعائم رئيسية هى العاده الامبراطورية والعقيدة الاريوسية
والعقيدة الاثناسيوسية ، كما يتضح ذلك من سياسة الامبراطور وتصرفاته . ذلك انه احتفظ بالعبادة الوثنية القديمة وبرجالها ومعابدها وطقوسها ، كما احتفظ كأسلافه الاباطرة بلقب الكاهن الاعظم (٦) .
( ولقد شهدت المسيحية منذ أوائل عهدها خلافات مذهبية خطيرة كان لها اثر عظيم فى تاريخ الشرق والغرب جميعا . وربما يبدو من الانسب فى كثير من الاحيان الابتعاد عن الخوض فى هذه الخلافات والمشاكل الدينية فى دراسة تاريخية كالتى نقوم بها ، ولكننا عندما نجد العالم يتحكم في توجيه التيارات السياسية بل فى تغيير مجرى الاحداث التاريخية - كما حدث فعلا فى القرنين الرابع والخامس - نرى أنفسنا مضطرين الى الاشارة إلى مختلف وجهات النظر الدينية حتى نستطيع فى ضوئها ان نتفهم ما ترتب عليها من احداث سياسية وهنا نلاحظ ان الخوض فى المسائل اللاهوتية لم يقتصر فى القرن الرابع على رجال الدين، وانما كان أمرا مباحا وموضوعا مفتوحا امام الجميع . وخير شاهد فى ذلك ما كتبه القديس جريجورى أسقف نيسيا NYSSIA ( ٣٤٠-٤٠٠ ) عن القسطنطينية ، اذا يصف العمال والعبيد فى هذه المدينة بأنهم جميعا من المشتغلين باللاهوت ، فاذا قصدت صرافا لاستبدال قطعة نقود اوقفك ليروى لك اوجه الخلاف بين الابن والاله الاب ،
واذا سألت صاحب مخبز عن سعر الرغيف ضمن رده عليك بان الابن يجب ان يكون دون الاله الاب ، واذا طلبت من الحمامى ان بعد لك الحمام اجابك بان الابن وجد من لا شئ . .
( أما المشكلة الكبرى التى قسمت المسيحيين وبالتالى العالم الرومانى الى معسكرين ، وأثارت البغضاء الدينية والسياسية بينهما لمدة قرنين من الزمان ،
فكانت مشكلة تحديد العلاقة بين المسيح الابن والاله الاب . ذلك انه حدث خلاف بين اثنين من رجال الكنيسة بالاسكندرية حول تحديد هذه العلاقة ، فقال اريوس - وهو كاهن سكندرى مثقف - بأن المنطق يحتم وجود الاب قبل الابن ، ولما كان المسيح الابن مخلوقا للاله الآب - على زعمهم -
فهو اذا دونه ولا يمكن بأى حال ان يعادل الابن الاله الاب فى المستوى والقدرة . وبعبارة اخرى فان المسيح المخلوق لا اله بمعنى هذه الكلمة المطلق ، والا فان المسيحيين يصبحون متهمين بعدم التوحيد وبعبادة الهين . أما اثناسيوس فقال : ان فكرة الثالوث المقدس تحتم بأن يكون الابن مساويا للاله الاب تماما فى كل شئ بحكم انهما من عنصر واحد بعينه ، هذا وان كانا شخصين متميزين ،
ويبدو ان الاثناسيوسيين ادركوا ان
المسيحية تعتمد فى دعوتهما على مكانة المسيح وان اى اتجاه نحو التقليل من مركزه يؤدى الى اضعاف الدعوة المسيحية . وهكذا كان انصار اثناسيوس من الثالوثيين في حين كان أتباع اريوس من الموحدين. ومن الواضح ان المذهب الاريوسى كان يتفق ومنطق المثقفين لانه أراد ان يقيم العقائد المسيحية على أساس من المنطق والتعقل ، فى حين كان المذهب الاثناسيوسى يتفق وتفكير عامة الناس من البسطاء الذين يحكمون عواطفهم قبل عقولهم . وهنا نلمس اثر الفوارق الحضارية بين الشرق والغرب ، اذ لم يلبث ان ساد المذهب الاثناسيوسى فى بلاد الغرب اللاتينى فى حين اصبحت الغلبة فى الشرق الهلينى للمذهب الاريوسى . هذا فضلا عما نلحظه من ان معظم المفكرين والفلاسفة والادباء كانوا أريوسيين موحدين فى حين كانت معظم الطبقات الوسطى والدنيا التى انتمى اليها رجال الدين من الاثناسيوسيين (٧) .
البقية في العدد التالى )
