قد يسأل سائل : ما الدافع الى العودة الآن الى معالجة جذور المسألة اليهودية ، وقد كتب فيها الكثير ، ولم نعد اليوم بحاجة الى الكلام بقدر ما نحن بحاجة الى الفعل ؟
طبعا ، ليست الغاية من هذا البحث هى المساهمة فى " اغراق " القضايا الجوهرية التى نعشها بالحبر ، حبا للحبر ! انما أردت من خلال عرضى لل "مسألة اليهودية " وكيفية تحولها - ومعناه - الى " المسألة الاسرائيلية " ، اثارة بعض القضايا التى لا تزال مطروحة على كافة المثقفين العرب ، وهى - كما سيتضح من هذا البحث :
1) مشكلة " الذهنية الاسرائيلية " ، من ناحية بنيتها الايدولوجية والسيكولوجية .
2) لماذا نجح الاسرائيليون فى تحقيق مشروعهم على حساب الفلسطينيين ؟
3) لماذا بقيت القضية الفلسطينية معلقة الى اليوم بانتظار حل شبيه ب " فودو" الذى لا يأتى ؟
4) ما الدور الذى لعبه بعض العرب فى قطع طريق الوصول الى هذا الحل منذ البداية ؟
5) نحن بحاجة إلى التذكير الدائم بكل نواحى قضية الشرق الاوسط الجوهرية ، وملابساتها ، وظروفها الاولى ، وجذورها ، لان فهم اللحظة الماضية قد يكون كفيلا يجعلنا نفهم اللحظة الآتية فى تسلسلها المنطقى ،
خاصة والفلسطينيون يعيشون اليوم ظروفا شبيهة الى حد غريب - ومؤسف - بطروف الامس
اننى لا ازعم الاحاطة بكل هذه الظروف والملابسات ، ولا ازعم حتى الاجابة المقنعة عن هذه التساؤلات المطروحة ، بل أترك الاستنتاجات للقارئ الذى لا اشك فى ذكائه . ولقد كان جهدى مركزا اساسا على برهة واحدة من هذا المسار الطويل المتعرج الذى أفضى بنا الى هذا الافق الغائم والمضطرب الذى هو أفق الشرق الاوسط اليوم . . . هذا المسار الذى أدى - منذ البداية - الى اغراق الفلسطينيين فى بحر التناقضات العربية التى لا تنتهى .
يمكن النظر الى ما يسمى بالمسألة اليهودية لا على انها نتاج آلاف السنين من الاضطهاد المتعمد والقهر المستمر من جانب الاغيار ضد اليهود ، وانما هى نتاج عملية اجتماعية مركبة . فهى مشكلة أقليات وطبقات اثنية ودينية مرتبطة بناء المجتمع التقليدى ( ما قبل الرأسمالى ) ، حين تبدأ هذه المجتمعات فى دخول العصر الحديث - تماما مثل مشكلة الآسيويين والعرب فى افريقيا بعد استقلال الدول الافريقية ومشكلة اليونانيين والايطاليين ومن يطلق عليهم اصطلاح " الشوام " فى مصر ( وكلها أقليات تجارية هامشية ) بعد ثورة 1952 وبعد عمليات التحديث والتمصير والتأميم . وتبدأ المشكله حينما بطرح المجتمع صبغة حديدة للتضامن الاجتماعى تتطلب من أعضاء الاقلية والاغلبية أيضا ( أن يعيدوا صياغة أنفسهم وولاءاتهم بما يتفق مع ديناميات المجتمع الحديد . والصيغة الجديدة عادة ما تأخذ شكل حقوق وواجبات جديدة تختلف فى كثير من الوجوه عن الحقوق والواجبات التى يطرحها المجتمع التقليدى .
وقد بدأت المسألة اليهودية فى الظهور فى أوربا ابتداء من القرن الثانى عشر مع بداية ظهور رأسماليات محلية . وقد كان التناقض يحسم اما بطرد اليهود الذين كانت تهاجر منهم أعداد كبيرة الى شرق أوربا حيث المجتمعات الاقل تقدما ، او باندماجهم واستيعابهم - فيما بعد - فى مجتمعاتهم . اى ان اليهود كانوا يحلون المشكلة بالعودة الى الماضى عن طريق الهجرة الى شرق أوربا أو بالولوج الى المستقبل عن طريق الاندماج .
ورغم كل ادعاءات الصهيونية ، فقد منحت معظم دول أوربا اليهود حقوقهم المدنية والسياسية وحقق اليهود قدرا كبيرا من الانعتاق والتحرر
الاندماج داخل الدول التى يعيشون فيها . (1) ولم تكن استجابه اليهود لهذه الريح الطبية التى هبت عليهم استجابة سلبية دائما . بل نجد انهم قد تأثروا بها، فاصبحت لهم حركتهم العقلانية المستنيرة المعروفه ب " الهسكلاه " و "الهسكلاه" كلمة عبرية تعنى التنوير . وقد أطلقت هذه الكلمه على الحركة
التى ظهرت بين يهود أوربا فى منتصف القرن الثامن عشر ) حوالى عاء 1780 ( ، واستمرت قوية حتى عام 1880 تقريبا ، والتى كانت تنادى بأن على اليهود ان يحاولوا الحصول على حقوقهم المدنية الكاملة عن طريق الاندماج فى المجتمعات التى يعيشون فيها ، وأن يكون ولاؤم الاول والاخير للبلاد التى بنتمون اليها ولبس ل " قوميتهم الدينية " التى لا تستند الى سند عقلى أو موضوعي . وكان دعاة حركة التنوير اليهودية يرون ان هذا ممكن اذا ما يمكن اليهود من اكتساب مقومات الحضارة الغربية العلمانية ، واذا ما قاموا يفصل الدين اليهودى عما يسمى ب " القومية اليهودية " حتى يتلاءموا مع الدولة العلمانية القومية فى أوربا . وقد بدأت حركة التنوير اليهودية فى المانيا ، حيث نشأت طبقة رأسمالية تجارية بين اليهود أثناء حكم فريديريك الثاني ) 1740-1786 ( ، ومنها انتشرت الى جاليشا والنمسا وروسيا وبولند ومع هذا ، فقد ظلت حركة التنوير اليهودية أساسا حركة ثقافية المانية إذ كانت الحضارة الغريبة بالنسبة لدعاة التنوير بين اليهود تعنى الحضارة الالمانية بالدرجة الاولى ، ) وان كان هذا لا ينفي وجود أثر فرنسى على حركة اه " خاصة بين يهود فرنسا ( . وقد درس دعاة التنوير اليهود اعمال المفكرين الرومانيين والبرجوازين الاوربيين مثل ديدرو وروسو ولو وهردر وجوته وشيلنج وأعمال بعض الوضعيين الروس . وكان دعاة التنوية بين اليهود يتصورون انهم اختطوا طريقا وسطا بين الانصهار الكامل والانفصال
الكامل . وكانت قضية التعليم هى القضية الاساسية بالنسبة اليهم بسبب اغراق الجماعات اليهودية فى الرجعية والتخلف . وقد وصل هذا التيار المستنير الى حد اعلان" أن الكتاب المقدس ليس من صنع الله بل هو وثيقة من صنع الانسان " . وهو ما قرره مؤتمر بتسبرج الاصلاحى ( 1885 ) الذى أقر أيضا فى مبدئه الخامس : " نحن نرى فى العصر الحديث عصر حضارة العقل والقلب الجامعة اقترابا لتحقيق أمل يسرائيل " الماشيحانى " العظيم لاجل اقامة مملكة الحقيقة والعدالة والسلام بين جميع البشر . نحن لا تعتبر أنفسنا أمة بعد اليوم بل جماعة دينية . ولذا ، فنحن لا نتوقع عودة الى فلسطين أو عبارة قربانية فى ظل أبناء هارون ولا استرجاعا لاى من القوانين المتعلقة بالدولة اليهودية " .
لكن هذا التيار - المستنير سرعان ما انحسر ، وفشلت محاولات الدمج ، وظهر التيار الصهيونى تحت تأثير الكاتب السياسى والداعية الصهيونيى بيرتس سمولنسكين ( 1842-1885 ) بخاصة . وكانت حركة الاندماج فى ألمانيا والنمسا آخذة فى التعثر ، كما كانت تقابل صعوبات فى انجلتر وفرنسا وبقية انحاء أوربا . ولكن الوضع داخل روسيا هو الذي أدى بالدرجة الاولى الى تفجير " المسألة اليهودية " على صعيد العالم الغربي بأسره على مستوى من الحدة والشمول لم يسبق لهما مثيل .
ففى 22 أوت ( آب ) 1881 ، أصدر القيصر أوامره بالتحرى عن النشاطات الاقتصادية " الضارة " التى يمارسها اليهود توطئة لتصفيتها . وفى أكتوبر 1881 أصدر القيصر أوامره للجنة المكلفة باعادة النظر فى المسألة اليهودية والتى كانت تعرف باسم " لجنة ايجنانيف " . وفى ربيع 1882 قدمت هذه اللجنة تقريرها عن المسألة اليهودية ، وجاء فيه " ان سياسة الكسندر الثانى التسامحية " قد فشلت وأن قيام المعارضة الشعبية ضد اليهود فى روسيا . نفسه قد برهن على وجوب اتخاذ اجراءات جديدة ضد اليهود فى روسيا . وفى نهاية التقرير قدمت اللجنة عدة توصيات نفذها القيصر فى صورة " اجراءات مؤقتة " تسمى قوانين ماى لانها اصبحت نافذة المفعول فى يوم 3 ماى 1882 . وقد قضت هذه القوانين على فرص اندماج بعض قطاعات اليهود فى المجتمع الروسى . فزادت هجرتهم الى الولايات المتحدة ، وخلقت مناخا اقتصاديا - فكريا قضى على الحركات الاندماجية وشجع الافكار الصهيونية ، خصوصا وأن قوانين ماى صاحبها وقوع بعض الحوادث الدامية ضد الاقليات الدينية والقومية فى روسيا . وهكذا ، طرحت المسألة اليهودية نفسها على روسيا وبولندا وعلى العالم الغربى باسره ، وبدأ الشرق فى
تصدير " فائضه " البشرى من اليهود ومشكلته اليهودية الى انجلترا وفرنسا وألمانيا والعالم الجديد بل الى كل بقاع الارض . هكذا ساهمت حركة التنوير اليهودية بشكل غير مباشر فى ظهور الصهيونية ، اذ خلقت : ( حركة التنوير ) طبقة متوسطة يهودية متشربة بالثقافة اليهودية وتدين بالولاء لتراثها الدينى الغيبى ، ولكنها فى الوقت نفسه مشبعة بالافكار السياسية والاجتماعية الغربية من قومية الى اشتراكية وهذا الازدواج الفكرى والتعايش بين نقيضين هو الذى أفرز القيادات الصهيونية القادرة على التحرك فى اطار معتقداتها الصهيونية الغيبية ، والتى تجيد فى الوقت ذاته استخدام المصطلحات والوسائل العلمانية (2) .
وجد العداء لليهود على أساس دينى منذ بدأت الكنيسة المسيحية تناضل فى سبيل الاستقلال عن الاصل اليهودى . وكان الاوائل الذين اعتنقوا رسالة المسيح اما يهودا بالوراثة أو ممن اعتنق اليهودية ، كاليونان ، الذين كثيرا ما يرد ذكرهم فى الانجيل . بيد أن أكثر الرسل ثقافة وتأثيرا ، الرجل الذى قدم الدين الجديد إلى عالم البحر المتوسط بصورة يمكن فهمها لم يكن يهوديا بالوراثة فحسب ، بل فريسى النشأة أيضا . وقد كان تحوله الى المسيحية من أكثر حوادث التحول اثارة فى التاريخ ، اذ تغير من " شاوول " الذى يضطهد الكنيسة الى " بولس " أكبر المبشرين بها . غضب بولس على اليهود لانهم لم يقبلوا ابن الانسان ابنا للرب ، ووصفهم بأنهم " الشعب الذى قتل السيد المسيح والانبياء أيضا والآن يضطهدوننا ويتصرفون بطريقة لا يمكن أن ترضى الله وتجعلهم أعداء للجنس البشرى بأسره " . وقد اتخذ هذا القول وأمثاله من الاقوال القديمة فى القرن الاول الميلادى مبررا للاضطهاد كما اتخذت عبارة المسيح اللطيفة فى حمل الضيوف على حضور عرس مبررا لاجبارهم على تغيير دينهم . وفى سنة 1581 قال البابا غريغورى الثالث عشر ما يلى : " ان خطيئة الشعب الذى رفض المسيح وصلبه تزداد جيلا بعد جيل ، وتحكم على كل واحد من افراده بالعبودية الدائمة " . كانت " العبودية " كلمة مهذبة أدت أولا الى الغيتو ، فالطرد ، فالمذابح . أما كلمة " غيتو" فمنعاها الاصلى " البلدة الصغيرة " ولكنها اكتسبت فيما بعد معنى آخر ، حين أصبحت تؤوى الشعب الذى تبناه الشيطان (3) .
ظل اليهود على الدوام يرجعون اسباب شقائهم الى الآخرين . ولكنهم لم ينظروا مرة واحدة فى داخلهم بحثا عن سبب . لو تم اضطهاد مجموعة معينة من قبل سلطة واحدة ، أو حتى من كل السلطات فى عهد معين ، لجاز ان يكون الخطأ فى القائمين بالاضطهاد . أما أن يتجدد الاضطهاد ويتكرر عبر العصور ومن اجناس لا رابط بينها من ثقافة أو دين أو نظرة كونية ، ولا جامع يجمع بين أفعالها غير شخصية الخاضع للاضطهاد ، فان شيئا ما فى هذه الشخصية يستوجب النظر .
هذا العامل المشترك الذى يربط بين حوادث الاضطهاد لليهود فى مختلف العصور والمواقع الجغرافية ، نجده داخل المجتمع اليهودى . انه ذلك الخلط العنيد بين القومية والدين ، بين الدور السياسى لجماعة والاصل العرقى لافرادها . انها الجماعة التى تصر أبدا على أن تكون حزبا سياسيا ورابطة اقتصادية وأخوة دينية مغلقة أمام جميع من لا ينتمون الى أصل معين ، وفى الوقت نفسه ، تتوقع من هؤلاء الغير أن يكونوا متعاطفين مع أهدافها .
وعلى الرغم من أن اليهودية ديانة مفتوحة نظريا ، فان هذا الادعاء يواجه صعوبات حتى فى الناحية النظرية ، اذ ان قيام هذه الديانة على مفاهيم عرقية واصطباغها بصبغة قومية قوية ، وتأكيد أحبارها ومعتنقيها باستمرار أنها " هبة الله الخاصة لشعبه المختار " ، لا تشجع كثيرا ممن لا ينتمون لهذا الشعب كى يعتنقوها . هذا ، بالاضافة الى أن الجهد التبشيرى بين أفراد هذه الديانة يكاد يكون معدوما . . . بل ان التاريخ يشير الى ان كهنة هذه الديانة كانوا يعتبرون بعض تعاليمها أسرارا لا ينبغى أن يطلع عليها الغرباء .
ومن الناحية العملية نجد أن حوادث اعتناق اليهودية من جانب غير اليهود تكاد تكون معدومة خلال الالفى سنة الاخيرة ، وان هذه الديانة قد ظلت عمليا مغلفة تماما على الجماعة العرقية التى تسمت بها . أضف الى ذلك أن الموقف الذى وقفه اليهود عند غزو فلسطين من سكانها الاصليين واصرارهم المتعمد على " تنظيف " البلاد منهم ، يبين بوضوح المرحلة الاخيرة فى تطور هذه الديانة . فهذا الفعل يوضح أن المقصود باقامة وطن يهودى فى فلسطين لا يعنى اقامة وطن للديانة اليهودية يكون مفتوحا لكل من يرغب
فيها ، وانما وطن للعبرانيين فقط . فالجماعة هنا تتصرف أخيرا وبدون اية مواربة كرابطة عرقية أو حتى كعصابة . ولكن الامر الذى كان اكثر خطورة على العبرانيين عبر كل الازمان لم يكن اغلاق الديانة اليهودية على العبرانيين ، وانما اغلاق العبرانيين على الديانة اليهودية .
ان فرض الديانة اليهودية على الشعب العبرانى حرم هذا الشعب من التكيف مع الظروف المتجددة باستمرار والتى عاشها . وهذا الغرض الذى استعان بالارهاب والتهديد بالفصل الاجتماعى وسط جماعة هى أصلا بلا أصدقاء وبتغذية عقول النشء بأفكار غريبة وغامضة عن أصلهم الالهى و " اختيار الله " لهم واختلافهم عن بقية عباد الله - هذا الغرض كان هو الاساس فى حوادث الاضطهاد التى وقعت لليهود بتركيزه على الخلاف بينهم وبين مخالطيهم وتغذيته لعقيدة التفوق لدى اليهود .
من هنا يتضح أن مأساة العبرانيين الازلية تكمن فى هذا السجن الثنائى : العنصر - الدين . وبتعدد الحواجز التى تفصلهم عن الآخرين كان المرء منهم ينظر على جانبى كل حاجز فيرى الناس انفسهم . ابدا لم تكن الحواجز وتعددها فرصة لتكثير الاصدقاء بالنسبة لهم . ولكنها كانت دائما مزيدا من العزلة وكان دائما من الصعب الفصل بين النازية على الطريقة العبرانية ( الشعب المختار - الامة منجبة العباقرة ) وبين الديانة السماوية المنزلة . ومن مثل هذا الموقف انطلق " عباقرة " صهيون ينادون بوجوب اضافة حاجز آخر يكرس هذه العزلة ويحقق الفصل الابدى بين العبرانيين - اليهود وبقية العالم : الدولة ( 4 ) .
لو طالعنا العهد القديم لوجدنا أن ثمة تصورا لله لا على أنه اله العالمين ( الحقيقة المطلقة التى تعلو على المادة وعلى كل ما هو نسبى ومتغير ) وانما باعتباره اله اسرائيل على وجه الخصوص . ان المقدس هنا يكتسب طابعا قوميا والمطلق يكتسب بعدا نسبيا . ولكن اذا اكتسب المقدس والمطلق طابعا قوميا ونسبيا فلا بد أن تكتسب الظواهر القومية طابعا مقدسا والظواهر النسبية طابعا مطلقا . وهذا هو ما حدث فعلا فالتصور الصهيونى لا يخلع القداسة على "الامة اليهودية " وعلى الظواهر القومية اليهودية فحسب
وانما يساوى احيانا بين المقدس والقومى بين المطلق والنسبى فيصبحان شيئا واحدا . وقد احتفظ المفكرون الصهيونيون العلمانيون بهذه الحلولية وبهذا التداخل بين المطلق والنسبى بعد أن صاغوها صياغة معتدلة . وقد يختلف محتوى الاسطورة الصهيونية العلمانية عن الاسطورة الصهيونية الدينية . غير أن بنية الاسطورتين متماثل . وكما كان اليهود القدامى يرون ان تاريخ الشعب اليهودى محط اهتمام الرب ، وأنه مركز الحركة التاريخية خلع الصهاينة المركزية والاطلاق نفسيهما على تاريخ الشعب اليهودى بالمعنى العرقى . فالتاريخ الانسانى كله يدور حول الامة اليهودية التى تقف فى وسطه لتجسد فكرة وجود الله التى تمثل حسب قول الكاتب الصهيونى مارتن بوبر " حجر الزاوية فى حركة التاريخ . . . نحو الخلاص " . (5)
يعتبر يوجين دورنج المحاضر فى الفلسفة والاقتصاد فى جامعة برلين نموذجا لجيل استعاض بحقائق أوربا الظافرة عن حقائق الدين . ولم يكن الوحيد الذى طرح السؤال التالى المتعلق بذلك : ما الذى جعل أور-با قوية ، وما هى الاخطار التى تهدد هذه القوة ؟
كان جواب دورنج عن ذلك السؤال فى " القضية اليهودية قضية عرق وأخلاق وحضارة " على أسس لا يفهمها مسيحيو العصور الوسطى . واذ ردد أقوال وليام مار ، وسبق هيوستن ستيوارت تشيمبرلين ، قابل بين عرقين يتنافسان فى السيطرة : الالمانى النقى واليهودى الفاسد . ان اليهودى مهما كانت عقائده لا سبيل الى اصلاح فساده .
واضح أن هذه اللاسامية العنصرية أخطر من التعصب الدينى . ذلك ان المتعصب دينيا يهاجم دين اليهودى ، وهو شىء يستطيع اليهودى تغييره ، أما العنصرى فيهاجم أصله وهو شئ لا يمكن تغييره .
قرأ هيرتزل كتاب دورنج ممتعضا . ومع ذلك اعترف بأن اقراض المال لا بد من أن يشوه خلق الانسان . ولكنه حاول أن يثبت أن هذه المهنة الكريهة فرضها على اليهود المجتمع المسيحى الذى كان يمنع أعضاءه من اقراض المال بفائدة ولا يسمح لليهود الا بالقليل من الاعمال الاخرى . (6) وحينما نشر
كتابه " الدولة اليهودية " اتهمه بعض اليهود بأنه تقاضى مبلغا ضخما من شركة أراض بريطانية تود القيام بأعمال تجارية فى فلسطين . وعلق هو على هذا الاتهام بقوله : " ان اليهود لا يصدقون أن أى شخص يمكن أن يتصرف مدفوعا باقتناع اخلاقى " .
هل هذا " الاقتناع الاخلاقى " هو ما جعل هيرتزل يتصور أن العالم حانوت أو سوق كبيرة وأن كل شئ فيه قابل للبيع والشراء ؟ ولا شك أنه تخيل الامبراطورية الانجليزية مثل دكان كبير للعاديات التى لا يعرف مالكها عدد السلع فيها عل وجه الدقة ، وأنه لدى ذهابه لمقابلة تشيمبرلين لم يكن سوى زبون يطلب من صاحب الدكان سلعة اسمها " مكان تجمع الشعب اليهودى " .
ان كتاب " دولة اليهود " هو عبارة عن حديث موجه الى مجلس عائلة روتشيلد . قال ان الفكرة التى يحاول اظهارها فى الكتاب قديمة ، وهى " استرجاع " الدولة اليهودية . وكى يقنع آل روتشيلد أراد أن يبرهن لهم أن ثروتهم الضخمة لن تكون فى مأمن دون دولة يهودية ذات سيادة . وليثبت أن الدولة اليهودية ليست حلما استعمل القياس العلمى التالى : " الكل يعلم أن البخار يولد بغلى الماء فى غلاية وأنه يحرك غطاءها فقط . و المشاريع الصهيونية والجمعيات الاخرى لكبح اللاسامية ظواهر من نوع غلاية الشاى . لكن إذا احسن استغلال هذه القوة ، كانت كافية لادارة محرك كبير ونقل الركاب والبضائع مهما كان نوع هذا المحرك " .
يرى الكثير من الصهاينة أن معاداة السامية هى المسؤولة عن بقاء اليهود واستمرارهم . فيقول هيرتزل فى مذكراته انه كان متفقا مع نوردو على أن معاداة السامية هى وحدها التى جعلت منهم يهودا . كما أنه وجد أن ادراكه وتعرفه على الديانة اليهودية يعود الى الايام التى قرأ فيها كتاب يوجين درونج عن المسألة اليهودية . ويبدو ان هيرتزل كان يرى ان ثمة علاقة عميقة وعضوية بين هويته اليهودية ومعاداة السامية حتى انه كان يرى ان الاولى تنمو بنمو الثانية . لقد ميز هيرتزل معاداة السامية عن التعصب الدينى ، ووصفها بانها " حركة بين الشعوب المتحضرة تحاول من خلالها التخلص من شبح بطاردها من ماضيها " . وسلم هيرتزل أيضا بأن اقامة الدولة اليهودية يعنى انتصار للمعادين للسامية ، أذ سيتضح أنهم فى واقع الامر محقون . أن المعادين للسآمية بطردهم اليهود كانوا ببساطة يحررون أنفسهم ويخلصونها من السيطرة اليهودية اذ " لم يكن بمقدورهم أن يخضعوا لنا فى الجيش والحكومة وجميع مجالات التجارة " .
وأدى قبول الصهاينة لجوانب معينة من معاداة السامية الى أن يعدوا المعادين للسامية حلفاء طبيعيين وقوة ايجابية فى نضالهم القومى من أجل تحرير يهود الشتات من عبوديتهم المزعومة . وبدلا من أن يحارب هيرتزل معاداة السياسية ، قال : " ان المعادين للسامية سيكونون أكثر الاصدقاء الذين يمكننا الاعتماد عليهم ، وستكون الدول المعادية للسامية حليفة لنا . " وقد ادرك كثير من الزعماء الصهاينة المصلحة المشتركة بين الصهاينة واللاساميين ففى سنة 1925 ، قال كلاتزكين انه " بدلا من اقامة جمعيات لمناهضة المعادين للسامية الذين يريدون الانتقاص من حقوقنا يجدر بنا أن نقيم جمعيات لمناهضة أصدقائنا الراغبين فى الدفاع عن حقوقنا " . (7)
ان هذا المنطق هو الذى جعل الزعماء الصهاينة لا يتورعون حتى فى التعامل مع ألد أعداء اليهود . . . أى النازيين . فعندما أدى هجوم الجيش الالمانى على الاتحاد السوفياتى الى وضع القسم الاعظم من يهود أوربا الشرقية فى حلقة حديدية من السيطرة النازية ، اختلفت ردود فعل الصهاينة الافراد المأسورين فى هذا الشرك . فقد أدرك البعض أن ألمانيا النازية كانت مصممة عل جعل أوربا " خالية من اليهود " . ولذلك اعتقدوا أن ثمة خطر ابادة على أى يهودى لم يهرب أو لم يخرجه الصهاينة من أوربا بموجب اتفاقيات 1938 . البعض منهم وبينهم انيليفتش انضم الى اليهود غير الصهاينة ليقاوموا . والبعض الآخر ، وخصوصا أمثال غانكفايش وجنز ، ممن كانوا زعماء فى الحركة الصهيونية ، استمر يأمل فى انقاذ نفسه وأتباعه المختارين عن طريق صفقات مع النازيين على حساب أبناء ملتهم اليهود .
لقد شاركت الحركة الصهيونية بنشاط عسكرى محدود فى الحرب العالمية الثانية ، الا أن هذا النشاط كان يرمى فى الاساس الى تعزيز هدف اقامة دولة صهبيونية وليس الى مكافحة النازية أو مساعدة اليهود المضطهدين على مقاومتها . وهكذا ألف الصهاينة " لواء يهوديا " فى الجيش البريطانى كانت غايته الحقيقية تعزيز مصداقية الوهم بأن اليهود يؤلفون كيانا وطنيا وكسب التدريب والخبرة العسكرية للجيش الاسرائيلى فى المستقبل .
لقد ظلت الاتفاقيات بين الحركة الصهيونية وألمانيا النازية سرا محفوظا جدا لسنوات عديدة . ولكن ما ان حدثت الفضيحة المسماة قضية كاستنر
فى 19 حتى بدأت التفاصيل تخرج إلى النور تدريجيا . وأول اتفاقية كشف عنها النقاب كليا كانت الاتفاقية التى تم التوصل اليها بين الدكتور رودولف كاستنر من لجنة الانقاذ التابعة للوكالة اليهودية فى بودابسست والكولونيل أدولف ايخمان ( الذى كان قد وقع اتفاقية هجرة العام 1938 مع موشى بار - جلعاد ) وهو الموظف المسؤول عن تسوية " المسألة اليهودية " فى المجر عام 1944 .
لم تبدأ الحقيقة حول نشاطات " لجنة الانقاذ " المزعومة هذه تخرج إلى النور الا عندما ندد كاتب اسرائيلى يدعى مالكييل غرينفالد بكاستنر كمتعاون مع النازية ، قائلا ان " أعمال كاستنر فى بودابست كلفتنا أرواح مئات الالوف من اليهود " . وقوضى غرينفالد بتهمة التشهير ، لا من قبل كاستنر ، بل من قبل الحكومة الاسرائيلية التى كان زعماؤها رؤساء كاستنر ، وقد رسموا السياسة التى نفذها .
لم تجر المحاكمة بصورة مرضية للحكومة الاسرائيلية ، فقد برئ غرينفالد من تهمة التشهير مما أشار إلى أن هناك أساسا متينا لانهامه بأن لجنة انقاذ كاستنر قد تعاونت مع النازيين وساعدتهم على قتل القسم الاكبر من يهود المجر مقابل السماح لها بانقاذ أكثر من 600 صهيونى بارز وأخذهم الى فلسطين . وقال القاضى بنيامين هاليفى فى قضية كاستر : " ما كان يهود الغيتوات ليثقوا بالحكام النازيين أو المجرمين ، ولكنهم وضعوا ثقتهم فى زعمائهم اليهود . وقد استعمل ايخمان وغيره هذه الحقيقة المعروفة كجزء من خطتهم المحسوبة لتضليل اليهود . واستطاعوا نقل اليهود الى ابادتهم بمساعدة الزعماء اليهود . أما اليهود الذين حاولوا انذار اصدقائهم بالحقيقة فقد اضطهدهم الزعماء اليهود المشرفون على الانقاذ " المحلى . ان ثقة اليهود فى المعلومات المضللة وعدم معرفتهم أن زوجاتهم وأولادهم وهم أنفسهم سيرسلون اخيرا الى حجرات الغاز فى أوشفيتز جعلا الضحايا يبقون مادئين فى غيتواتهم . وكانت رعاية النازيين لكاستنر وموافقتهم على السماح له بانقاذ 600 يهودى بارز جزءا من الخطة لابادة اليهود . ان فرصة انقاذ أناس بارزين راقت له الى حد كبير . واعتبر انقاذ أهم اليهود نجاحا شخصيا عظيما ونجاحا للصهيونية " .
لقد وصفت الصهيونية الهجرة الى فلسطين على أنها الجواب الوحيد للاسامية ، وانتقدت ورفضت أى صراع للتحرر وتشريع الحقوق المدنية . ووجدت نفسها فى معسكر واحد مع اللاساميين الذين قالوا للجاليات اليهودية
المحلية ( اذهبوا الى فلسطين ) . كما أن المبادرة فى الصراع اليهودى ضد النارية خلال الثلاثينات لم تأت أبدا من المنظمة الصهيونية . وكان الافراد والمنظمات اليهودية غير الصهيونية هم الذين اخذوا المبادرة وتحملوا عبء ذلك الصراع . وكانت المنظمة الصهيونية تتخذ موقفا أبعد عن بقية اليهود كلما ازداد الصراع شراسة . والاعتبارات الكامنة تحت هذا الموقف توضحها رسالة كتبها بن غوريون الى الهيئة التنفيذية الصهيونية فى السابع من كانون الاول ( ديسمبر ) 1938 .
" المشكلة اليهودية الآن لم تعد ما كانته ، وان مصير اليهود فى ألمانيا ليس نهاية بل بداية ، وستتعلم دول لا سامية أخرى من هتلر ، ان ملايين اليهود يواجهون الابادة ، وقد اكتسبت مشكلة اللاجئين أبعادا والحاحا عالميين ، وتحاول بريطانيا فصل قضية اللاجئين عن قضية فلسطين ، ويساعدها فى ذلك يهود غير صهيونيين . ان مقاييس مشكلة اللاجئين تتطلب حلا اقليميا فوريا . واذا لم تستوعبهم فلسطين فان بلدا آخر سيستوعبهم . ان الصهيونية فى خطر ، فجميع الحلول الاقليمية الاخرى التى ستخفق حتما تتطلب مبالغ طائلة من المال . واذا كان اليهود سيختارون بين اللاجئين انقاذ اليهود من معسكرات الاعتقال ومساعدة متحف وطنى فى فلسطين ، فان كفة الرحمة سترجح وستوضع كل طاقة الشعب فى أقنية انقاذ اليهود من البلدان المختلفة . وستحذف الصهيونية من جدول الاعمال لا عند الرأى العام العالمى فى بريطانيا والولايات المتحدة الاميركية وحسب ، بل عند الرأى العام اليهودى فى أمكنة أخرى ايضا . واذا سمحنا بالفصل بين مشكلة اللاجئين والمشكلة الفلسطينية ، فاننا نجازف بوجود الصهيونية .
ان انقاذ الارواح اليهودية من هتلر يعتبر هنا خطرا كامنا للصهيونية ، اذا جئ بهم الى فلسطين . عندما اضطرت الصهيونية الى الاختيار بين الشعب اليهودى والدولة اليهودية فانها فضلت الاخيرة بلا تردد .
ان الصهيونية تقبل باللاسامية على انها الموقف الطبيعى العادى للعالم غير اليهودى من اليهودى . وهى لا تعتبرها ظاهرة مشوهة ومنحرفة فهى ستجابة للاسامية ولكنها ليست مواجهة وتنديدا أو قتالا ضدها " .
ان الصهاينة يقبلون بصورة جوهرية الايديلوجية العرقية للاساميين ، ولكنهم يتوصلون الى نتائج مختلفة . فاليهودى بدلا من التيوتونى هو العرق النقى او المتفوق . هذا المفهوم للعرق المتفوق يظهر فى التشديد الذى تضعه
الصهيونية على " انقاذ " الرواد الشبان للهجرة الى فلسطين ، وأهمال المسنين الذين لا يستطيعون القيام بمثل هذه المساهمة لبناء الدولة الصهيونية . ويفهم ضمنا من هذا القبول بالمبدأ النازى للفئات المتفوقة والدنيا للكائنات البشرية .
أظهر الصهاينة تصميما غريبا فى السعى وراء هدفهم الذى هو تأمين دولتهم فى فلسطين واخضاع جميع الاعتبارات الاخرى لهذا الهدف . ان سياسة التعاون الصهيونية مع النازية حملت الثمار من أوائل أيام صعود هتلر الى السلطة وفقا لارقام الهجرة الصهيونية الى فلسطين . ففى 1932 دخل فلسطين 9000 يهودى ألمانى . وفى 1933 : 20.000 . وفى 1934 : 40.000 . وفى 1935 : 61.000 . فى 1931 لم يكن هناك فى فلسطين غير 174.615 يهودى ، ولكن بحلول 1939 ارتفع الرقم الى 445.457 .
وجنى الزعماء الصهاينة فوائد مالية مهمة من سياستهم بعد الحرب أيضا بعد أن أداروا ظهورهم هكذا لليهود المحكوم عليهم بالفناء ، فان الزعماء أنفسهم استخدموا فيما بعد الابادة لجمع الملايين والملايين ، ولجمع المليارات فى شكل تعويضات من الالمان (8) .
منذ البداية ،كانت الحركة الصهيونية تعتبر مشروعها فى اقامة دولة يهودية شيئا واقعيا استنادا الى واقعة التأخر العربى التى جعلتها تتجاهل الشعب العربى فى فلسطين : أرض بلا شعب لشعب بلا أرض . ومنذ البداية أيضا ، كان واضحا أن الاستراتيجية الصهيونية للسيطرة على فلسطين كانت مرتكزة على تصورات سياسية حديثة :
1) العمل تحت المظلة الاستعمارية على العالم غير الاوربى . 2) الاستناد الى دولة أو أكثر لتحقيق المشروع الصهيونى . 3) عدم الاعلان عن الهدف الاخير ( اقامة دوله يهودية )ولكن السير بندرج وبثبات اليه : " فكر بدولة اسرائيل دوما ولا تتحدث عنها ابدا " . 4) الوصول بالتدرج الى ميزان قوى محلى يهودى - فلسطيني يمكن من اقامة الدولة الصهيونية . اذا تأملنا الحلقة المركزية فى الاستراتيجية الصهيونية المتمثلة بفتح أبواب الهجرة دوما وبدون قيود امام اليهود ، نراها متصله اتصالا حميما
بالهدف الصهيونى الاخير : دولة اسرائيل . ذلك أن استمرار الهجرة وصولا الى تحول الييشوف الى أكثرية ( فى كل أو بعض فلسطين ) يضمن تحول ميزان القوى لصالحه الامر الذى يوازى من الناحية العملية قيام دولة اسرائيل .
بالنسبة للييشوف يبدو ملفتا للنظر منذ الوهلة الاولى تعلقه بيوتوبيا نتمثل فى عملية بناء الدولة اليهودية . هذه اليوتوبيا التى لم تضعف التصاقه بالواقعى بل جعلته يتشرب جملة من القيم والمثل منحته بسيكلوجيا ذات طابع ارادى وكفاحى ورسالى ( رغم تناقض هذ امع الاستهانه بالغير ، العرب ، ومع محاولة اغتصاب وطن الآخرين ) عملت لاستبدال النمط النموذجى القديم لليهودى بنمط نموذجى جديد يعيش على الشغل اليهودى ويرتبط بالارض .
أضف إلى ذلك أن الييشوف منظم على عدة أصعدة : على الصعيد السياسى كان ثمة نوع من البرلمان المنتخب ومجلس تنفيذى يلعب دور حكومة تقريبا . على صعيد المدن ، الهستدروت ، الذى يشكل العمود الفقرى للحركه الصهيونية وينظم ويؤطر شغيلة المدن . فى الريف الكيبوتزات تؤطر وتعبئ الشغيلة المزارعين . يسيج كل ذلك " الهاغاناه " ( قوة الدفاع اليهودية ) التى تشكلت بشكل نصف سرى فى 1919 -1920 ، واستمرت تنمو كما وكيفا ، وقامت بدور حاسم فى حرب 1948 ، ثم تحولت الى " جيش الدفاع الاسرائيلى " . فى عام 1942كان 43000 من الييشوف رجالا ونساء يحملون السلاح كمتطوعين فى جيوش الحلفاء . هذه القوة العسكرية التى كانت تشرف عليها سياسيا " والتى استفادت من تأهيل عسكرى جيد كانت احدى انجازات الييشوف التى حسمت المعركة مع العرب (9) .
المشكلة الاجتماعية التى حاولت الصهيونية تقديم حل لها هى تركز اليهود فى مهن الطبقة الوسطى : التجارة والحرف والمهن الحرة . والحل الذى قدمته الصهيونية يتمثل فى تحويل اليهود فى فلسطين الى منتجين . وقد عبر عن الاتجاه مفكران صهيونيان بارزان هما غوردون وبورخوف . أعطى الاول العمل مضمونا دينيا وروحيا بينما أعطاه الثانى مبررات اشتراكية ماركسية .
لقد تمكنت الصهيونية من احراز نجاحات فى هذا المجال نتيجة الظروف الاضطهادية التى عاشتها أوربا خلال الفترة الانتدابية ، ونتيجة اغلاق ابواب الهجرة اليهودية فى بريطانيا 1906، والولايات المتحدة 1921 ، وكندا فى الثلاثينات . وجرى التركيز على تهجيز الشباب وحتى الاطفال ، إذا افتتحت عمام 1932 دائرة خاصة فى الوكالة اليهودية هى دائرة هجرة الاطفال . وقد بلغ عدد الاطفال الذين جرى تهجيرهم بين 1932 و 1970 نحو 125 ألف طفل . وتقدر نسبتهم الى مجموع الطاقة البشرية فى اسرائيل فى الستين حوالى 10 بالمائة . وبعد عام 1948 استفادت الصهيونية من هجرة يهود البلاد العربية وحاصة ذلك القسم الذى يتميز بانخفاض المستوى الثقافى وضعف الامكانيات المادية . واستطاعت تحقيق توسع فى مجال الانتاج الزراعى والصناعى وفى البناء . ونحت في تحوي قبل كبير من المهاجرين الى عمال قرويين تحت ظل اللاخيار ( 10 ) .
ومنذ البداية أيضا ، أدرك الصهاينة أنهم لن يتمكنوا من تحقيق أهدافهم فى اقامة وطن قومى لليهود فى فلسطين الا اذا حصلوا على تأييد دولى يكفل لهم الشرعية القانونية من وجهة نظر الدول الغربية ذات النفوذ الواسع . وهكذا سعوا الى الحصول على هذا الصك القانونى من الدولة صاحبة السيادة على فلسطين - أى الدولة العثمانية . وبذل تيودور هيرتزل جهودا كثيرة لدى أوساط الحكومة العثمانية فى الاستانة فى أواخر القرن الماضى وأوائل القرن الحالى وعند السلطان عبد الحميد الثاني . وقدم عروضا مالية لاخراج تركيا من ازماتها الاقتصادية كما بذل الرشاوى بسخاء لموظفى الدولة الكبار دون جدوى . فقد جاء رد السلطان عبد الحميد قاطعا : " لا استطيع ان ابيع قدما واحدة من البلد لانه ليس ملكى بل ملك شعبى . لقد ربح هذه الامبراطورية وغذاها بدمه . وسنغطيها مرة أخرى بدمنا قبل ان نسمح بتمزيقها . . يستطيع اليهود أن يوفروا ملايينهم . حين تقسم الامبراطورية قد يأخذون فلسطين مقابل لا شئ . لكن لن تقسم الا جثثنا لاننى لن أسمح ابدا بتشريحنا أحياء . هكذا فهم هيرتزل أن امتلاك فلسطين لا يتم سوى عن طريق انهيار الامبراطورية العثمانية وتقطع أوصالها . وهو ما حدث .
(يتبع)

