الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

ملتقي الادب التونسي، منزلته وذوره في التعليم والثقافة

Share

لا يخفى أن الادب فى أواخر القرن العشرين قد تضاءل دوره أمام وسائل التثقيف المتعددة وأصبحت تنازله فى حلبة السباق طرق أخرى للابلاغ ونشر المعرفة والتعبير عن الحياة فى ظاهرها وباطنها

لهذا فان صوت الادب والادباء كاد أن يتلاشى فى هذا الخضم وفقد دوره الريادى والقيادى الذى كان يقوم به عندما كانت الكلمة المكتوبة الخلاقة المشحونة بالدلالات تكاد تكون وحدها فى الحلبة تصنع لنفسها ، فى نسق فنى ، نوعى ، رؤية خاصة للعالم من خلالها تبرز جملة من القيم الدينية والاخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والجمالية

فالمكانة التى كان يحظى بها الادب كابن وحيد حقيقي للمجتمع قد تضاءلت أمام مفاجآت العصر ، وتزعزعت إزاء الدفق المتغير للحياة ، وأصابها نوع من الفتور تجاه السير المتحرك للعالم ، فأصبح من الاكيد أن تكيف الظاهرة الادبية وظيفتها الاجتماعية والنفسانية على حسب هذه التغييرات ، وتبقى كما كانت هى الجامع بين الظواهر الاخرى العلمية والتقنية والتكنولوجية والسمعية البصرية فى نظرة تأليفية مختلفة الجوانب تجعل للمجتمع سلم قيم به يتماسك وعلى أساسه يبنى مستقبله

بهذا يكون للادب دوره المؤلف فى المجتمع بينما لو ترك المجال للوسائل التعبيرية والفنية الاخرى من دون اللجوء اليه فان العزلة بين الفئات والاختصاصات ستنتصب آفة لا تبقى ولا تذر

فهل يستجيب لهذا الدور رجل الفكر والادب الذي يفنى عمره وطاقته وموهبته فى سبل التعبير عما يراه وحده مترجما عن ذاته ؟ أم هو ذاك الذى تعتبر نفسه المدافع عن قضية ما أو الذى يجند طاقاته ليكون شاهدا على العصر ام الذي يطمح ليكون صوتا لحقيقة مطلقة او هو المحترف للكتابة يرضى بها رغائب الجمهور ؟

كل هذا يبقى شتاتا ان لم تصهره برامج التعليم فى بوتقة واحدة وتعرضه على الاجيال الصاعدة فى نسق يثير التفكير ويدفع على الخلق ويبعث على التآلف ويشحذ العزائم على بناء مجتمع سليم متقدم قوى خلاق

وكل هذا يتلاشى ان لم تعتبره وسائل التنشيط الثقافي ركنا اساسيا فى تقدم المجتمع وصهره ليتآلف وينشئ ويخلق فتكتب له الحياة

على هذا الاساس ماذا كان حظ الادب التونسي فى التعليم والثقافة فى بلادنا ؟

الادب التونسى بين الامس واليوم :

لم يكن الادب التونسي المعبر عن الشخصية التونسية والنابع من الكيان التونسي المنتسب الى الحضارة العربية الاسلامية يجد المجال قبل الاستقلال ليصل الى الاجيال الصاعدة فى المدارس أو ليؤثر فى الحياة الثقافية لانه يتيم ثقافيا مرتين من حيث هو ادب أولا ينطبق عليه ما قلناه آنفا ومن حيث هو ادب تونسى ثانيا ناله ما نال الشعب التونسى من تضييقات الاستعمار فى جميع مظاهر النشاط .

لهذا لم يكتب لادب الشابي أن يعرف فى تونس بصورة واضحة لا لبس فيها الا بعد الاستقلال سواء فى المدارس أو فى الحياة الثقافية وكذلك الامر بالنسبة لأدب الطاهر الحداد والدوعاجي ومصطفى خريف والمسعدى وغيرهم بحيث لا نكاد نجد اذ ذاك في الكتب المدرسية سواء الابتدائية منها أو الثانوية اذا استثنينا بعض المبادرات الفردية نصا واحدا ينسب الى البيئة التونسية كأدب رفيع ويكون متجاوبا مع المبدأ البيداغوجي الذي يقول بتأصيل التلميذ فى بيئته كما قل أن نظفر بدراسة جامعية تتناول فترة أدبية من تاريخ ادبنا المزدهر فى الماضى والحاضر

ولم تنج أجيال ما قبل الاستقلال من الاستلاب والانغيار الا بفضل الحركة السياسية القوية التى انتشلت الشخصية التونسية من الذوبان وبفضل الشعور الحاد بالانتساب الى الحضارة العربية الاسلامية التى كانت هذه الاجيال تعتز بها وتنافح من أجل إثبات دورها فى ازدهار الحضارة الانسانية

وجاء الاستقلال وتبينت جسامة المجهود الواجب القيام به فى هذا الميدان على الجبهتين جبهة الادب البحت وجبهة الادب التونسى فكان الكسب فى الحالتين يعد خطوة تحتاج الى التثبيت والدعم والتوسيع

ذلك ان نصوصا كثيرة أدرجت فى الكتب المدرسية سواء الابتدائية منها أو الثانوية وبدأت دراسات جامعية ودروس فى الكليات تهتم بالاعلام من الادباء التونسيين

كما ان النشاط الثقافي الذي دعمه انشاء وزارة الشؤون الثقافية اهتم اهتماما كبيرا بالادب التونسى وأعلامه وأبرز فى تظاهرات ، متعددة الجوانب ، طرافته ووزنه بين آداب العالم

غير أن هذا العمل لم يخضع لخطة واضحة مدروسة تأخذ بعين الاعتبار ما ذكرناه سابقا وما من شأنه أن يجعل للادب كأدب وللادب التونسي واعلامه مكانة مرموقة فى المجتمع ودورا وظيفيا به يساهم فى ايجاد التوازن بين الفئات وبفضله يتم الشعور بالانتماء الى شعب هو الشعب التونسي وحضارة هى الحضارة العربية الاسلامية التى أثرت وما زالت تثرى الحضارة الانسانية

المقترحات :

لهذا فان هذه الخطة لا يمكن أن تتبلور على أساس المبادئ المذكورة سابقا الا بجملة من الاجراءات تتناول الميدانين التعليمي والثقافى وتحرص على ايجاد الظروف النفسانية وحتى السياسية الملائمة لارجاع الادب الى مكانته الحقيقية من حيث هو وظيفة اجتماعية ونفسانية قادرة على ايجاد التوازن في المجتمع

1 )  ففي ميدان التعليم يتعين :

أ - من حيث برامج الابتدائى والثانوى - تأصيل التلميذ فى بيئته باختيار النصوص الادبية التونسية التى من شأنها أن تصور واقعه وتتجاوب معه اعانة له على الفهم وتفتيق مواهبه وإبعاده

عن كل استلاب وانغيار ولا يكون ذلك الا بنسبة معقولة من النصوص التونية خشية الانغلاق والانفصال عن العالم والادب العربي عامة

- دفعه الى الاعتزاز بوطنه ورجالاته وحضارته العربية الاسلامية بالاعتماد على النصوص التى تنمي فيه هذا الشعور

- ريط النصوص في مجال الشرح والتفسير والتعليق بالبيئة والوطن بقدر الامكان نشدانا لحفز التلميذ على الشعور بالانتماء والرغبة فى المطالعة والميل الى الخلق والابتكار وفهم العالم والكون انطلاقا من عالمه الصغير

- تحريض المدرس والتلميذ والطالب على مطالعة الانتاج التونسي الطيب . - حث المؤلفين التونسيين على التأليف فى مشاهير التونسيين وتزويد مكتبة الاطفال بالادب المناسب لمستواهم

ب - من حيث الدروس والدراسات الجامعية : - الاهتمام بالفترات الادبية فى تونس ماضيا وحاضرا ودراسة اعلام الادب التونسى سواء فى الدروس التى يلقيها الاساتذة أو فى الاطروحات التى يجب أن تكون نسبة مواضيعها المهتمة بالادب التونسي نسبة كبيرة . - ادراج النصوص التونسية والعربية فى الادب المقارن الفرنسي والانقليزى

- تكثيف الدراسات الجامعية التى تتناول بالبحث المجتمع التونسي لغويا ونفسانيا واجتماعيا وثقافيا خاصة وان هذا المجتمع بقى الى اليوم مفتقرا الى التحليل العلمي متخلفا بحثا وتنقيبا وهذا من شأنه أن يفيد الادب التونسي ويوسع آفاق الادباء .

2 ) وفى ميدان الثقافة يجب :

أ - مواصلة ما تقوم به الهياكل الثقافية من نشاط لاقامة المهرجانات اشادة بالادب التونسي وأعلامه سواء منهم الاحياء أو الاموات

ب - تعزيز هذه التظاهرات بكتب أو نشريات علمية تسبق المهرجانات والاحتفالات واصدار الاعداد الخاصة للمجلات أو النشريات المدونة لحصيلة ما تم أثناء هذه التظاهرات

ج - تزويد وسائل الاعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية بما من شأنه أن يهئ الجمهور للاقبال على هذه المهرجانات ومعرفة ما تم فيها عند انعقادها

د - الاهتمام بالنقد والحث عليه بتشريك الادباء والصحفين القادرين والخروج من مرحلة العروض الباهتة :

ه - مزيد اهتمام الاذاعة والتلفزة بالادب التونسي فى برامجها اقتباسا ودراسة ونقدا .

و - باعطاء الادب والادباء المقام اللائق فى المجتمع والاعتراف بالقيم البارزة ماضيا وحاضرا حتى تعتز الاجيال الصاعدة بها وتفاخر بها الجماهير . ذلك وفقير جدا معنويا بينما الاعلام التونسيون الذين يحق له أن يباهى بين الامم عديدون

معنويا بينما الاعلام التونسيون الذين يحق له أن يباهى بهم بين الامم عديدون .

ز - فتح المجال لضبط خطة بها يتم التعان بين رجالات الثقافة من جهة والادباء من جهة أخرى واقرار تفاعل مجد بينهم وبين الفنانين

الخاتمة :

هذه بعض المقترحات العملية التى بها يمكن التقدم شوطا كبيرا فى مجال احلال الادب التونسى مكانته فى برامج التعليم والثقافة ، وبذلك يتسني للادب التونسى ورجاله أن يقوموا بوظيفتهم فى المجتمع وان يوجدوا التوازن بين الفئات والأجيال اذ بغيره لا يطمئن المجتمع على حاضره ومستقبله و نسنح الفرصة له للتقدم والتجاوب مع المجتمعات العصرية الاخرى

اشترك في نشرتنا البريدية