وليس بالمستنكر على أمم اوربا ان تنزع لاقتباس بعض النظم والقوانين التى جاء بها الدين الاسلامى الحنيف . ما دامت مجد فى ذلك ما يصلح من فسادها وبعد ان رأت ما يعتور نظمها الوضعية من اضطراب وتشويش لا تستطيع ان تكفل معهما استتباب الامن والدعة لمجتمعاتها كما كفلها القانون الذى جاء به محمد من عند ربه .
وما ذاك الا لأن العقول مهما اوتيت من القوة فى التفكر لا يمكنها ان تبلغ مرتبة الكمال المنشود . وعندما تبلغ الثقافة بالناس حدا يمنعهم من التعصب لمعتقداتهم اذا وجدوا وجه الخطأ فيها ينكشف لهم ما للاسلام من محاسن وما فى القران من نظم لا يليق بمن يحترم عقله ان يجحد صلاحيتها لكل الامم فى جميع الاجيال . لذلك نرى كثيرا ممن يعتد بهم من المفكرين يتوقعون للاسلام بانه سيكون دين المستقبل لكافة الناس .
وعجيب ان يكون للمسلمين مثل هذا القانون المفصلة آياته . المحكمة بيناته ويتركونه ظهريا ويتبعون ما تمليه عليهم اهواؤم ويقلدون ما يبتدعه لهم اعداؤهم ثم لا يتعظون بما يجرى حولهم وبما وصلت اليه حالتهم . مكتفين من الاسلام باسمه ومن الدين بوسمه .
يأمرنا القرآن بالشورى فى الحكومة . وبالاتحاد فى العمل وبالتواد والتراحم فيما بيننا ، وبالتضحية فى سبيلى الواجب وبتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ، وبالاعتناء والعناية بكل ما من شأنه صلاح احوالنا ويأمرنا بطلب
العلم ويحثنا على التفكير فى ملكوت السموات والأرض تفكيرا صحيحا يصل بنا الى نتائج تنفعنا فى امر ديننا ودنيانا وغير ذلك مما يأمرنا به القران ويحثنا عليه لاجتناء كل نافع ومفيد مما لو اتبعناه وعملنا به لكان لنا المقام الاول فى صفوف . الاحياء .
ولكننا - وللاسف الشديد - تركنا الشئ الكثير من تعاليم ديننا الذى لم يغادر صغيرة ولا كبيرة فى السماء والأرض فى الماء والهواء الا احصاها ونوه لنا بما فيها من نفع يحب اجتناؤه او ضر يجب اتقاؤه . ولم يخف ذلك على اوربا فاقتبست منه الشئ الكثير حتى انعكس الوضع وصارت لها العزة علينا فى كثير من الشؤون . فكان مثلنا ومثلهم فى ذلك كرجل اصاب حديقة غناء فيها من الشجر والثمر ما يجعل الناس يتهافتون عليها فيصيبون منها ما ينتفعون به بينما صاحب الحديقة قابع فى داره لا يمر عليها ولا ينظر فيها مكتفيا بانه صاحبها .
وخير ما يعيد لنا العزة كما كانت لاسلافنا فهم القرآن كما كانوا يفهمونه. واستجلاء روحه من تدبر آياته وسوره . واستظهار معانيه والعمل بتعاليمة الرشيدة وترك ما نحن عليه من خمول وركود ونبذا لرجعية والجمود وتطهير انفسنا من النفاق والرياء والاثرة والكبرياء . ف " ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم"
فقال الفتى : سعدت بك يا ابتاه ولا عدمتك مدى الحياة فوالله ما اعترانى شك قط فى ان محمدا رسول الله حقا وان ما جاء بة دين الله ضدا . وما عليك . - ياأبت - الا ان تطمئن على ابنك من هذه الناحية فتاقه لا تستطيع قوة فى الارض ان تزيحنى قيد شعرة عن عقيدة الاسلام التى اشرب بها قلبى واضاءت لها جوانب نفسئ وأطمأن لها ضميرى واقتنع بها عقلى منها اقتبس النور وهى مشكاتى فى الحياة ومحجتى فى الآخرة .
فانفرجت شفتا الشيخ بابتسامة تتم عن الرضا نعمتة ثم نظر الى ابنه نظر المغتبط بهدايته . وكان الشيخ قد اعياة الكلام فبدت علامات الفتور عليه فتثائب ثم تمطى واستلقى على سريرة آذنا اسرتة بالانصراف.
من غرفته واعدا ابنه باستئناف الحديث فى مثل هذه الساعة من يوم الغد ، فوعدوه وانصرفوا طالبين له نوما هادئا . وما كادوا يبار حوز الغرفة حتى استولى على الشيخ سيات عميق وعلى المكان وجوم رهيب . ولم يبق لى الا ان اغادر موقفى من الكوة فليس ثمة ما يدعونى للوقوف لديها وفيما انا هم بالسير لمبارحتها لاح لعينى شبحان فى احدى زوايا السياج الخيزرانى الذى كن يحيط بتلك البنية وعند ما تبينتهما وجدت المرأة والفتاة وقد جلستا متقابلتين فوق مصطبة من خشب وكان القمر قد تجلى فى سمائه وغمر الكون بضيائه فتمثلتا لى تحت اشعته القضية كحمامتين تتناجيان وبدا نور القمر وهو ينساب الى داخل السياج من فجواته المستطيلة المتقاربه كاسريره تهللة فى وجه مستبشر فراقنى ما رأيت وعز على ان اترك المرأة وفتاتها تستتمتعان بهذا المنظر دون ان اشاركهما فيه واستمع الى نجواهما التى لابدان تكون مما يحلو لى سماعه قد لف نحوهما والتصقت باعواد السياج الذى يحيطهما دون ان يشعر ابوجودى قربهما - ولما ارهفت اذنى سمعت الفتاة تقول .
الفتاة - حبذا يا أماه لو كنت تحسنين القول كما يحسنه ابى اذا لاسمعتينى حديثا انتفع به .
الأم - انى لاحسن مثله غير ان عطف الابوة - يا ابنتى - حدا بالشيخ لان يجهد نفسه فما عساه . . ان ينفع ابنه فزاح يكالمة بالنصيحة فى هذا الدليل الصامت
الفتاة - او ترين ابى لم يحسن فيما اسداه لابنه من النصح ؛ او ترين ان لصمت الليل حرمة لا يحسن معها الا السكوت ؟
الأم - لا ! لم اكن لأرى هذا ولا ذاك ولكنى رأيت شيخك يجهد نفسه . فى الوقت الذى يحتاج فيه الى الراحة
الفتاة - وما الذى دعاه لبذل هذا الجهد فى مثل هذا الوقت ؟ الأم - ارى ان الواجب دعاه قلباة ولقد احسن من حيث انه ارضى ضميره .. وادى واجبه نحو ابنه
الفتاة - او لم يكن لك من حنان الامومة ما يحدو بك لان تبذلى بعض الجهد فيما عساه ان ينفعنى فى مستقبل حياتى ؟
الأم - ليس للفتاة من مهام الحياة فى مستقبل ايامهاما يدعوها لان تطالب بشئ قد لا تحتاج اليه
الفتاة - اراك تنظرين الى فتاتك بغير العين التى ينظر بها الشيخ الى فتاه فترين ابى قد احسن صنعا حيما نصح لابنه وترين البر كل البر فى اهمالى وعدم نصيحتى ظنا منك - وبعض الظن اثم - ان فى هذا الاهمال اداءا لواجبك نحوى وارضاء الضميرك حيالى كانى لم اكن فى الامة شطرها ولا فى الاسرة عمادها !!
الأم - لك ان تطالبينى بتعريفك ما جهلتيه . وما كنت لابذل لك من ذات نفسى جهدا وبما تقدريه ونصحا قد لا ترغبين فيه فان من تهاون بحقوقه كانت على غيره اهون ومن اهمل نفسه كان جديرا بالاهمال . اما وقد رغبت فى النصيحة وطلبت الموعظة فاحسنى الاستماع لما اقول فانه اذ احسن الاصغاء يحسن الالقاء
الفتاة - ها أنا ذا مصغية لك بكل جوارحي الأم - قلت لى انك شطر الامة وعماد الاسرة وازيدك انك ايضا مبعث الكثرة لا تقوم الحياة بدونك ولاتتم السعادة بغيرك واعلمى - يا ابنتى- ان مكانتك فى امتك غير مكانة بنات جنسك فى الامم الاخرى فانت سليلة ابراهيم وحفيدة اسماعيل وكريمة عدنان ووريثة أمهات المؤمنين وخليفة ذات النطاقين . ثم انت ريحانة الحم . وشمعة الملتزم . وظيبة النقا . وحمامة الصفا وريم العقيق وجؤذر نعمان أصولك مكرمة ومسارحك محرمة أتهمت ففى حرم الكعبه وإذا انجدت ففى حمى طيبة فاياك ان تلصق الأوزار بازارك أو تعلق الاردان بردائك . فعزة آبائك مستندة عليك وحرمة موطنك وديعة بين يديك فهل يروقك ان تهوى تلك العزة بعد مناعتها أو تمتهن تلك الحرمة بعد قدسيتها . ؟
وان من أولى واجباتك ان تحفظى امانتك وتصونى وديعتك وذلك باتباع
تعاليم دينك والاستمساك بتقاليد آبائك . واعلمى ان حجابك هذاما استمسكت به يحفظك من الوقوع فى المنزلقات . واحتجابك هذا إذا ما احتفظت به يدرأ عنك كثيرا من جموح النزغات ولتكن خير حلية تتحلين بها فى كلتا حجابك واحتجابك طهرا بزينك . وعفافا يصونك . واياك ان يستخفك ما يقال عن بنات جنسك فى الآفاق رائحات غاديات فى الشوارع والمنتزهات من كل ناهد فتون وكاعب حنون سافرات كالأقمار باسمات كالأزهار يتفنن فى تصفيف الطرر وابراز الغرر يقصرن المعاطف . وبدلين السوالف . ويبدين نحورا كالابلاج وسيقانا كعمدان العاج . ويرفلن فى حلل تنم عن ارداف تترجرج . وصدور تتموج فيهجن العواطف ويلجن المراقص والمقاصف عاريات كاسيات . غير متهيبات ولا وجلات فيرقصن على الالحان ويمن كالاغصان فيملأن بذلك الدنيا بهجة ويغمرن الكائنات مسرة . فلا يستهوينك هذا الهراء ياعذراء . فانما هو الطيش والترف أو ردهن موارد الهلكة والتلف وأين ذلك من قول الحكيم العليم ( وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى ) ؟ .
ولكن تلك أمم اضلها الله عن هداه وبلغ بهم التدهور منتهاه حتى جعلت هذا الفجور وهذه الدعارة علما للمدنية والحضارة تقليدا للغربيين وجريا وراء الاباحيين !!!!
ان آباءك - يا ابنتى قساورة أحرار . وانف غير تأبى عليهم العزة وتمنعهم الغيرة الا ان يكون لهم حرما لايرمق حماه ولا يبلغ مداه . فلقد بلغ به حرصهم لعقائلهم واعتزازهم بكرائمهم ان يستنكفوا من الضياء إذا صافح ملامحهن ويودون لو يستطيعون وقف النسيم فلا يداعب غدائرهن . فضلا ان يتركوهن يسفرن للورى وبين على الملا ، ويدعوهن يمشين بين الحسك والأشواك حيث لا يؤمن ان يقعن فى الحبائل والاشراك اذهن الضعيفات الغريرات فخير لهن ان يلزمن بيوتهن ليكن كالملائك - محجوبات مطهرات .
وان لوقوع المرأة فى اشراك الرذيلة وسقوطها فى حبائل الشيطان لزلزلة فى النفس تهد الافئدة وتدك المشاعر وتعصف بالجمم عصفا ، تدع الانسان كالاتون الملتهب او كالبركان الثائر وتحيل الحمل الوديع الى سبع ضار أو وحش كاسر ينهش اللحم ويلغ الدم ، ممن أطاح بحرمته واستخف بكرامته . إذ كل مصيبة فى الحياة تزول آثارها وتبيد شرورها وتلتئم جروحها الا المصيبة فى العرض فانه إذا اتلم لا يلتئم وتلك هى مصيبة الزلزال الأعظم والوصمة التى لا تمحى آثارها الا بالدم . وهل أهول من العبث بالكرامة والعبث بالشرف والاستخفاف بالعزة ؟ حيث يصاب الانسان فى اشرف مالديه وينكب فى اكرم ما يدخره فتلتهك حرماته وتمتهن مخدراته ويطلى شبح العار بفظاعتة وفظاظته فيفحز باصابعه مواضع العزة من نفسه ويخدش باظافره مكامن العظمة فى رأسه فيرغم معطته من الذل ويزيد وجهه من الخزي . وترمقه الابصار لهازئة وتشيغه القهاقه ساخره. ولسقطة المرأة دوى تصل اصداؤه إلى الأجداد فى أجداثهم فتقلقهم . ويستقبل الاحفاد فى عوالمهم فيزعجهم . ومن ذا الذى يستطيع الحياة وشبح العار يرمقه أين ما حل وخيال الخزى يتبعه حيثما رحل .
اى بنيئ : انك هيكل مقدس صاغه الله بيدة واكرمه بكرامته ونفخ فيه من روحه ورحمته وجعله شطرا لا تكمل الانسانية الا به فهو منبع نمائها ومصدر انسها ومحل دعتها وسكوتها ومسرح آمالها وأمانيها فاذا ما احتفظت بامانيك وحافظت على طهارتك كنت الجديرة بان تنشد النفوس عندك الغاية التي من أجلها خلقت أما إذا استهدفت لعاطفتك واستسلمت لحيوانيتك كان قرب الغول أهون من قربك ولدغ الحية الطف من لمسك ونتن الجيفة أطيب من ريحك ومنظر القردة أفضل من رؤيتك ، يتبع مكه

