كنا فى مكة المكرمة منذ عامين . . يوم اقترح على الصديق الفاضل صاحب (( المنهل )) أن اكتب مقالا للعدد الممتاز الذى اعتاد أن يصدره كل عام ، فكان أن كتبت موضوع : (( مكان الغرب من العالم )) . وصادف صدور العدد تحرك الامة العربية وسيرها خطوات فى سبيل الترابط والتوحد والتحرر .
ولقد كان هذا الموضوع شغلنا الشاغل خلال السنوات الماضية ولهذا مضيت فى الكتابة لتجلية النواحى المختلفة لهذا الموضوع الخطير الهام .
وها أنا التقى اليوم بالصديق العزيز الاستاذ عبد القدوس فى القاهرة. حيث جاء مستشفيا ، ولكنه لم ينس (( المنهل )) فاذا به يستعد لاصدار العدد الممتاز . واذا به يقترح أن أكتب له مقالا موضوعه : (( مكان الغرب من العالم )) وهو الموضوع المواجه للموضوع الاول .
والواقع ان الموضوعين يمكن اعتبارهما موضوعا واحدا . ذلك لأن (( مكان العرب من العالم )) . يحدد فى
الوقت نفسه (( مكان الغرب من العالم )) .
ان الشمس لتشرق من الشرق حاملة الى الدنيا الحياة والحركة ، ثم انها لتغيب فى الغرب وتختفى فتسكن الحركة وتخلد الدنيا إلى حالة أشبه بالتوقف الى حين .
ولقد أشرقت شمس الخير والعدل على الدنيا من جزيرة العرب . . وامتد شعاعها حتى أدرك الغرب . . وعم الدنيا . . وظل ملك العرب فى الاندلس . . عدة قرون . . ثم بدأ مغرب شمس العرب هناك . . فى الغرب !
وعندما كان العرب سادة الدنيا .. يقضون فى شئون أهلها بالعدل والحق ، ويوجهونهم الى ما ينفعهم - مستلهمين دينهم الحق . . وأخلاقهم القويمة . . ونفوسهم الكبيرة . . وعقولهم القوية المستقيمة . . - كان الغرب ، فى ذلك الماضى البعيد - غارقا فى جهالة عمياء . . تسوده حالة من الهمجية . . والتأخر . . والجمود ! . .
ولقد روى التاريخ أن ملك فرنسا (( شارلمان )) حينما تلقى هدية الخليفة هارون الرشيد ، وهى (( ساعة دقاقة )) فزع منها وظن أن الجن تسكنها ! . . وهذا الحادث البسيط له دلالة قوية على مدى ما كان عليه الغرب - حينذاك - من تأخر وجهل وجمود، بالنسبة للعرب الاقوياء المالكين لشئون الدنيا بالعلم والحكمة . . والخلق القويم .
وعندما بدأ سلطان العرب يضعف ويضمحل بسبب ترفهم وانشغالهم بالدنيا . . أخذ الغرب يستيقظ من سباته ويأخذ بأسباب التقدم فى سبيل الحضارة .
واستمر هذا الحال عدة قرون . . العرب يتأخرون . . والغرب يتقدم . . حتى استطاع الغرب أن يسيطر على شئون العالم ومصائر أممه .
لقد كانت سيرة العرب عند سايدتهم للعالم . . مثالية . . رائعة . . كانوا فى سلمهم عادلين . . يسوون بين الجميع . . سواء لديهم من آمن بدينهم الاسلامى أم من ظل على دينه . . ولا ينكرون فضل أحد من هؤلاء أو من هؤلاء . . ويعطون كل ذى حق حقه . . لا يحيفون . . ولا يظلمون . . وكانوا فى حربهم . . نبلاء . . رحماء . . لا يقتلون شيخا ولا طفلا . . ولا امرأة . . ولا يتبعون منهزما . . ويتقربون الى الله باطعام الاسير والاحسان فى معاملته وتيسير فك أساره واطلاق سراحه . . ولا يتلفون
مالا ولا زرعا . . ولا يذبحون حيوانا الا اذا كان لطعامهم . . هكذا كان العرب . . كانوا يتواصون . . ويوصيهم أمراء المؤمنين . . حينما يوجهون الجيوش لقتال أعدائهم .. فكيف كانت سيادة الغرب ؟! كانت سيادة الغرب للعالم - ولا زالت - تسودها الغلظة والفظاظة ، ويعمها الظلم والبغى . . واذلال الشعوب . . والتحكم فيها بالباطل . . وسلبها حرياتها . . واغتصاب أموالها وخيراتها .
لقد كان الغرب فى سلمه غير عادل . . كان حكامه يظلمون شعوبهم . . وكانوا جميعا يظلمون الشعوب الضعيفة . .
وكان فى حربه . . باغيا . . غلظ البغى . . يفتك بآلاف الضعفاء من النساء . . والشيوخ . . والاطفال . . فى غير رحمة ، ولا وازع من ضمير . .
فتاريخ الغرب . . سلسلة من الفظاعات ارتكبت فى شعوبه . . ثم فى الشعوب التى نكبت باستعماره . . ولا تزال ترتكب حتى الآن . .
فاذا كان العرب بالنسبة للعالم كالضوء الغامر الواضح . . فان الغرب أشبه بالظلام الدامس المطبق المخيم . . الظلام الذى تدب فيه الهوام . . والحشرات الضارة المؤذية . ان مكان العرب من العالم - كما سبق أن أوضحنا وبينا - مكان العقل والضمير من الانسان .
أما مكان الغرب من العالم فهو مكان الحواس والشهوات . . فاذا سيطرت شهوات انسان وحاجات حواسه على عقله . . كان الهلاك المحقق . . وهذا هو الحال الذى يعانيه العالم الان . . فهو مقبل - نتيجة لسيادة الغرب المادية البحتية - على كارثة مدمرة . . ستذهب بكل ما وصل اليه العلم من ابتكارات واختراعات . . وبكل مظاهر المدنية الحديثة ! . .
على أن سنة الله فى خلقه ان النهار لا يكون سرمدا . . ولن يكون الليل والظلام دائما أبدا . . فاذا بلغ الظلام أقصاه بدأ الفجر والضياء .
وان العالم ليمر الآن باللحظات الأخيرة فى حياة الظلام التى جلبتها عليه سيادة الغرب له .
فها هو سلطان هذا الغرب الظالم، ينحسر ويزول عن كثير من الشعوب المستعبدة المستضعفة . وها هى أمم العالم تضج بالشكوى من أعمال البغى والعدوان . فتحاول - عن طريق الأمم المتحدة ومجلس الأمن - منع الباغين من دول الغرب وايقافهم عند حدودهم . . والعمل على انصاف الأمم الضعيفة . . وانالتها حريتها .
هذا . . فى الوقت الذى بدأ العرب يستيقظون . . ويتحدون . . ملتفتين الى ماضيهم القريب البائس . عاملين على التخلص منه . . ذاكرين
ماضيهم البعيد المجيد . مجتهدين فى احيائه وانمائه . . لاسترداد مكانهم من العالم .
فاذا ساد العرب العالم مرة أخرى . . رجع الغرب الى مكانه من العالم وجمو مكان الشغالة فى مملكة النحل تعمل شعوبه محكومة بعقل رشيد . . وضمير حي . .
ولا يحسبن أحد اننا نعنى بسيادة العرب للعالم . . سيادة الفتح والقهر والتحكم . . كلا ! ثم كلا ! . . اننا تعنى بسيادة العرب للعالم . . سيادة مبادئهم . . مبادئ دينهم الاسلامى السمح القويم العادل . . الذى أصبح العالم الآن يتعطش الى قطرة من معينه . . بعد أن أضناه الظمأ الطويل فى صحراء السيادة الغربية القاحلة المقفرة . . التى انعدمت فيها كل معانى الرحمة والانسانية . . وعمتها المادية البشعة . . . والانانية البغضية . .
ان سلطان الغرب - رغم مظاهر القوة - مدبر . . منهزم . . وان الخير الذى يترقبه العالم ويرجوه ويأمله مقبل بمشيئة الله على أيدى العرب الابرار . .
وصدق الله العظيم . (( سنة الله فى الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا )) .
