الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

من آثار مصطفى آغا, حفلة

Share

(1)

ظهرت صاحبة العزة ، فى اجمل بره ، فحجبت ما فوقها من الشهب وعزقت ما تحتها من السحب ، فخلت لها الاجواء وعمت بها الاضواء ، ولامست أشعتها الهياكل العصبية الفاترة ، فنشطت من عقالها نافرة ، فصفا جو الحاله الادبية ، بفضل أشعتها الذهبية ، فهان على النفس ما كان مهيلا ، وخف على الكاهل ما كان ثقيلا ، فبارك الله فى هذا الكوكب الملتهب ، وقاتل الله غياهب السحب ، فلكم اخفت من جلال ، وبرقعت من جمال ، وكم حالت بيننا وبين منبع الحياة ، وحوقها بحوالك الظلمات

أما الآن والحمد لله فقد انهزمت جيوش الاوهام ، وانتشرت اجنحه السلام ، فقمت أتصفح البريد ، على أعثر على جديد ، فوجدت ورقة استدعاء ، مذيلة بالحاح من دعاء ، يحث على الحضور ، لحفلة انس وسرور ، فى ليلة زنوعت مغانيها ، وتبرجت غوانيها ، وعبقت روائحها ، وترنمت صوادحها فتدن في الذهاب ، وقلت اتحمل مر العتاب ، ولكن هزنى شوقى الى المغانى ، فدخلتها في الهريع الثاني ، عبرت صحن الدار ، فالفيته يتلالا بالانوار ، والناس في صفوف ، يطاف عليهم بعتيق الكهوف ، وأمامهم مرتفع غنت عليه البلابل ، وحركت النفوس وأهاجت البلابل ، وترنحت فوقه الاماليد ، بأمر بنت العناقيد ، تعرت المعاصم والجيود ، الا من الاساور والعقود ، ولقد اكسبتهن أشعة الانوار حمالا فائقا وهو مستعار ، فتوجهت اليهن الاحداق ، وطال فيهن الاحداق ، وخفقت لهن القلوب ، مع تنوع الاسلوب ، فمنهم من تمايل ، ولج يتساءل ، ومنهم من كني ولوح ، ومنهم من سمى وصرح ، ومنهم من أقر وباح ، ومنهم من تأوه وصاح ، ومنهم من تألم وشكا ، ومنهم من أجهش بالبكاء ، ولكن الرحمة لم تقع ، من سدات المرتفع ، بل زدن عزة وطغيانا ، وأبدين فى الصد ألوانا ، متصنعات عدم الاكتراث ، بالشباب والجمال والتراث ، فزاد اتساع الخرق ، وآذنت سفنتهم بالغرق ، لولا أن خفت صوت الاوتار ، وانشدت ذات السوار ، ولعمي ما فرغت حتى امتلا الفؤاد ، وتحرك الجماد ، ثم سجى ذاك الخضم الانساني ، فلا تسمع الا رنات القنانى ، ورقرقرة السلافة ، على بعد مسافة ،

وتعديل الاوتار وهمس من داخل الاستار ، فقلت طاب المقام ، وحبذا لو صحت الاحلام ، فلم اشعر الا والقوم تعج عجا ، والارض ترج رجا ، فقلت بهذا ما كنت اختباء ، وأحاذره وأتوقاه ، فقد تخاصمت الاقوام ، وتحققت الاوهام ، ومدت الايدي إلى الزاد ، بل الى الاجساد ، وأكفهر وجه السماء وسيمطرنا دماء ولكن ما اسرع هجومي ، وما اجهلنى بلغة قومى ، فلا خصام ولا شجار ، ولا أهوال ولا أخطار ، ولا نفخ في الصور ، ولا نقر فى الناقور ، ولا كانت القارعة ، بل وقفت الراقصة البارعة ، وتدرجت على المرتفع وما وقع كان حسن تخلص لما سبقع ، أعني الرقص البديع ، ومطابقة الحركات للترجيع تثنت فأزرت بالعذبات ، وشدت فاخجلت المطرقات جري كل هذا وانا اخيل البصر ، مفتشا على مقر ، بعيد عن الزحام ، قريب من مصدر الانغام ، فأنتج البحث والاستيعاب ، وجود مقعد قرب أحد الابواب ، اسدل عليه ستار شفاف ، بانت من ورائه ملامح واعطاف ، وسمعت من ورائه النغم الرخيمة ، ولمحت من نقبه أشعة الاحجار الكريمة . هبت على ضحكات ، لها في المسامع رنات ، هذا مع الجهل والشك ، فى حالة من ضحك ، ولربما كنت على ضلال ، وهكذا الحياة خيال ، اهتديت إلى مقعدى الفريد ، على غير ما اريد ، مستهجن المقام ، ولكن للضرورة احكام ، فكنت اسمع ما يجرى خلف الستار ، وانا مجبور فى قالب مختار ، وبان لى في اختلاف لهجتين ، أن الستارة محتلة بفتاتين احداها تجاوزت الحلقة الثانية ، والاخرى منها دانية ، يتحاوران بحماسة ، بعيدتين عن الكياسة ، قد هاجهما وجود ذلك المعشر ، فى متسع ذاك الحشر ، قالت من أظنها الصغرى ، تخاطب الكبرى ، الم تنظرى ذلك الجميل الوجه والكساء المفرط في الدعابة والاحتساء ، الفاقد البصيرة ، المتدله بالراقصة الاخيرة ، بكاد ان يلتهمها بعينيه ، أو يمسكها بكلتا يديه ، وقد أضاع فى هذا العمل حينا ، وملا ما بين رجليها رياحينا ، وهي لا تزال فى اطراقها ، لا تتنازل الى استنشاقها ، فاما أن تكون عديمة الذوق ، أو متظاهرة بما فوق الطوق ولعمى انها لبراعة ، تعجز عن وصفها البراعة ، عزيمة قادرة ، وبطولة نادرة ، قسما لو حللت محلها ، لوجدت للمسألة حلها ، أى التقط بعض تلك الزهور ، واستنشقها بلذة وسرور ، ثم أضعها بين الثديين ، واشكره بلمحة عين ، ولكن هذا الستر الحصين ، نتيجة سخافة القمين ، هو الذي حال بيني وبين مشروعى ، وجعلنى اتجرع مرارة شوقى وولوعى ، فيا من نصبت هذه الستارة ، لتتقى النظر وأخطاره لقد فزت بهذا النمط ، ولكن الليلة فقط ، فانى ملاقية ذلك الحبيب ، وان غدا لناظره قريب ، أراك تحرم

الرؤية على العاجز ، وتبيحها للبطل البارز ، وتحجب عن العيان صاحب الامر والسلطان ، من اذا أراد ، بلغ الغاية ونال المراد ، ونال ما اشتهى ولو تعلقت بالسهي ، فعلى رسلك يا مسدل الحجاب ، ويا عبرة دوى الالباب ، هلا حيث الرجال ، واطلقت ذوات الحجال ، حتى يراها ولا تراه ، ويراسلها فيخيب مسعاه ، فكم منهم من غره الطمع ، ودفعه الجشع ، فسيم الوان العذاب ، واقتنع من الغنيمة بالاياب ، وبعد هذا فهل سمعتم بمن راودته فتاة ، فصب عليها جام اللعنات ، وأبرق وأرعد ، وأنذر وتوعد ، واندفع بين الجمهور ، ينادى بالويل والثبور ، ان هذا لهو عين الضلال وبارك الله فيمن قال :

حاجب العذراء تحت الستر هل أنت تخشى أن يراها ذكر

ما عليها لو رآها خطر بل عليها لو رأته الخطر

الكيرى : مالى أراك يا حبابة ، قد اندفعت فيما تعودت اجتنابه ، ولم اشاهدك ثرثارة ، الا تحت هذه الستارة ، ولعمرى قد قلت نكرا ، حتى تخيلت انك سكرى ، اعراك الجنون ، فأبرزت المكنون ، وبحث بما لا يباح ، ولو تعاقبت الاقداح ، فكأنما لعبث بك عقار ، لم تقف عند موضع الاسرار ، تالله لقد صبرت عليك كثيرا ، فلم أحد لما قلت تأويلا وتفسيرا ، ولقد نفد صبرى واحترت والرحمان لا شك فى أمرى

الصغرى : لا كأس ولا دن ، ولا مس من الجن ، ولا ثرثرة ولا هذيان ،  ولا حمة ولا بحران ، بل ان تلك المغازلة وذاك التجنى ، أيقظا ما كان ناعسا مني ، واضرم خامدا ، وحرك جامدا ، لا أنكر أن تخيل هذه الحالة كان واقعا لا محالة ، ولكن ينقصه التحقيق ، والحس والتطبيق ، أما الليلة فقد أبدر القمر ، وتجسم الخطر ، فلقد رأيت من صنوف الاستهواء ما أيقظ ناعس الهوى ، فتغيرت الاحوال ، لما تجسم الخيال ، وهذا هو القول الفصل ، بل هو صورة طابقت الاصل ، فهل من مفر كلا لا وزر ، وهل من دواء لهذا الداء العياء .

اشترك في نشرتنا البريدية