في احدى ملاحظاته غير العابرة ، دعا فضيلة الشيخ عثمان الصالح الى البحث عن حياة أحد أعلام الاسلام ونشر مؤلفاته وجعل ذلك واجبا محتما بالنظر الى ما لدراسة حياة هذا العلم من الفائدة التى تعود على الشباب المسلم حين يعرفون شيئا عن آبائهم وأجدادهم لينحوا نحوهم وينهجوا نهجهم في الرحلات ونشر الدعوة الاسلامية والبحث عن الحقائق في كل مكان ولدى كل انسان (١) واستجابة منى لهذا النداء المشكور رأيت أن اقدم للقراء هذه الدراسة المتواضعة فى هذه الحلقة من حلقات : ( من أعلام الاسلام ) عن هذا العلم الجليل الذي هو أبو حامد الغرناطى.
تمهيد :
لا يخلو تاريخنا الاسلام من وجود صفحات مطوية فى تضاعيفه ولو وجد من يزيح الركام عنها لرأيناها وضاءة مشرقة تبعث فى نفس كل مسلم الفخر والاعتزاز . . وحياة علمنا الجليل هذا صفحة من تلك الصفحات أحاول فى الأسطر التالية اماطة اللثام عنها حتى نعرف نحن معشر الشباب خاصة - ( كما يقول الشيخ عثمان الصالح ) شيئا عن آبائنا وأجدادنا حتى ننحو نحرهم وننهج نهجهم في الرحلات ونشر الدعوة
الاسلامية ، وهي أمور يفتقر اليها الاسلام في هذا العصر أكثر مما كان يفتقر اليها في أى عصر مضى ، فالاسلام اليوم فى حاجة ماسة للدعاة المصلحين الرحل فى سبيل نشر الدعوة الاسلامية والتبشير بالدين الاسلامى وانقاذ البشرية من التهلكه السحيقة التى نراها فنسير بسرعة اليها.
نسب أبي حامد :
يجمع المؤرخون على أن اسم أبى حامد الغرناطى كان محمدا الا انهم يختلفون في ذكر اسم أبيه ففي الوافي بالوفيات للصفدى والاعلام لخير الدين الزركلى ومعجم المطبوعات ليوسف سركيس ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة وغيرهم انه عبدالرحيم ، وأرى فضيلة الشيخ عثمان الصالح يوافقهم فى ذلك وهو الأشهر والأصح ، ولكن صاحب كتاب دليل مؤرخ المغرب الاقصى قال : انه عبدالرحمن وشاركه في هذا الرأى فؤاد سيد أمين الذى صنف فهرس مخطوطات دار الكتب المصرية كما شاركهما فيه البستانى فى دائرة معارفه ولكنه ذكر اسم عبد الرحيم كقول ثانوى كما نوه صاحب معجم المؤلفين الى رأى ابن سودة صاحب دليل مؤرخ المغرب ، ولا جماع أغلبية المؤرخين على أنه كان عبدالرحيم فهو الأرجح والله أعلم ، وعليه يكون نسبه هكذا : أبو حامد محمد بن عبدالرحيم بن سليمان بن أبي الربيع بن محمد بن علي بن عبد الصمد القيسى ( كذا ورد في الوافى بالوفيات ).
أما بقية المؤرخين فيكتفون بذكر نسبه الى جده سليمان ويزيدون عليه . . المازني ، الأندلسى ، الغرناطى . وكان يكني بأبي عبدالله الى جانب أبي حامد ويذكر صاحب
معجم المطبوعات أنه ( الملقب بشيخ عبد الله ). ويبدو أنه استقى هذا من المجلة الآسيوية كما ورد في هامش الترجمة عنه ، ويلقبه بهذا اللقب أيضا البستانى.
مولده:
يجمع الصفدى وابن سودة والزركلي وكحالة والبستانى وهم الذين ذكروا تاريخ مولد أبي حامد الغرناطى على أنه ولد سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة (٢) . وفى الاعلام ودائرة معارف البستاني " ولد بغرناطة" .
نشأته وتعلمه :
لا نعرف عن نشأة أبى حامد الغرناطى أكثر عن أنه انتقل الى مدينة أقليش (٣) بعد ولادته بغرناطه وأقام بها حتى العام الثلاثين من عمره حيث ترك وطنه وقصد بلاد المشرق مبتدئا رحلته الطويلة التى انتهت بوفاته.
أما عن تعلمه فيبدو أن طلب العلم كان أحد الاسباب المباشرة التى دعت أبا حامد الغرناطى لأن يقوم برحلته الى المشرق . فقد أخذ أبو حامد مبادئ العلوم على بعض علماء بلاده ولكن نفسه لم تكتف بذلك ولم يشف غليلها النزر اليسير من العلوم التى نهلها فى الاندلس فتاقت الى الاستزادة منه فغادر أبو
حامد وطنه واتجه الى المشرق طالبا العلم وداعيا الى الله أيضا .
رحلته :
لم يخرج أبو حامد الغرناطى عن الوتيرة التى تمشى بموجبها الكثيرون من أبناء عصره الاندلسيين فبعد أن بلغ أبو حامد الثلاثين من عمره عام ٥٠٤ ه ترك وطنه الاندلس ميمما شطر المشرق ، و كان أبو حامد يستهدف من وراء قيامه بهذه الرحلة الى جانب طلب العلم أمرين :
الأول - الاطلاع على عجائب البلدان وغرائب المخلوقات (٤)
الثاني - الدعوة الى الله ودين الله .
وقد طغى على رحلات أبى حامد طابع التريث في التنقلات فان أبا حامد ( لم يكن متعجلا فى تنقلانه ) كما يقول البستانى .
خط سيره في رحلته :
قصد أبو حامد الغرناطى أول ما قصد الى المشرق فى رحلته الى المشرق - تونس ، فقد وصل بطريق البحر عام ٥٠٥ ه وأقام فيها عشر سنوات غادر بعدها تونس وقدم مصر ( كما يقول المقرى فى نفحه ) سنة ٥١٥ ه ويشك فى ذلك فيضيف قائلا : ( أو بعدها ) ولكن البستاني يجعل هذا التاريخ وقت مغادرته مصر لا قدومه اليها كما فى نفح الطيب ويجعل تاريخ قدومه لمصر ٥١١ ه حين وصل الى الاسكندرية ، ويذكر أنه مكث بها قليلا ثم انتقل الى القاهرة فأقام بها حتى سنة ٥١٥ ه حيث ارتحل من القطر المصرى . ولا أرى غير المقرى في نفحه ، والبستاني في دائرة معارفه
يتكلمان عن قدوم أبى حامد مصر وتنقله فى مدنها .
وفي مصر ( سمع أبو حامد من السلفي - بكسر السين وفتح اللام - ) وفرأ على جماعة من شيوخ مصر .
في بلاد الشام :
ليس في امكاننا تحديد الزمن الذي غادر فيه أبو حامد مصر الى بلاد الشام نظرا لاختلاف المؤرخين في ذلك ، وأيا ما كان الامر عليه فان أبا حامد وصل بلاد الشام قادما من مصر قبل عام ٥٢٠ ه فكانت دمشق أول ما نزل من المدن هناك قال في " معجم المؤلفين " : فحدث بها وأقام مدة - كما يقول البستاني - انتهت عام ٥١٩ ه لكننا لا نعرف بالضبط مدة اقامته بها لأننا لا نعرف تاريخ قدومه اليها . ومن دمشق اتجه أبو حامد الى بغداد فوصلها في مستهل عام ٥٢٠ ه وكانت بغداد آنئذ تغص بمجموعة طيبة من العلماء الافاضل فانتهز أبو حامد الفرصة ( فسمع بها أبا العز أحمد بن عبيدالله بن كادش وغيره ) (٦) كما حدث بها عن أبي صادق مرشد بن يحيى وأبى عبد الله محمد بن أحمد بن ابراهيم الرازي (٧) وغيرهما ، ودام أبو حامد على ذلك أربعة أعوام ترك أبو حامد بغداد بعدها .
في ايران وأواسط آسية وبلاد الصقالبة :
بعد خروج أبى حامد من العراق توجه إلى ايران فنزل مدينة أبهر التى قدمها سنة ٥٢٤ه وجال فى بعض قراها المجاورة وأطال فيها حتى لقد أمضى بها قرابة عشر سنين يمم أبو حامد عقبها صوب الشمال حتى وصل الى مصب نهر الفولجا على بحر الخزر ( قزوين ) وأخذ يتجول فى تلك المناطق حتى اذا أهل عام ٥٤٥ ه ارتحل الى بلاد المجر من أوروبا وجال فى بعض البلدان المجاورة حتى وصل الى روما من ايطاليا ، ولم يطل أبو حامد المقام هناك اذ غادر المجر بعد ثلاث سنوات من مقدمه اليها أى فى عام ٥٤٨ ه متجها إلى الشمال الشرقي حتى وصل بلاد الصقالبة بين جبال أوال والبحر الادرياتيكى حيث أخذ ينتقل من منطقة الى أخرى في هذه البلاد مدة قصيرة لم تتجاوز السنتين اتجه بعدها الى الجنوب الشرقى حتى نزل مدينة بخارى مجتازا بلاد خوارزم بين بحر قزوين وبحر آرال ، ولم يك نزوله في بخارى سوى مرور فقط فى طريقه الى مكة المكرمة كما نزل في طريقه اليها بمرو في أقليم تركستان ونيسابور من خراسان والرى وأصفهان بايران والبصرة حتى إذا دخل شبه الجزيرة العربية أسرع الى مكة المكرمة وأدى فريضة الحج والعمرة عام ٥٤٩ ه ولم يمكث بمكة أكثر من أيام الحج اذ غادرها في نفس السنة الى بغداد ينشد الراحة والاستقرار بها ويبدو أن حب التنقل والترحال دعاه الى السفر من جديد وترك الراحة والاستقرار كما أن نفسه التى تعودت على التجوال لم يطب لها العيش المستقر اذ لم يلبث أبو حامد أن ترك بغداد بعد ست سنوات من وصوله إليها عام ٥٥٠ ه وارتحل الى الموصل ثم غادرها الى بلاد الشام التى كان
قد نزلها أول مرة قبل ثلاثين عاصضما تقريبا فنزل مدينة حلب منها فمكت بها مدة غادرها بعد ذلك الى دمشق لتكون نهاية المطاف في رحلته الطويلة التى طوى فيها ثلاث قارات وزار أكثر من عشرين بلدا .
ولما كان عليه أبو حامد رحمه الله من تفقه فى الدين وسعة اطلاع بالشريعة وأحكامها فقد كان فى تجواله في هذه المناطق الخارج أهلها عن الاسلام يدعو الى الله بالتي هى أحسن ويبشر بالدين الاسلامى ويدعو اليه ويرشد الناس الى الصراط المستقيم فدخل في دين الله على يديه الكثيرون فنال بذلك الدرجات العلي عند الله ان شاء الله .
اقوال العلماء فيه :
١ - قال الصفدى في الوافي بالوفيات : ( كان شيخا فاضلا أديبا )
٢ - وقال في نفح الطيب : ( كان لديه فقه وأدب )
٣ - وقال الزركلي في الاعلام : ( من أعلام تخطيط المدن )
٤ - وقال صاحب معجم المؤلفين : ( عالم ، أديب ، حافظ ، رحالة )
مؤلفاته :
لعل كتاب ( تحفة الألباب ونخبة الاعجاب ) أهم سفر تركه لنا العلم الجليل أبو حامد الغرناطى وقد سجل فيه رحمه الله خطوات رحلته ومشاهداته فيها ولا تقل أهمية هذا الكتاب عما ألف من الكتب في مجال الرحلات كرحلة ابن بطوطة ورحلة ابن جبير وغيرهما ان لم يبزها فقد كان هذا الكتاب فريدا في
نوعه اذا ما نظرنا إلى الوجهة التى اتجه اليها أبو حامد في رحلته والطريق التى سلكها فيها فان أبا حامد يمتاز عن غيره من الرحالة المشهورين كابن بطوطة وابن جبير بهذه الوجهة وهذه الطريق التى لم يتجه اليها احد قبله من الرحالة العرب كما لم يسلكها غيره منهم . وذلك بارتياده مناطق أقصى شمال آسية عند بلاد الصقالبة وما بعدها ووسطها حول بحر قزوين وشماليه وشرق أوروبا ووسطها عند المجر وايطاليا ، وبدأ خط سير رحلته من أقصى جنوب غرب أوروبا الى شرقيها ووسطها مارا بالمشرق العربى وغير العربى وعائدا عن طريق شمال آسية ووسطها .
وقد ألف أبو حامد الغرناطى هذا الكتاب على مرحلتين فقد طلب منه الوزير يحيى بن هبيرة تأليف كتاب عن مشاهداته فى رحلته وكان مختصا ببلاد المغرب فسماه ( المعرب عن بعض عجائب المغرب) ( ٨ ) جمع فيه الى بعض ما استفاده فى رحلته من معلومات واشارات دقيقة جمهرة من الحكايات المتعلقة بالعجائب والغرائب ، ثم بناء على طلب من مضيفه وصديقه أبي حفص عمر الاردبيلى توسع أبو حامد في كتابه الاول ( المعرب ) كثيرا وأضاف اليه وجعله عاما بكل المناطق التى زارها في أفريقية و آسية وأوروبة فسماه ( تحفة الألباب ونخبة الاعجاب ) وأوله : ( الحمدلله أن أبدع العالم علما على توحيده . . الخ . . ) وتحفة أبي حامد هذه أشهر كتبه على الاطلاق وأكثرها فائدة ويقع فى مقدمة للتعاريف الجغرافية والبيان والتمهيد ، وأربعة أبواب :
الباب الاول - في صفة الدنيا وما عليها من النباتات والحيوانات .
الباب الثاني - في صفة عجانب البلدان وغرائب البنيان
الباب الثالث - في صفة البحار وعجانب حيواناتها .
الباب الرابع - في صفات الحفائر والقبور وتوجد من هذا الكتاب ثلاث نسخ مخطوطة فى دار الكتب المصرية :
الاولى : نسخة مصورة بالفوتوستاب عن نسخة مخطوطة سنة ٥٦٧ ه - ١١٧٢ م بخط مغربي وهذه النسخة محفوظة في الدار برقم ١١ تاريخ ش ( ضمن مجموعة من لوح ١_٥١ ) " ٤٤١٩ ج "
والثانية منسوخة عن النسخة الاولى تمت كتابتها سنة ١٣٦٤ ه بقلم معتاد بخط محمد محمود عبدلطيف فى ١٥٥ صفحة ( ١٨×٢٦ سم ) " ١٩٤٨ ـهـ"
والثالثة نسخة مكتوب عليها انها تأليف ابن حميد الاندلسي ( لم أجد له ذكرا في الأعلام أو غيره ) وهي مكتوبة بقلم معتاد وناقصة من آخرها ضمن مجموعة ( من ورقة ٧١_١٠٠)( ، ( ١٤×٢٠ سمـ ) " ٣٥٥١ ج " .
أما الكتاب الاول فلا نعرف عن نسخه شيئا .
واننا لنأسف كثيرا حين نعلم أنه لم يطبع أى من هذين الكتابين الجليلين من تراثنا الاسلامى باللغة العربية بينما أخذها المستشرقون الغربيون فدرسوهما وترجمموهما ونشروهما فى حين حرمنا نحن منهما . فقد درس المستشرق قيصر دبلر ( G . Dubler ) الكتاب الاول وترجمه الى اللغة الفرنسية الاسبانية ثم نشره في طبعة نقدية ظهرت عام ٩١٥٣ م في مدريد .
أما الكتاب الثاني فقد درسه وترجمه الى اللغة الفرنسية المستشرق غيريال فران ( G . Ferrand ) ثم طبعه فى المجلة الآسيوية
الفرنسية على حدة عام ١٩٢٠ م وله ملحق نشره في المجلة نفسها فى أكتوبر وديسمبر من السنة نفسها .
واهتم الايطاليون قبله بالقسم المتعلق برومة منه فتولى المستشرق الايطالى كريسبو مونكادا ( Grispo Moncada ) ترجمته وطبعه في عام ١٩٠٠ م بمدينة بالرمو الايطالية .
ومن مؤلفات أبى حامد الاخرى :
١ - عجائب البلدان : ويذكره الزركلى باسم ( عجائب المخلوقات ) وهو خطأ . توجد من هذا الكتاب نسخة مخطوطة فى جامعة كمبردج بانكلترا تحت الرقم (O.R. ٦.٩٠٢) وتنقص النسخة خطبة الكتاب والباب الاول وأول الموجود منه الباب الثاني كما أن في آخرها نقصا فى الخاتمة .
٢ - ويذكر صاحب البلدان ( نخبة الاذهان في عجائب البلدان) . ولعله يقصد ( عجائب البلدان )
٣ - أما ( عجائب المخلوقات ) فينفرد الزركلى بذكره ولعله وقع في خلط بين أسماء الكتابين .
وفاته :
آن للروح التى دأبت عامة في سبيل الدعوة الى الله وتبليغ الدين الاسلامي أن تصعد الى بارئها بعد أن أتم صاحبها رحلته
الطويلة الخيرة متحملا في ذلك الكثير من المصاعب في ترحاله برا وبحرا زهاء الستين عاما فكان أن لقي أبو حاعد الغرناطي وجه ربه في دمشق عام ٥٦٥ ه متجاوزا التسعين عاما .
رحم الله أبا حامد فقد كان علما خالدا وشخصية فذة فهل نطمع أن نرى الكثير من أمثاله في هذا العصر يتنتشرون في الارض لارشاد الناس الى الصراط السوى فى هذا الوقت الذى تعانى فيه الانسانية من مذاهب جاهلية القرن العشرين المنحرفة الشئ الكثير .
مكة المكرمة - العتيبية

