شعر رائع في اخراج رائع . . ذلك هو ديوان " وحي الحرمان " للامير الشاعر " محروم " .
ووحي الحرمان بنتاخه وإخراجه عبارة عن حديقة نضرة ابدع صانعها تنسيقها ونضد فيها مختلف الازهار الفواحة ، والورود الجميلة المتفتحة
وشعر الديوان نسيب وغزل ، من لون حديث طريف . يحمل ومضات الشاعر أمير الشباب ، وينبئ عن احاسيسه ، ويعلن عن عواطفه وخلجاته فى بساطة محببة وعمق بديع .
وليس بدعا فى العالم العربي ان نرى اميرا عالما او اميرا شاعرا ، فقد كان اخذ خلفاء بني العباس شاعرا مبرزا بين الشعراء ، وكان كثير من امراء الاندلس شعراء . وفي طليعتهم عبد الرحمن الداخل
والمسألة بسيطة واضحة فالعلم والشعر والرياضة ، وكل ما يمارسه الفتى الطموح هو عبارة عن هوايات ورغبات وميول كامنة ، يغذيها بجهوده حتى تبرز وتتمر ولمهام الامارة والوزارة ومطالبهما جل الأوقات وأهمها واوسعها ، حتى اذا انتهت هذه الاوقات عادت النفس الى شواعرها واحساساتها ، وعاد الفكر الى ميوله وانطباعاته فقضى المرء بين المجابر والدفاتر او فى الخمائل ومختلف المناظر الطبيعية الرائعة فترات استجمام واسترواج وانبعاث . . ويكون من نتاج ذلك ما تقرؤه من شعر او نثر يفيض فيضانا من خاطر الامير العالم او الاديب او الشاعر .
ولقب " محروم " هو اللقب الذي اصطفاه اميرنا الشاعر لنفسه ، فعرف به ، ومن انبثق اسم ديوانه الاول : " وحى الحرمان " افترى ان هذا الاسم يدل على حقيقة المسمى ؟ ام هو زمن اراد الشاعر ان يتخصص به دون سائر الشعراء لسبب ذى صلة بما كان احس به قبل من لواعج حرمان فى ايام طفولته كما يقول فى مقدمة ديوانه ؟
ان التحليل الصادق يجعلنا نعود إلى حديث الشاعر عن نفسه ، فنسمعه يحدثنا فى مقدمة ديوانه قائلا عن نفسه :
" ولمع الصبا فى نفسى وانا على هذه والحالة - ) اى حالة الشعور بفراق سمو والده لاشتغاله فى الحروب وشد ازرابيه وتوطيد ملكه ( فلمعت معه احاسيس وعواطف وثارت بثورته نوازع قلبية لم استطع كبتها وعجزت عن تحقيقها ، فتركت فى نفسى ابلغ الاثر من الحرمان " .
فلا بد ان هنا احلاما حاول الأمير فى صباه تحقيقها فعجز فأثر ذلك فى نفسيته . . فما هى هذه الاحلام ؟ . . ان سياق الحديث يدلنا على انها احلام المجد والبطولة والطموح المبكر ، وهذا امر معروف عن سمو الامير الشاعر من قبل وحتى الآن فلما حال الصبا دون تحقيق الاحلام الجسام اذ لم يحن او ان ذلك جسميا ونفسيا تأثرت نفس الامير الكبيرة وبقى اثر ذلك عالقا بها من بعد . .
هذا تحليل اخذنا ومن فجوى حديث الشاعر عن نفسه ، وقد ساعدنا على احتضان هذا التفسير ما نعلمه من سيرة الامير الشاعر منذ صغره من طموح وعلوهمة . ولكن جاء بعد ذلك وقت اضطلع فيه الامير الشاعر بالمناصب الخطيرة فان ندوبا من الاحلام الواجفة لا تزال عالقة بالنفس الأبية الطموح . . ومن هنا كان اثر الحرمان باقيا فى زواياها ، وكان هذا مدعاة لتسمية الشاعر نفسه بمحروم ، ومدعاة لتسمية شعره بوحى الحرمان .
) تحليل الديوان فى العدد القادم
