الحجر في القرآن المجيد
يقول المراغي في تفسيره للآيات الكريمة التى خوطبت بها ثمود ، قوم صالح ، عليه السلام : ( واذكروا اذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبواكم في الارض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا )- يقول : اي تذكروا نعم الله عليكم ، واحسانه اليكم ، اذ جعلكم خلفاء لعاد ، في الحضارة والعمران والقوة والبأس ، وأنزلكم منازلهم تتخذون من سهولها قصورا زاهية ودو عالية ، بما ألهمكم من حذق في الصناعة ، فجعلكم تضربون اللبن وتحرقونه آجرا ( الطوب المحرق ) وتستعملون الجص وتجيدون هندسة البناء ودقة النجارة ، وتنحتون من الجبال بيوتا ، اذ علمكم صناعة النحت وآتاكم القوة والجلد . . روى انهم كانوا يسكنون الجبال في الشتاء ، لما في البيوت المنحوتة من القوة ، فلا تؤثر فيها الامطار والعواصف . ويسكنون في السهول في باقي الفصول ، للزراعة والعمل (١ ) .
وتؤيد الدلائل التاريخية والأثرية ما ورد في الذكر الحكيم من ان ثمود خلفت عادا في الحضارة والقوة .
وتتمثل مظاهر حضارة اسلاف ( ثمود ) - في قوله تعالى : " اتبنون بكل ربع آية تعبئون ، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ) . . فان هودا عليه السلام لما فرغ من دعاء قومه ( عاد ) الى
الايمان ، اتبعه انكار بعض ما هم عليه . . أنكر عليهم بناء القصور المشيدة لمجرد التفاخر والدلالة على الغنى في كل مكان مرتفع . . وانكر عليهم بناء الحصون الضخمة كأنهم خالدون في الدنيا . . ثم وصل العظة بما يوجب قبولها بان ذكرهم بنعم الله التى غمرتهم . . ذكرهم بها اولا مجملة ، ثم مفصلة ، ليكون ذلك اوقع في نفوسهم : ( واتقوا الله الذي امدكم بما تعلمون . . امدكم بانعام وبنين وجنات وعيون ) .
وهذا المشهد نفسه قد تمثل في ( ثمود ) مع نبيهم صالح ، فقد شادوا القصور فى السهول ونحتوا من الجبال بيوتا في الاعالي . . كأنما هم مخلدون ، وقد انكر عليهم صالح ذلك . . ثم وصل العظة بما يستدعي قبولها بان ذكرهم نعمة الله عليهم اذ جعلهم خلفاء عاد وبوأهم الارض.
وجدير بالذكر ان هذه الحضارة الزاهرة الشامخة وصل صولجانها لثمود بعد هزيمتها لعاد دحرت عاد ، نتيجة عتوها . . لقد صرعها بغيها . . وكانت دولتها تتخذ جنوب المملكة العربية السعودية ، مستقرا لها ، ولم يطب القرار لثمود في تلك الربوع ، او لم تر فيها البقععة الملائمة لاحلامها فهاجرت الى ناحية الشمال . . واستقر بها عصا الترحال في وادي القرى الواقع في منطقة الجبال ، وذي التربة الخصبة والآبار الثرة . . والجبال المشرقة . . وهناك انشأت ثمود حضارتها الخاصة بها ، فبنت
في سهول الارض القصور العالية ، ونحتت جبال الحجر بيوتا ، فضاهت بهذا الصنيع عادا في الجنوب وبناة الاهرام في مصر . . وقد يكون مما الجأهم الى نحت البيوت الفارعة ضيق رقعة دولتهم او رغبتهم في حصرها في مكان معين يحافظون عليه بسهولة من غارات الاعراب المجاورين وغير المجاورين الذين من دأبهم الطمع والشره في المال المجمع الوفير . .
وقد رأينا عبيد بن شرية الجرهمي بفسر لمعاوية بن ابي سفيان ، الآية الكريمة : ( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ان في ذلك لآية لقوم يعلمون ) - وقد نزلت في ثمود وديارهم - يفسرها بقوله : ساقطة خربة ) ( ٢ ) والسقوط والخراب هما المظهران اللذان يجللانها حتى اليوم .
على ان سياق الآية يدل على انها نزلت - بقصد الاعتبار - تعبيرا عن حال واقعة ومشاهدة في عصر الرسول ( محمد ) صلى الله عليه وسلم . . وهذا التأويل يساعد مباشرة على الدلالة بان المقصود بصيغة ( البيوت ) هنا ، هو هذه النحائت الحجرية المائلة للعيان في زمنه عليه السلام وحتى زمننا الحاضر بعد نحو اربعة عشر قرنا من الزمان . .
والمراغي يسير في تفسيره بهذا الرأي فيقول : ان ثمود ، امعانا منها في الاخذ بأسباب العظمة والحضارة بنت لنفسها مدينتين في الحجر ، لتكون احداهما المنحوتة في الجبال ( مشتى ) أمينا لها ، تنزله ردءا لها وامانا في مواسم الشتاء وفيضانات الامطار وقصف العواصف . . ولتكون الاخرى ذات القصور الشماء الواسعة في المسهول . (مصطافا ) لها يتلاعم مع جو الصيف وجني الثمار وجمع المحاصيل والعمل . .
الحجر في اللغة
ولنربط الماضي السحيق بحاضر الحجر عامة وخاصة فيما يتعلق ببيوته الجبلية ، نعود الى متن اللغة العربية . . لنحلل ولنقارن ، لنصل الى النتيجة العلمية المنشودة في هذا المجال . . فنقول ان صيغة
(البيت ) هي من الصيغ المشتركة . ذوات المعاني المختلفة المتقاربة المتألفة الوفيرة , وجمعة بيوت وابيات ، وجمع الجمع منه : أبايت وبيوتات وابياوات . . فالبيت يطلق على المنزل المكون من الشعر ( بفتح الشين والعين ) والمكون من المدر والحجر والصفيح والقش والزجاج الخ . كما تطلق صبغة البيت على معنى الشريف ، وتطلق على معنى الشريف ، ومعنى التزويج ، ومعنى القصر ، ومعنى عيال الرجل ، وعلى الكعبة المقدسة ، وعلى القبر ، وعلى فرش البيت ، وعلى البيت من القصيدة - وهو ما اطلق عليه صاحب ( القاموس المحيط ) وصف ( بيت الشاعر ) ( ٣ ) ونستطيع ان ندرك من هذا صحة وامكان تأويل وصفه تعالى لنحائت ثمود في الحجر ، انها ( بيوت ) - بكونها ( مساكن ) لاولئك القوم ، يحيى فيها احياؤهم . . ويؤكد لنا ذلك رواية رحالة عربي مشاهد ، شاهد آثار الحجر وتأملها من كتب قبل ارتحال المستشرقين اليها بما يقارب الف عام . . الا وهو الاصطخري الذي صرح لنا بقوله : (ورايتها - اي بيوت الحجر المنحوتة فيه - بيوتا مثل بيوتنا في اضعاف جبال ، وتسمى تلك الجبال الاثلب - واعتقد ان هذا والأشالب ، خطأ مطبعي صحته ) الاثالث ( . . وهي جبال اذا رآها الرائي من بعد ، ظنها متصلة ، فاذا توسطها رأى كل قطعة منها منفردة بنفسها ، يطوف بكل قطعة فيها الطائف . . وحواليها الرمل ، لا تكاد ترتقى . كل قطعة منها قائمة بنفسها لا يصعدها احد الا بمشقة شديدة . . وبها بئر ثمود التى قال الله فيها وفي الناقة : ( لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ) ( ٤ ).
كما يمكن من الجهة الأخرى ان يحمل لفظ ( بيوت ) الواردة في القران على ان تلك المنحوتات هي ( قبور ) للقوم . . لان
البيت في اللغة العربية التي نزل بها القران المجيد يطلق ايضا على ( القبر ) كما يطلق على مسكن الاحياء . .
وهذا الرأي لم يأخذبه ما اطلعنا عليه من التفاسير وكتب التاريخ والجغرافيا العربية الاسلامية القديمة . . وانما مصدره الاول هو من المستشرقين وكل من سار على دربهم من مؤلفي العرب بعدهم . . في العصر الحديث . . وقد ذهب الى هذا المذهب بعض من كتب في الصحف المحلية عن ( رحلة نادي البحر الاحمر بجدة ) الى مدائن صالح ، وتحدث به الي ، بعضهم جازما بان المنحوتات ليست الا قبورا لقوم صالح . . ولا يمكن ان تكون منازلهم لضيقها الشديد ، ولانها عبارة عن كهوف ومغاور ، ولوجود عظام موتى بها . . . وقلت له : ان ضيق البيوت لا يدل دائما على عدم صلاح البيوت للسكنى . . وها نحن أولاء نرى في البلاد المكتظة بالسكان كيف ان اشخاصا عديدين يسكنون غرفة واحدة . . كل على قدر نومه وجسمه . . واذا ثبت علميا انها قبور من قراءة النقوش التى عليها . . فالحق احق ان يتبع . . وهذا رهن باكتشاف جميعها . .
واصل هذه النظرية واردة ووافدة من المستشرقين ، كما اوردناه آنفا ونحن علينا ان نأخذ دائما معلومات المستشرقين بحذر خاصة فيما يتصل بديننا ولغتنا وأثارنا وبلادنا . . وذلك من جهتين لا من جهة واحدة . . واولاهما ان افهامهم بعض الاحيان ملتوية تغلب عليها طبيعة بيئاتهم فتشذ وتند عن الصواب الواضح الى خطأ فاضح . . وثانيهما الغرض الدفين طبعيا وتقليديا بين جوانحهم . . وواجب علينا اليوم وقد نهضنا من اغفاءتنا ان لا نتكل على مجهوداتهم العلمية وحدهم . . بل نسعى بانفسنا لكشف مخبأت حضارتنا علميا وعمليا . وفكريا وقوليا . . واثريا وخيريا جاء في كتاب فؤاد حمزة قوله : " وقد زار كثير من المستشرقين بلاد ثمود هذه ووصفوا ما شاهدوه فيها من الآثار والمنازل المنقورة في الجبال الصخرية . . ووضع
الرحالة ( دوتي ) رسما تقريبا يعين به المواقع الاثرية في مدائن صالح ، ووصف المغاور المحفورة في الصخور بأنها رموس ، ونقل صور بعضها ونشرها في كتابه ، منها قصر البنت والبرج ومربط الحصان وبيت الشيخ . وعاين المستشرق ( موزيل ) اماكن اخرى تنسب الى ثمود في جهات الغواقة بين تبوك والبحر " ( ٥ ) .
وهذا " جرحي زيدان " يخالف في ان اطلال الحجر ونقوشه ، هي " ثمودية " . انه يقول ما يلي : ( واما الثابت من قراء الآثار ( فهو ) ان مدائن صالح ( الحجر ) دخلت قبيل تاريخ الميلاد في حوزة النبطيين سكان " بطرا " الآتي ذكرهم ، بدليل ما على اطلال هذه المدن من الكتابة النبطية ، ثم يعطف على ذلك بقوله : " والاطلال المشار اليها زارها غير واحد من المستشرقين ، كما ذكرنا في مقدمة هذا الكتاب ، ودرسوا بقاياها وهي منقوشة في الصخر ، اهمها ان تعرف بقصر البنت وقبر الباشا والقلعة والبرج ، وقرأوا ما عليها من النقوش النبطية فاذا اكثرها او كلها تبركات منقوشة على القبور ) . . ثم نقل نقش القبر الذي " بنته كمكم بنت واثلة بنت حرم وكليبة ابنتها " ( ٦ ) ويؤيده في ذلك جواد على في كتابه " تاريخ العرب قبل الاسلام " ونفس الرأي يعتنق صاحب كتاب ( الجزيرة العربية ) فيقول : " وفي مدائن صالح واطرافها تقوم مقابر اثرية قديمة ولا بد انها ستكون موضع اهتمام علماء الآثار الدقيق ، ففي منطقة مدائن صالح توجد مقادير ( مقابر ) كثيرة منحوتة في الصخر ، حليت واجهتها بالرسوم . . وكثيرا ما نرى رسوم النسر على واجهتها ، فوق المدخل احيانا ، وعلى جانبيه احيانا اخرى . كما نرى فوق داخل المقابر البقايا المهشمة لرؤوس انسانية على كل من
جانبيها رسم حية . وما من شك في ان بعض هذه المقابر ما زال مدفونا تحت الرمل ، والمنطقة كلها في انتظار من يقوم بالبحث فيها ( ٧)..
الحجر في كتب البلدانيات
في ( صفة جزيرة العرب ) ما نصه : ( فراجعا الى وادي القرى ، الى الحجر موضع ثمود ، والناقة مرحلة ، وفيه آثار عظيمة " . . ( ٨ ) .
ومحل الشاهد هو قوله : " وفيه آثار عظيمة " .
وفي كتاب " آثار البلاد واخبار العباد " الحجر : ديار ثمود بوادي القرى ، بين المدينة والشام ( ٩ ) وفي " وفاء الوفاء باخبار وفي " وفاء الوفاء باخبار دار المصطفى " للسمهودي ما لا يخرج عما سبق ذكره . وفي " جغرافية شبه جزيرة العرب " لعمر رضا كحالة : " الحجر قرية صغيرة قليلة السكان وهي من وادي القرى على يوم بين جبالها . وبها كانت ديار ثمود الذين قال الله فيهم : ( وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ) . . ونقل ما قاله الاصطخري عن مشاهدته لها بيوتا مثل بيوتنا ( ١٠ ) . وقال البشاري : ان الحجر ناحية صغيرة وحصينة .
ويحدثنا فؤاد حمزة بقوله : ( ورد في الكتب العربية ان ثمود كانت تقيم في الجهات الجنوبية من المملكة بين عسير واليمن وحضرموت ثم انتقلت بدواع غير معلومة بعد حروبها مع عاد وافنائهم اياهم - من بلادها الاصيلة في الجنوب ، الى الشمال الحجاز في وادي القرى وانشات في العلا مدائن صالح والحجر منشآت ، بقيت لنا آثارها حتى الآن " ( ١٢ ) اما من ناحية سكانها الحاليين فان فؤاد حمزة يفيدنا بان " امارة العلا ، ومركزها بلدة العلا ، على خط السكة الحديدية ايضا ويتبعها من العربان هتيم وولد علي وبعض حرب " ( ١٣ ) ويحدد لنا صاحب كتاب " الجزيرة العربية " موقع مدائن صالح بانها " تقع للشمال الشرقي من العلا ، وعلى بعد
ثلاثين كيلو مترا منها . وكانت محطة من محطات الخط الحديدي الحجازي ، على بعد ٩٥٥ كيلو مترا من دمشق . وترتفع عن سطح البحر ٧٨٠ مترا . وهي في البلاد المعروفة بالعصور السابقة باسم " الحجر " بالكسر ثم السكون - من وادي القرى بطريق الحج الشامي الى مكة ( ١٤ ) .
كما يعطينا فكرة عن تاريخ الحجر القديم اذ يقول : " والمشهور ان قبيلة ثمود الوارد ذكرها في القران الكريم مع النبي صالح كان مقامها في " الحجر " وكانت عشائرها تمتد غربا الى البحر الاحمر ، وشرقا الى جبلى اجا وسلمي ، وذكرت في جملة الشعوب آلتي تغلب عليها سرجون الثاني الاشوري في القرن الثامن قبل الميلاد . وآخر ذكر عثرنا عليه للثموديين هو التحاق خيالة منها بجيش البيزنطيين في القرن الخامس للميلاد ، ومنذ القرن الخامس حتى القرن الثالث قبل الميلاد كان يملك " الحجر " وجميع المنطقة المجاورة - اللحبانيون فكانت مدينتهم الرئيسية تعرف باسم " هجرا " وعلى رأي بعضهم ان مدائن صالح اليوم هي مدينة الحجر القديمة ( ١٥ ) وقد اورد هذا الرأى ايضا جواد علي ودعمه . . في كتابه ( تاريخ العرب قبل الاسلام ) .
الحجر في البحوث الاقتصادية الحديثة
في عام ١٣٦٧ ه - ١٩٤٣ م اوفدت الحكومة العربية السعودية بعثة امريكية زراعية جابت كثيرا من بقاع المملكة شمالا وجنوبا وشرقا وغربا ، ووصلت الى مدائن صالح وكتبت عنها نبذة طيبة في تقريرها العام الذي قدمته الى الحكومة وطبع باللغتين العربية والانكليزية . . وجاء فيه : " على
الرغم من ان الخرائب الفسيحة الموجودة بمدائن صالح تبين بجلاء ان عددا من ألسكان اكبر نسبيا في الازمان الغابرة يزرع هذه المنطقة بريها من الآبار فانه لا توجد هناك في الوقت الحاضر غير مغروسات تمر قليلة . . وهذه المغروسات تروى من بئر سطح الماء فيها على عمق ١٣ مترا من سطح الارض ، وقد اتصل بنا ان سحب الماء بواسطة جملين لم يخفض مستوى رفع الماء عنها . ويعتقد مالك البئر ان في استطاعتها ان تتحمل بسهولة سحب الماء منها بأربع قرب او اكثر ، وتوجد في هذه المنطقة عدة مئات من الافدنة جيدة التربة . اما الماء الذي يمكن الحصول عليه فلا يمكن تقدير كميته الا باجراء تجارب فيه بالمضخات " ( ١٦ ) ومعلوم ان هذا التقرير كتب عن مدائن صالح قبل عشرين عاما . . ولا بد ان حالتها الزراعية قد تحسنت كثيرا او قليلا عن قبل . .
الحجر في الشعر الجاهلي
ورد اسم " الحجر " في قصيدة الشاعر الجاهلي الحجازي : " العجلاني " التي استسقى بها المطر لجميع مواطن بلاده الدانية والقاصية وقد سردها سردا فيها . . من شمالها الى جنوبها ، ومن غربها الى شرقها . وقد دعا الله تعالى في مطلعها دعاءا حارا ان يروى ظمأ بلاده بالغيث شاملا كاملا . وقبيل اختتأم قصيدته بث لنا ذكرياته الممتعة عن سنى الامطار الغزار التي سبق ان نعم بها الحجاز ، وبهذه المناسبة سمى ايضا الديار التى هطلت عليها تلك الغيوث آلسحاحة وعدلنا منها ( الحجر ) قال :
رويت من بعاعها العيص فالر
س سيولا ، فالمروة البيضاء
وأربت ( ١٧ ) تنصب في " الحجر " والو
د كما صب في الحياض الدلاء
جبال الحجر
وان تعجب فعجب من التصحيف الذي يعتري اعلام الامكنة في المراجع العربية ،
فيضيع حقائقها ويجعلها مترجمة مضطربة لا يستقر لها قرار . .
فقد ورد في كتاب ( جغرافية شبه جزيرة العرب ) لعمر رضا كحالة المطبوع في دمشق الشام ان اسم هذه الجبال هو (الاشالب) بشين معجمة بعد الهمزة . . وورد في كتاب ( تقويم البلدان ) لابي الفداء صاحب حماة ( طبعة باريس ١٨٤٠ م ) ما نصه : " وتسمى تلك الجبال الاثالب " ( ١٨ ) بثاء مثلثة بعدها الف فلام فباء تحتية موحدة .
وجاء في ( معجم البلدان ) لباقوت الحموي ( طبعة بيروت ) انها ( الاثالث ) ( ١٩ ) بثاعين مثلثتين . ويبدو ان ما جاء في معجم ياقوت هو الصواب .
وهكذا تضيع معالم الحقيقة في الاسماء . . من جراء تحريف الطابعين وقد سبقهم الى ذلك الناسخون . . ولا يزال الاثنان كذلك .
الخط الثمودي
يصف الدكتور جواد علي الكتابات الثمودية بانها قصيرة ومجرد اسماء في كثير من الاحوال دونت للذكرى ، فتراها على هذا النحو : " لوهب بن رفد) او " لشهرى بن رفد " او " لغصن بن اسله " . وهي تفيدنا من ناحية الاحاطة باسماء الجاهليين ، ولكنها لا تفيدنا من ناحية قواعد اللغة . فنصوص كهذه ليس في وسع احد استخراج قواعد مفصلة منها . ولهذا كانت معارفنا بنحو هذه اللهجة وصرفها ضيقة محدودة . ويقول جواد على ، ان الخط الثمودي كالخط المسند والخط اللحياني ، خال من الشكل ومن التشديد ومن الاشباع وعلامات الحركات ( ١٨ و ١٩ ) .
وهذا الذي يقوله الدكتور جواد علي من تحصيل الحاصل . . فان الخط العربي الذي نكتبه الآن كان في ايام نشأته في بالجاهلية القريبة من الاسلام وفي صدر
الاسلام ، في عصر الرسول (ص) واصحابه خاليا من النقط والشكل والتشديد وبعض علامات المد . . وقد زيدت فيه هذه الأشياء العصر الاسلامي حينما اصبح خطا علميا عالميا واسع الامداد . . واما ما يقوله من جهلنا بقواعد لغة ثمود فالذي اعتقده ان هذا من آثار اوهام المستشرقين وتوهيماتهم والا فالثمودية هى العربية نفسها وقواعدها هي واعدها بدليل ان اسماءها هي اسماؤها .
ويميل جواد على الى الى ان اصل الخط الثمودي هو المسند اليمني . . ويقول : ( وقد مر القلم الثمودي في ادوار ، تحرر فيها شيئا فشيئا من اشكال حروف المسند ، فكان كلما مر دور ، خرجت بعض حروفه بمميزات وبعلامات فارقة ، ولكنها مع ذلك لم تتمكن من ان تباعد بين المسند وبين حروف القلم الثمودي بوجه عام بعدا خبيرا ، والقارئ اذا ما ابصر الكلمتين فسرعان ما يدرك وجه الشبه ووحدة الاصل بين القلمين ، فيحكم بان القلم الثمودي من ذلك القلم العربي القديم ( ٢١ ) .
وهذا الذي يقوله جواد على يدعم لنا بطريقة حديثة ان اصل ديار ثمود تقع في جنوب المملكة ، وانها كانت تعايش وتساكن عادا وان حربا بينهما هائلة نشبت أفنت فيها ثمود عادا ، واستولت على زمام الزعامة منها عنوة ، ثم هاجرت الى الشمال من المملكة
حيث اختارت لاقامة دولتها الصناعية والزراعية الحديثة ، منطقة مدائن صالح ، ونالها غضب الرب لما استهانت بأوامردوطغت وبغت على نبيه . . فاصبحت ديارها خالية تبكي من بناها الى يوم الناس هذا . فوحدة الخطين : الثمودي والمسند تدل على ان من منشأهما واحد وهو الجنوب . ومن يدرينا ان تكون قبيلتا عاد وثمود بنتي عم . تنافستا على الزعامة كما هو دأب قبائل العرب المتساكنة في جاهلية وفي اسلام ، فأدى تنافسهما الى اقتتالهما ، وأدى اقتتالهما الى افناء احداهما الاخرى وسحقها . . فاستبدت الغالبة بامر المغلوبة واستولت على زمام الامر والزعامة بدلها . ونذكر من هذا القبيل فيما قبل التاريخ حوادث طسم وجديس ، وفيما قبيل الاسلام حروب بعثاث بين الاوس والخزرج ، وحروب داحس والغبراء . . الخ الخ .
وتدلنا البحوث وما عثر عليه من خطوط ثمودية في انساء الجزيرة ( ٢١ ) على ان هذه القبيلة العربية او الدولة العربية قد انبثت في انحاء كيرة من بلاد العرب في الحجاز ونجد واليمن غير الحجر ومدائن صالح . . . وحقيقة احوالها وانبثاثها انما تستكشف باجراء التنقيبات الاثرية العلمية في مظان وجودها مستمدا ذلك من كتب التاريخ ومن الاثريات المعثور عليها نفسها . . فالآثار تدل على بعضها . .
اسماء الاشخاص الثموديين
واسماء الاشخاص الثموديين لا تخرج غالبا من الاسماء العربية المألوفة في الجاهلية القريبة من صدر الاسلام . .
والمعروفة المستعملة في كثير من الاحيان في الاسلام ، صدره وظهره وحاضره . . ومن تلك الأسماء الثمودية التى وصلت الينا : ( اوس ) و ( سعد ) و ( عفير ) و ( وائل ) و ( بارح ) و ( مالك ) و ( أسعد ) و ( اياس ) و( قيس بن وائل ) . . وغيرها وهي اسماء لا يزال كثير منها مستعملا ( ٢٣ ) وكذلك ( احمد ) و ( صهيب ) و ( ملهب ) و ( هلال ) و ( كعب ) و ( حزم ) و ( يعلي ) و ( على ) و ( جلال ) و ( امية ) ( ٢٤) .
ونرى ان بقاء استعمال هذه الاسماء الى الآن يدلنا على ان عربية الثموديين لا تبعد كثيرا عن عربية الجاهلية القريبة من الاسلام ، كما يدلنا تتبعها من مظانها على ان ذلك تم لها حينما تحررت في اخر الامر من " تبعية " لهجة اليمن . . فلا نرى فيها ( ذو ) ولا ( أم ) بل ( أل ) . . لقد عدلت لهجة ثمود بحكم المجاورة والامتزاج الى لهجة حجازية نجدية ثمودية ثم اندمجت الاندماج الاكبر في العربية القرشية منذ فجر الاسلام . . وذابت مع مثيلاتها من اللهجات الى حد ما في هذا التراث القيم الزاخر بالقوة واللمعان .
اسماء الآلهة الثمودية
وعدد لنا جواد علي ، اسماء الآلهة لدى ثمود . . ( رضا ) و ( الله ) و ( كهل ) و ( ملك ) و ( مالك ) . . وهذه الاسماء ما عدا ( كهلا ) و ( رضا ) تتفق مع اسماء الله جل وعلا وصفاته في العربية الاسلامية . . فالله ملك ومالك اللهم الا اذا كانوا اشركوا به تعالى غيره من الاوثان وسموها بهذه الاسماء .
الشهور الثمودية
ان وجود التاريخ عند قوم او امة يدل على انها ذات مدنية . . وقد اورد لنا التاريخ العربي اسماء الشهور الثمودية .
ومن كان ذا مدنية زاهرة باهرة مثلهم فلا بد ان يكون له تاريخ يستعمله في اعماله الخاصة والعامة ومعاملاته وطقوس ديانته وحكمه وادارته . .
وهذه هي اسماء شهورهم الاثني عشر : موجب ، وموجر ، ومورد ، وملزم ، ومصدر ، وهوبل وهوبر ، وموها ، وذيمر ، ودابر ، وحيقل ، ومسيل .
وموجب هو المحرم ، وموجر هو صفر . ويبدأ تاريخهم السنوي بذيمر الذي هو شر رمضان ( ٢٣).
وانا حينما احلل لغة هذه الشهور اجد فيها لغة عربية صافية يمت اقلها الى اليمن ، مما يدل على ان اسماء الشهور بقيت في الاغلب على ما كانت عليه ايام كينونة ثمود في الجنوب واغلبها شمالية السمات . . فموجب ، من كلمة ( اوجب ) و ( موجر ) من )( اجار ) و ( مورد ) من صيغة ( اورد ) و ( ملزم ) من ( الزم ) و ( مصدر ) من ( اصدر ) . اما ( هوبر ) و ( هوبل) ( موها ) و ( حيقل ) فهي على ما يبدو لي لم تعدل ولم تصقل بعد . . لقد بقيت على سمتها الجنوبية القديمة التي طبعت عليها ايام استيطان الثموديين للجنوب و ( ذيمر ) كذلك جنوبية الشكل على ما يظهر لي . . فان علامة ( ذي ) موجودة فيها وهي جنوبية و ( دابر ) من ( ادبر ) و ( مسيل ) من ( اسال ) . والله اعلم .
حضارة ثمود
هذا ولعدم استكشاف حضارة ثمود الى اليوم ، فان العالم لم يعلم عنها سوى نتف واهم ما لدينا عنها في " الذكر الحكيم " الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه
ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد . . وقد كان لجهود الرحالين المسلمين القدامى ، ومن بعدهم المستشرقين المغامرين اثر في استكشاف مفردات وبعض تراتيب من حياتهم وطقوسهم ، ولكنها لا تتناول تاريخ وجودهم الدولي ولا انتهاءه ، ولا النظم السياسية والقضائية والادارية والاقتصادية والاجتماعية والزراعية السائدة لديهم اذ لم تجر تنقيبات واسعة النطاق بعد ، عن الدقائن المطمورة في باطن الارض طبق ما اتبع في حفائر
الفراعنة في مصر والاشوريين في العراق وغيرهم من بوائد الامم وعسى ان تقوم المديرية العامة للآثار التابعة لوزارة المعارف بالشيء الكثير من هذا القبيل ، فتسد هذه الثغرة الكبيرة ، وتطلع العالم على حضارة ضخمة سالفة من حضارات العرب في شمال المملكة العربية السعودية . . ان شاء الله .

