الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

مظاهر الحضارة الاسلامية, (بقية الحلقة العاشرة )

Share

شروط الحضارة :

ولكى تقوم حضارة ما في مكان ما يستلزم ذلك شروطا أساسية يجب توافرها حتى تقوم الحضارة وأهم هذه الشروط :

أن يكون المجتمع قد أصاب حدا ادنى من السيطرة على طبيعة محيطه وعلى طبيعته البشرية ، فالطبيعة بذاتها لا تكون الحضارة ، وسواء باعتبارنا طبيعة الارض أم طبيعة الانسان ، فان هذه أو تلك لا تعدو ان تكون مادة أو مكانا . أما الحضارة فهي فعل فيهما وحصيلة هذا الفعل . ولذا فالمجتمع الذي يكون خاضعا لمحيطه الطبعي أقصى الخضوع والذي يسير أفراده بدافع السليقة والشهوة يظل قاصرا عن مرتبة الحضارة .

ولسنا نجد مجتمعا ، مهما يكن همجيا أو بدائيا ، خاليا كل الخلو من أى اثر فى محيطه الطبعي أو من أية رابطة تربط أفراده فالانسان لم يتولد ولم يرتفع الى مرتبة الانسانية الا بتولد هذه الآثار والروابط .

لقد سعى الانسان ، منذ انبثقت انسانيته ، الى دره عوارض الطبيعة عن نفسه ، فنزل الكهوف واكتشف النار واقتنص الحيوانات واصطننع بعض الادوات والآلات ، ومنذ ذلك الحين القصى شعر ببعض الروابط التى تربطه بمن حوله وانتظم في أسر أو فيما يشبه الأسر . وفي هذا كله .

بقدر ما يمثل من بداءات الفعل فى المحيط الطبعي وفي الذات الانسانية ، بذور للحضارة ، فاذا تفتحت هذه البذور بعض الشئ ، وأزهرت فى انتاج طبعي له صفة الاستمرار والتراكم في نظم بشرية قائمة على قدر معين من التعاضد والتعاون ، اتخذ المجتمع عندئذ سمة الحضارة ودخل فى نطاق المجتمعات المتحضرة .

ومن مظاهر هذا التفتح الاستقرار وزراعة الارض وتدجين الحيوانات فالاستقرار أهم شروط الحضارة . ولذا صدق ابن خلدون ، وصدق الحس العربي عامة فى حصر هذه الصفة بالمجتمعات المستقرة واعتبار الحضارة مناقضة للبداوة المتنقلة . والاستقرار مرتبط بمحاولة استثمار الارض بالفلاحة والزراعة . من هنا كان أصل معنى Sulture فى الذهن الغربي ، وارتباطه بزراعة الارض Agriculture فمالزراعة تتطلب الثبات وتقتضى أنواعا من التعاون تفوق تلك التى تقوم فى المجتمعات القنصية أو البدوية . وتؤدى موردا له حظ من الأمن والاستمرار ونتاجا يمكن خزنه للمستقبل ، وتتيح بعض الفراغ لصنع الادوات أو للانصراف الى اعمال لا تنحصر بمجرد تحصيل العيش وحفظ البقاء وبهذا كله تفتح الزراعة امكانات الانسان وتقوى فعله في محيطه وفي نفسه ، فتنمي اهليته للحضارة وتقيم لهذه أساسا وطيدا .

والحضارة تتطلب التعاون الاجتماعى . وفى المجتمع الزراعي يرقى التعاون ، كما قلنا ، عما هو عليه فى المجتمعات التى دونه تطورا . ولكن الحضارة تتطلب مزيدا من هذا التعاون . فالجهود التى انبثقت منها الحضارات التاريخية الاولى ، المصرية ، والبابلية ، والفينيقية وأمثالها - كأنشاء

السدود وحفر الاقنية الواسعة والمتفرعة وتليين الارض الصلدة وركوب متون البحار والافادة من الموقع الجغرافي للمبادلة والمتاجررة هذه وأشباهها تقتضى قدرا من التعاون والتعاضد أو فيما تتطلبه أعمال الزراعة العادية .

وكلما ارتفع هذا القدر ازداد المجتمع تحقيقا لشروط الحضارة واكتسابا لحظوظها والتعاون يقتضى وسائل لتيسيرالاتصال والتعاون . ومن هنا كانت أهمية الكتابة ، وكان اختراعها وانتشارها مرتبطين بنشوء الحضارات وتطورها . فالكتابة اداة فعالة فى تعزيز الاتصال بين افراد المجتمع ، وبينه وبين المجتمعات الاخرى وبتعزيز هذا الاتصال المزدوج يتسع نطاق المجتمع وآفاقه ، وتتفاعل عناصره وهيآته ، ويغدو أقدر على الكسب الحضارى . يضاف الى هذا ان الكتابة أداة ثابتة مثبتة نافذة امفعل فى النقل من جيل إلى جيل . ولما كانت الحضارة تتألف في جوهرها من المكاسب المترامية التى يحرزها الانسان ، فان تلقى المكاسب الماضية وحفظها ونقلها مع المكاسب الجديدة الى الاجيال المقبلة هو نشاط من أهم النشاطات الحضارية . ومن هنا أيضا كان ابتداع الكتابة - وهي الوسيلة الفعالة فى الحفظ والنقل - عاملا بارزا من عوامل التكون الحضارى وشرطا من أوجب شروطه . هذا اذا اقتصرنا على فعل الكتابة فى تيسير الاتصال ، فكيف بنا إذا نظرنا إلى اثرها فى تجسيد الفكر وضبط خلجات النفس وتنمية القدرة على التجديد والتعبير ؟ لا عجب اذا نوهنا اذن بهذا الاثر ، واعتبرنا انبثاق الحضارة مرتبطا اشد الارتباط بانبثاقها وأكدنا أهمية ابتداعها وتطويرها ، وخاصة أهمية تلك الخطوة الفاصلة التى كان بها اختراع الحرف واستنباط الابجدية .

و ( التعاون  الاجتماعي الذى تتطلبه الحضارة يفرض كذلك نوعا من الحكم المنظم . ولذلك كان نشوء الحضارة متعلقا بنشوء الدولة . ولسنا نعني هنا الدولة بشكلها الحاضر ، وانمانع جهازا من الحكم ، مهما يكن شكله له سلطته وتأثيره فى تنسيق فاعليات الافراد وحماية بعضهم من بعض وتدبير شؤونهم العامة وعلاقاتهم بالمجتمعات والدول الأخرى . ان الدولة ، بهذا المعنى ، تمثل مظهرا من مظاهر الانتظام والترابط الداخليين ، ناتجا من فعل الانسان فى محيطه الطبعى والاجتماعى ، وتكون بالتالي شرطا من شروط الحضارة .

( وأول الدول نشأت في المدن . هذا ما نجده عند الشعوب القديمة كالمصرية والبابلية والأغريقية . ومن هنا كان للمدن أثرها البارز فى نشوء الحضارات . ولهذا الاثر وجوه اخرى عديدة غير التنظيم السياسى ، فان أهل المدينة لا ينصرفون فى كترتهم انصرافا مباشرا الى تحصيل مأكلهم كما هى الحال فى المجتمعات الزراعية أو القنصية . ولذلك تتاح لهم الامكانات لتوفير الموارد وتخزين ما يفيض منها عن الحاجة ، ولتنوع الجهود وتخصصها ، وللتفنن فى أساليب العيش ، وللسفر والمتاجرة وبناء الأجهزة العسكرية ، ولمباشرة الصنائع والفنون والسير فى طرق اكتساب المعرفة العلمية . ولا بدع ، بعد هذا كله ان تجد الحضارة فى الذهن والاختبار العربى وفى الذهن والاختبار الغربى ، متصلة بالمجتمعات المدنية ، كما يدل على ذلك اشتقاق لفظة الحضارة من الحضر واشتقاق Civeisatiom من Civis ساكن المدينة .

وليس أي من هذه الشروط كانيا وحده لتمييز المجتمع المتحضر عن المجتمع البدائى .

كما انه ليس منها ما هو مستقل عن سواه ، بل انها متصلة ومرابطة يسند واحدها الآخر ويعززه . ذلك انها كلها تمثل وجوها مختلفة من فعل الانسان فى محيطه الطبيعى لدرء أخطاره واستثمار موارده ، ومن فعله فى ذاته وفي محيطه الاجتماعى لاكتساب أقدار متسعة من التعاون والانتظام . وهي تؤلف بمجموعها الحد الذى انطلقت منه الحضارة والمقتضيات الدنيا التى يجب أن يفى بها مجتمع ما لعد بين المجتمعات المتحضرة .

وليس يعنى هذا أن ثمة حدا قاطعا بين الحياة البدائية والحياة المتحضرة ، فالحياة دفق متصل لا يعرف الحدود والسدود . وسواء أكنا نقول بحضارة انسانية شاملة أم بحضارات مختلفة ، فالانتقال من الطور البدائى الى الطور الحضارى لم يحدث فجأة ، ولم يقطع كل صلة بين البدائية والحضارة . والدليل على هذا ، أن كل حضارة من الحضارات التاريخية ظلت تحتفظ ببعض خصائص البدائية ، حتى الحضارة الحديثة التى يعتبرها البعض خلاصة الحضارات السابقة وآخر ما بلغه التطور البشرى لا يزال ينطوى على رواسب بدائية وبقايا من الحياة الهمجية . وكثيرا ما يكون التحضر الذى نزدهى به ونتباهى شبه طبقة رقيقة تكسو حياة الافراد والجماعات ، فاذا حككتها انكشفت لك الطبيعة الانسانية الاولية بنزعاتها وشهواتها وبدائيتها - بل لنقل همجيتها - كان الجهد الحضارى المتتابع لم يفعل بها شيئا . كثيرا ما تختلط الحضارة والهمجية فى الشخص الواحد وفي المجتمع الواحد ( ٤ ) .

اشترك في نشرتنا البريدية