الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

منطق إستعمارى

Share

قالوا ذلك على ارض لم تتمخض بالخير الا عندما عاتقت سيادتها وبسطت الى الحرية ذراعيها الواسعتين . . ولم تتنفس بالبركات الا عندما تحطم النير العظيم وسحقت القدم الثقيلة ، وطارت عصا الظلم ، وأبيدت الفاس المقوضة اذ روت غليلها دماء الشهداء من ابنائها ، واطفأت لهيبها الدموع . . .

قالوا ذلك على رابية شماء كالاباء . تكسوها غاية عصبة من الشجيرات الغضة الافنان ، تتفتق في وحشة الرمال وقسوتها ورودا كلها عبير ، كانها تفتق الآمال في قلب فقير وحنو الامومة في صدر لبؤة ! . .

قالوا . . وفي حضن الرابية تناثرت سواعد مفتولة كضلوع الارز ، سمراء بلون التراب ، تدير الرفوش والمعاول ، تذري التربة والرمال ، وتمزق جوف الارض دروبا للسيول وتنحت في الرابية الجميلة العاتية طريقا واسعة تصعد كالارادة لا تقاومها السدود ، تتلوى كاعطاف الليالي المقمرات ، تبدو تارة لتختفي اخرى وراء جدار من التراب الخير . . طريقا منعطفة تشقها السواعد الصلبة لرجال غلب على ارض غالبة لتطل على بحر واسع كالرجاء ، عميق كتاريخ امة ، ابدا بتموج كالذاكرة بالاسرار والاساطير . .

انها ارض تونس ورابية المرسى.

قالوا . . . وليتهم اصغوا لما يوحي التراب ، وتتموج به الارض من جنان وخيرات وبركات . . وتتغنى به الرابيه من المثل والآمال والاماني ، وتشدو به الامواج ، من عميق الرجاء ، ودفين الاسرار ومرارة الخبرة. . . وعذوبة الانتصار . . . قبل ان يقولوا. .

قالوا . . " لن تعطيهم ارضهم ثمارها لانهم جاهلون لاسرارها ، معرضون عن خيراتها ، . ولن يقووا على سيادة انفسهم بانفسهم لانهم شعب تنقصه مقاليد القيادة والسيادة

سخافة لعمري ما بعدها سخافة : بل منطق المتجبر الارعن جرد من

سلاحه ، يتعزى بالا يحسن غريمه استعمال ذلك السلاح . منطق عنيف هرم ، جرد من كل ضرس وكل ناب ، فهو لا يجرح ولا يثير سوى موجة استهزاء وسخرية . . او شفه - ان شئت عند ذوي القلوب " الرقيقة " . شان شيخ عجوز بال هوت عليه الايام والسنون باثقالها ونوائبها فبات يهذي . . وبات صبية حوله يضحكون ، وكهول لحاله يرثون. .

منطق عجوز هرم . . سمعناه ولا نزال نسمعه فى كل بلد شاء لها سوء . المصير ان تطاطيء الراس ، لردح من الزمن ، امام جحافل الظلم ، ايام قامت الشعوب المغلوبة على امرها تمزق الاكفان ، وتحطم السلاسل والقيود وتدك جدران المعتقلات والسجون ، كما تودع الفراش الوثير لتتمدد على الاشواك وسنان الحراب ، وتشوى على اللظى ، هاربة من نهار مظلم لتعانق لبلا منيرا . . باحثة عن فجرها الجديد والحرية تحدق باحفانها وترنو الى السادة ، ونور العقيدة وصلابة الايمان يسددان خطاها .

وانتصر منها من انتصر فقبلته السيادة وخلعت الحرية عليه وشاحها ، ووهبته ارضه الخيرات وفاضت عليه بالبركات . وعم الرخاء في الجنيات وسادت الطمانينة في القلوب وهدأ الروع في النفوس وحل السلام محل الذعر والارهاب . كما لا يزال منها من هو في طريقه الى النصر المحتوم لان ارادة الشعوب لا تقهر ، وعزيمتها لا تلين اما الطريق فقد تقصر او تطول ! . .

وراى الاستعمار كل هذا فجثا ، شبحا على الاطراف ، يتمتم صلاة نزاعه السوداء الرتيبة : لن يعرفوا . . لن يسودوا . . لانهم . . لانهم . .

صلاة نزاع من نوع طريف خاص. . لن تستجاب . .  سمعتها ، شابا ، فى توتس ، فاخذتني انتفاضة من مست كبرياؤه . واستيقظ في اعماقي عالم من الذكريات كما سمعتها طفلا في سوريا وكنت الهو عنها كما يلهو كل طفل عن كل ما ليس بكرة ومضرب . الا ان لفحاتها كانت تدغدغ كباني دغدغة النار للحظة ، لما كنت اسمع ولا افهم ، صداها الرهيب ، عند المساء في كلمات امي وابي المتحفظة القلقة ، واصغى الى تراجيعها فى نبرات شبان قريتي موجة حماس مكبل وفي احاديث شيوخها هزات راس بائسة . . ايام كانوا يجتمعون في ساحتها وقد ارخى الليل سدوله برفق على السفوح ، واشعلوا لفائفهم متكئين على الجدران يرسلون دخانها سحبا من هموم ونفثات من تعب . . وفي نظراتهم العميقة لحج

من كآبة واضطراب . كانت ابتساماتهم تنازع على شفاههم ، كأن الامل ودع تلك القلوب النديه ، والسرور فارق تلك الجباه النحاسية . والعزيمة خانت تلك السواعد الصلبه فهي تزرع وتحصد ، لكن لا لتاكل . . وتعلف النعجة والبقرة لكن لا لترى منها الحليب ، وتسمن الكبش والثور لترى عصا الشقي تسوقهما معا ، في الليل او في النهار ، الى حماة الامن في تلك الربوع . . وكانت العجوز المسكينة تحنو على دجاجتها وتشاطرها الرغيف ليحملها السجين هدية للسجان . . . ويسرع الفقير المظلوم ليقدم شكواه دليلا ضارعا . . وتتعثر العجوز متكثة على عصاها لتبكي امام من هو خصمها وحكمها ، فما عسى ان يكون الجواب ؟ :

زاد من التهديد والوعيد للمجرمين . .

كنت اراهم يتهامسون احيانا ، واسمعهم ينطقون باسماء كان مجرد ذكرها يددب الرعب في القلوب لانها رادقت الشقاوة واللصوصية والفتك فd تلك المقاطعة وما يجاورها : محمد الابراهيم فجر عنتر نورس )١(. الخ

اسماء لاشخاص لا يزال البعض منهم على قيد الحياة مع اغلب افراد عصاباتهم، حالسوهم يسمعنكم من النوادر ما تضيق عنها صفحات الكتب ومن الاسرار ما يفضح تاريخ امة ويحكم على حضارتها وإنسانتها بالبله ! تكفي ان سمعك بعض من سجن منهم هذا التصريح الذي اصح ما يقال فيه انه طعنة في صدر العدالة ووصمة عار لجبين الانسانية ، وهو ان جدران السجر كانت تحتضنهم نهارا لتفتح لهم القضبان ليلا فيسعون كالذئاب للسلب والنهب وبعث الذعر في القلوب الآمنة التي استنجدت بالفراش ليبعد عنها ثقل النهار وينفض غباره .

لن انسى يوم هبط " فجر " بعصابته على قريتي وكانوا مدججين بالسلاح متمنطقين بالرصاص ، وكان النهار في ربيعه اما وجوههم فكسواد الليل عبوسة . .

ورأيت رجال قريتي يجتمعون حولهم ، كالنعاج حول ذئاب ، والحيرة بادية على الوجوه ، والخوف في النبرات ، ينهالون عليهم بعبارات الاستعذار والاستعطاف .

ورايتهم اخيرا يسيرون بهم الى بيت وجيه في القرية حيث أولموا اهم من الطعام أشهاه ومن الشراب أعتقه وكأن النشوة والطرب ، اثناء الوليمة ، اخذا من احدهم كل مأخذ ، وكان يدعى " الصغير " إن لم تخني الذاكرة ، دميم الخلقة . ارقش الوجه ، فانبرى يصيح بملء شدقيه : " نفسى فدى سوريا . - والعلويين ( ٢ ) ! " .

فالله اكبر كم في الارض من عحب . .  ولله في خلفه شؤون !

هذه كانت سياسة الاستعمار الفرنسي في سوريا ، وهذه هي خطة الظلم اينما حل ، وفي كل قطر تمزقه اظافر العبودية الدولية وهذه هي تراجيع صلاة الاستعمار ، فما اخشعها صلاة وما ابعدها اثرا في النفوس ! اسمعناها ولا نزال نسمعها : لن يعرفوا . . لن يسودوا . . لانهم . . لانهم . .

لقد ظنوا اننا لن نسود ولن نحسن القيادة لانهم اتقنوا فن خلق الاضطراب والبلبلة ، وابدعوا الدسائس ، وحاكوا من الجرائم آمالهم وبنوا على النفعية عدالتهم . . . فهمهم الوحيد افساد الروابط الاجتماعية وخلق الشقاق ونشر الفوضى في الصفوف والانحلال في الاخلاق ، وبعث الذعر في القلوب والوهن في النفوس بارتكاب ابشع الجرائم لتأمين مصالحهم ، حتى اذا ما راوا هذا الجو الاسود العكر النتن يخيم على الارجاء ، شعروا بالطمانينة في نفوسهم والارتباح لسيادتهم والاستقرار لاعمالهم " والكمال " لرسالتهم . . .

لكنهم نسوا ان الانسان اشد نزعة للخير منه للشر ، والخير شامل لكل مفاهيم الصلاح والاصلاح فيه . . فالحرية منهل حياته واندفاعه . والجمال مسرح طربه وحبه لهذه الحياة بريئة بيضاء . والعدالة سنة علاقته بالانسان والانسانية ، والحقيقة مشعل ينير له السبل ويسدد له الخطى في خضم من التيارات والنزعات المتباينة في اعماقه وخارجا عنه . .

فما هي اسس نشاطهم ، وعلى اي شيء يعتمدون ؟ انها تتنافى وهذا الجوهر السامي في الانسان ، لذا كانت واهنة واهية ، وكانت بديهة لازمة . يقظة هذا الجوهر ، وململة الشعوب المستعبدة وثورتها ، فمادة الشعوب الانسان، وجوهرها ، مع احترام امكانية تبادل الانفعال والتأثير ، جوهره !

ولقد انتصر هذا الجوهر فينا ايما انتصار ، فبانت قدرتنا على التحكم بمصيرنا وامكانياتنا وبعث الكامن الجبار من قوانا ثورة حمراء يذكيها الايمان ويقودها ألوعي سوف تكللها السيادة عند من لا يزال منا في صراع مستميت مع حجافل الظلم . .

وسيادة كاملة وقيادة واعية عند من انتصر منا ، وحطم القيد !

ولقد آن لنا النهوض ، فالتاريخ قد ضج بصراخنا وعويلنا وها هو من جديد يبسط لنا ذراعيه الواسعتين ويفتح لنا صدره الرحب العميق علنا نملا بالانسانية والمحبة والاخاء زوايا غمرها الاستعمار بالجرائم والدماء .

زد على ما ذكرنا من نزعة فردية في الانسان ، للحرية والاستقلال - اننا ابناء امة شهدت لها كل الامم قديمها وحديثها ، لباس مع اللين والقوة مع العفة والتحكم مع العدالة الى جانب نهوض لا يستهان به فى اغلب المضامير المادية والمعنوية . .

افينكر علينا حق الوراثة ايضا ؟ !

نحن في سيادتنا ، نعمل لنحيا : ونحيا لنؤيد السلم زندا والانسانية قلبا ! قلنا الآن ان نثور وان نهفو للحياة بكل ما فيها من جمال وفتنة وانطلاق . . . لنا ان تثور لنثمل بارتشاف كاس النصر حتى الثمالة ! ونتذوق النشوة بسماع الملاحم صاغتها دمانا ، والاناشيد غنتها الربى جذلى بلقانا ، ولنا ان نثور ليتعالى السلام في صدورنا تراتيل بقاء وخلود ! وليستحيل ذئبنا حملا وديعا يشوقه سياج الحظيرة الشائك ويستهوية اخضلال المرج ! . .

ولقد ظنوا اننا لن نحسن استثمار ارضنا لاننا جاهلون لاسرارها معرضون عن خيراتها . والجهل شىء ، والاعراض شىء آخر !

فان كنا جاهلين ، فلان الاستعمار حاول خنق المعرفة فينا .

وإن قال : إننا معرضون ، فهو على خطإ مبين ، فالاعراض يتضمن الكره . . .

ومن من الناس يكره الحياة ، وقوام الحياة بكل وجوهها هو العمل ! ؟

لقد حاول الاستعمار خنق المعرفة فينا . والمعرفة جذوة في الانسان كامنة فى مواهبه العقلية بل هي شرط لازم فيه . . هي قوة كامنة كنار تحت رماد .

فمثل هذه النار لا تحركها سوى الرياح ، ومثل هذه القوة لا يبعثها الا بعث الدفين من مواهبه عن طريق العلم !

ولقد سعى الاستعمار جهده للسيطرة على هذا المعول الجبار في بناء وجودنا ، ليجعل منه اداة هدم وتحطيم وتضليل فتنشأ معرفتنا شوهاء لا وجه لها وقد ضلت طريق ذاتها فهي لا تنظر الى تاريخها الا بمنظار المستعمر ولا ترى حقائقه ومداه ، بل قد تنساه لانها شغلت عنه بالوان مزخرفة خداعة في انتصارات ابطاله ، ونظريات فلاسفته وادب ادبائه . . اما انتصارات ابطال الامة وفلسفتها وادبها فليس لها وجود ، وإن اتيح لها ذلك ، فممسوخة مشوهة ! . .

على هذا اعتمد الاستعمار في قوله بعدم معرفتنا وعدم قدرتنا على تسيير امورنا وتجنيد امكانياتنا لانه ، لمدة من الزمن ، جردنا من سلاحنا وسعى لينسينا ذاتنا كما سبق فقلنا بشكلنا بقوانا ومواهبنا وتاريخنا ، بعد فترة طويلة من الحكم التركي الجامد الذي تلا عصرا لنا هو من ازخر عصور الامم علما وثقافة وسياسة وفتوحات ولرب قائل يقول : شعب مجيد هوى ! . .

نحن لا ننكر ، بل كلنا مجمعون على ان الشعوب لا تستسلم ولا تغلب على امر ها الا نتيجة ضعفها ، بل ارادتها احيانا ، لذلك قيل : " الدولة تموت اذا ارادت الموت " و " تحيا اذا ارادت الحياة " . . ومن هذا نستنتج ان اسباب موتها ليست مادية فحسب كما هي الحال عند الفرد بل معنوية ايضا . فوجود القوى المعنوية هي دعائم حياتها وعدمها جالب موتها لا محالة ! .

ونحن ان كنا حاربنا الى جانب فرنسا والحلفاء في الحرب العالمية الاولى ، ضد المانيا وتركيا وحلفائهما فلاننا شئنا الحياة حرة أبية . . شئنا ان نتخلص من الحكم التركي العثماني لنملأ فراغنا بانفسنا ونشبع جوعنا المعنوي والمادي ونروي غليلنا محبة وسلاما ولولا المواعيد بالحرية والاستقلال لما بسطنا اليمين بيمين الشريف حسين شريف مكة لمصافحة الحلفاء واشعال نار الثورة في كل واد وعلى كل تل وكل ذروة فلماذا تجاهل الاستعمار اهدافنا وضرب عرض الحائط بارادتنا للحياة بيضاء لا كدر فيها ؟

لماذا حاول إطفاء المشعل المنير بيميننا قلوبا ودماء ؟ . . .

لماذا شاء ان يقطع الساعد الذي بسط قوة وعونا ومنزق اليمين التي مدت للمصافحة والاخوة . . باعلانه التقسيم بمعاهدة سايكس بيكو ؟ . .

لن تعرف قلوب المستعمرين انسانية وحنانا ! كالذئاب ابدا تعشق سنة الغاب وتستعذب دم الحمل الوديع ، وتناثر اشلاء الضعاف!. .

نعم لقد شئنا الحياة ثورة في دمائنا ومعولا في يميننا فقد حطم النير منا من تحرر . . ورفع المغرب العربي الكبير لواء الحرية والاتحاد ، يمينا تخضبها الدماء ولا تلين ، وتلهبها النيران ولا تفنى . . فالدماء لها خلود والنار حياة ! ولن تستريح حتى تعانق سيادتها تامة بغبار المعركة ، وتصافح حريتها بكف حفرت فيها الجراح اخاديد . . .

قلت شئنا الحياة ثورة للسيادة ومعولا للخير  . فلا حياة دون سيادة و لاخير دون معول والسادة والخير يتكاملان على بساط الحياة . . ويمكننا القول بان لا حياة دون عمل ، والعمل يفترض النتيجة النافعة . لذا كانت المعرفة قوام كل عمل مفيد . وكان قوام المعرفة الجهد . . وكانت ارادتنا للحياة ، اذن ، سعيا لعمل تنيره معرفة يغذيها جهد !

واشلاء شهدائنا على الروابي والبطاح تنطق بجهدنا وجهادنا .

ونكران وعي الشعوب كل الشعوب ونهضة المعرفة عليها سخافه ما بعدها سخافه

وليت أمك ولدتك اصم ابكم ، ايها الباكر علينا حقنا ، والطاعن بقدرتنا على ارضنا ، قبل ان تنطق امامي ، وكأن امتك تهذي بلسانك ، بحديث هو صفعة جديدة للانسانية ، وامتداد تفتيق لجراح تتسع! . .

اشترك في نشرتنا البريدية