لقد دخلت اندونيسيا - بعد ان سحقنا الشيوعية - عهدا جديدا من تاريخها الحافل بالحركات والانقلابات والثورات . . فقد ثار غضب الاندونيسيين على الشيوعية والشيوعيين . . واخيرا انقلب الامر رأسا على عقب ازاء هذا الغضب المتأجح . . (( تعز عن تشاء وتدل من تشاء )) ٠٠ !
لقد تعبنا من الشيوعية والالحادية وذقنا مرارتها حق اليقين . . وحاربناها - ولا نزال نحاربها - محاربة لا هوادة فيها بحملة دعوة اسلامية واسعة النطاق فى القرى والأرياف والمزارع حيث يعيش الفلاحون والزراع ، وفى المصانع والمعامل ودواوين الحكومة حيث يعيش فيها العمال والموظفون .
قام بهذه الحملة الشريفة العلماء والمبلغون والدعاة المسلمون فخاضوا غمار الجهاد - جهاد الدعوة - لتبليغ تعاليم الاسلام ومبادئه السياسية والاجتماعية والاقتصادية فى قلوب المواطنين المسلمين الذين حار بهم الأمر أثر تلك الدعايات الالحادية المضللة والمفاهيم ( الايديولوجية ) الشيوعية الكاذبة التى قامت بها المنظمات والهيئات التابعة للحزب الشيوعى الاندونيسى .
وقد خرج المسلمون بمساعدة القوات المسلحة الاندونيسية من معركة المصير مع الشيوعية الالحادية بعد أن خاضوا قبل ذلك معركة طويلة المدى ضد الاستعمار الاوروبى المسيحى اكثر من ثلاثة قرون وانتهت بالنضال الدموى العنيف خلال حرب الاستقلال ، مدة ثلاث سنوات ونصف أصبحوا بعد ذلك مكسورى الجناح قليلى المادة والعتاد ، أوقعهم سوء الحظ بعد الاستقلال وانسحاب الاستعمار عن أوطانهم فى ظل نظام استبداد غشوم عبث بمقدراتهم المادية وترائهم الروحى ، كما قامر النظام الممقوت بمستقبل المسلمين فى هذا الوطن العزيز فى سبيل مجد زائف .
وفى ظل هذا النظام المستبد نالت الحركات التبشيرية والارسالية فرصتها الذهبية ، للعمل فى رابعة النهار ، ما لم يحلموا به حتى أيام الاستعمار نفسه .
وقد نقلت احدى المجلات العربية عن مجلة تايم الاميركية نبأ بعنوان (( الارساليات والمبشرون في اندونيسيا )) جاء فيه : كان المبشرون المسيحيون هدفا للمؤامرات الشيوعية ولارهاب المسلمين فى اندونيسيا ابان حكم الرئيس الرئيس سوكارنو الدكتاتورى .
وفى الحقيقة - من جهتنا نحن المسلمين لا ارهاب هنا ولا اكراه . . فمبدؤنا ومبدأ المبالقين والدعاة المسلمين دائما قول الله عز وجل : ( لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) . ( افانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) . وما قالته مجلة تايم المذكورة لم يكن الا ذرا للرماد وتشويها للواقع ثم ظلما للتاريخ . أى ارهاب تعرضوا له من قبل المسلمين فى هذه الديار الاسلامية ؟
.حقا انه لعجيب كل العجب أن يقال ان المسلمين كانوا يقومون بالأرهاب ضد المبشرين . أظن ان هذه الكلمات ترمي الى تحريك قلوب أصحاب الكنائس فى جميع انحاء العالم للاكتتاب وجمع التبرعات لصالح تلك الحركات .
فقد قرر مجلس الكنائس الوطني في الولايات المتحدة الاميركية القيام بحملة تبرعات تهدف الى جمع . . ٣٠٠ ( ثلاثمائة الف ) دولار لمصلحة الطائفة البروتستانتية الاندونيسية ، ولا ندرى عما تقوم به هيآت الكنائس الاخرى ، مثل الهيئة الكنسية العليا لجماعة الكاثوليك وغيرها وغيرها من المنظمات والهيآت المسيحية الاخرى التى تتداعى على المسلمين فى اندونيسيا كما تتداعى الاكلة على القصعة .
ىوقالت مجلة تايم الاميركية : ان خطورة هذا الامر تتجلى اذا ذكرنا أن اندونيسيا أمة اسلامية تكاد تكون خالصة ، اذ تبلغ نسبة المسيحيين الاصيلين بين سكانها البالغ عددهم مائة وعشرين مليونا ، نسبة لا تبلغ ١٥ %
وقالت احدى الصحف الامريكية : (( أما الآن فقد أصبحت اندونيسيا مسرحا لأكبر حركة تبشيرية مسيحية فى العصر الحديث )
((وشهد شاهد من اهلها)) . والفضل ما شهدت به الاعداء . وهى شهادة لها قيمتها .
إن الهدف من نشاط الحركات التبشيرية والارسالية العالمية هم المسلمون فى هذه البقعة الخضراء .
فلا ينبغي لزعيم من زعماء المسلمين فى
جميع الأقطار الاسلامية ان يقول : (( لا خطر على الاسلام في أندونيسيا )) أو أن يقول : (( ان مسلمى اندونيسيا ليست لهم حاجة إلى مساندة المسلمين فى انحاء المعمورة لمجابهة الخطر التبشيرى ، لانهم قادرون وحدهم على التصدى لذلك الخطر )) مستعينا بقوة الخصوم التى تعمل على مستوى عال عالميا .
ان الحركات التبشيرية والارسالية العالمية شئ . . والديانة المسيحية شىء آخر ، فان الديانة المسيحية التى اعتنققتها الاقليات من المواطنين فقد تقبلتها الامة الاسلامية بهذه الديار بروح من التسامح . أما الحركات التبشيرية والارسالية فهى حركة من الحركات الاستعمارية وهي عدو الد للانسان وللانسانية جمعاء .
وقال زعيم مسلم اندونيسى فى احدى خطبه الشهيرة :
(( أن القضية ليست قضية حقوق الانسان الاساسية وحدها ، ولا قضية حرية الاديان وحدها ، كل هذه الامور قد كفلها دستورنا ، وقد نفذت فى حياتنا اليومية بالفعل ، ليس هناك من شك فى أننا قد أرسينا فى اندونيسيا تقاليدنا الخاصة بالتعايش الديني المنسجم ، وقد طبقنا تلك التقاليد منذ زمن بعيد .
" ما الذي حدث اليوم فعكر صفو تعايشنا الدينى المنسجم يا ترى ؟ وما هو السبب ؛
" ان الجواب على هذا السؤال لا يؤديه تذرعنا بالقول ، ان كلا منا يشعر بان واجبه الدينى أو الالهى يحتم علينا القيام بواجب الدعوة او التبشير ، فهذا الواجب قائم منذ عهد بعيد . . لكن الجواب الصحيح -
هو ان الوضعية القديمة للحركات الارسالية والتبشيرية وهي ما يسمونه ( الغارة على العالم الاسلامي ) قد تبنتها الهيئات الارسالية والتبشيرية المحلية الموجودة في وطننا ، فاتخذت المسلمين هدفا لنشاطها .
(( لذلك أحس المسلمون طبعا ، بأن دينهم أصبح مهددا بخطر داهم ، وكان شعورهم فى مبدأ الامر مبنيا على الغريزة - غريزة المحافظة على النفس - ولكن تبين لهم آخر الشوط بما لا يدع مجالا للشك ، أن دينهم قد أصبح هدفا لنشاط تنصيري موجه ، وأحسوا بأن داعى الواجب المقدس يدعوهم للدفاع عن دينهم والذود عن اخوانهم المعرضين لخطر التنصير .
(( هذا هو جوهر القضية وحقيقتها )) اه .
هذا مما قاله الاستاذ محمد ناصر رئيس وزراء اندونيسيا سابقا ، وعضو المجلس التأسيسى لرابطة العلم الاسلامى ، ورئيس مؤسسة المجلس الاعلى الاندونيسى للدعوة الاسلامية بجاكرتا .
هذه حقيقة الوضع في اندونيسيا الوطن الاسلامى الكبير - حاليا .
سمارندا - اندونيسيا
مدرس العلوم العربية والعلوم الشرعية بكلية التربية الاسلامية التابعة للجامعة الاسلامية
الحكومية - فرع سمارندا
المراجع : المجلات الاسلامية الصادرة في جاكرتا : رسالة بعنوان (( اشهد بانا مسلمون )) أصدرتها مؤسسة المجلس الاعلى الاندونيسي للدعوة الاسلامية بجاكرتا .

