الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

من امجاد الادب التونسي، الموسيقى في شعر تميم الفاطمى

Share

الامير تميم بن المعز الفاطمي

قد مضى اليوم على وفاته في شهر ابريل المنصرم 976 ، اى قرابة الالف عام على موته يوم الثلاثاء 7 ابريل 985 م . 13 ذى القعدة الحرام 374 هجريا لتوسط الشمس فى كبد السماء ، عند الزوال وانما اختار ان استعرض من امجاده وغرائب تقلباته ... ومرارة نكباته ... وحلاوة اللهو الذي اختار ان يغرق فيه ضيمه ... قد اخترنا ان نحيى ذكراه بفتح صفحة (( الموسيقى فى شعره ))

فلقد خرج من مسقط راسه القيروان وهو في الخامسة والعشرين من عمره وهو ولي عهد الخلافة الفاطمية ... والخلافة لا تكتفى بوحدة المغرب العربي حتى استولت على طرابلس وبرقة واستولت على مصر ونقلت اليها كرسى الحكم واستولت على بلاد الشام فضمتها ... وهذا الامير تميم يعمل فى الواجهة الشرقية ليزيد رقعة هاته الخلافة اتساعا ... اذ يصل البريد من القاهرة بوجوب رجوعه حالا ... ويرجع بالفعل ... ليجد ان كل شىء قد تبدل ! وان حلم تولى الخلافة قد طار عليه الى اخيه الاصغر بعد ان عاش عليه 23 سنة منذ كان في الثالثة من عمر صباه ، وقد اجمع القواد وعلى راسهم القائد جوهر على المبايعة لغيره بعد ان دفنوا اباه فى غيبته ... ولا مناص له من ان ينسى حلمه السالف ويبتعد عن حياة الجد والحركات السياسية والاختلاط بالقوات والاجناد ليتمحض لحياة اللهو ويترك معترك الناس للناس .

تبدل كل شى واصبح صاحبنا يستثير مجده ونبوغه الادبى ، لكى يغرق نفسه القديمة ويدفنها في اللهو والشعر والخمر والحياة الجنسية والتمحض للعيشة الفردية والجسدية ، دون المجتمع والدولة والسياسة

فتمحض ، وامكنه ان يعيش عشر سنوات في ذلك اللهو انفرض عليه ان يسجن روحه فيه ... فلها وخلد ديوانا ثريا باللهو والطرب والخمريات وبأمداحه لاخيه الاصغر على ما يهديه له من الجوارى والخيل والخمور وآلات الموسيقى ... ووصف فى ادبه رقائق تلك الحضارة وآلاتها واوانيها ومواعينها ... من اجزاء العود الى الاثواب الداخلية والحلى الخارجية التى

يجردها عن جاريته قطعة قطعة ... ليصفها ويخلدها لنا فى هذا المتحف الشعرى الامين

كان اخوه الخليفة العزيز بالله يرسل اليه انواع الشراب وخير القينات الفنانات ... ثم يزيده تحضيضا على الانهماك فى اللهو والغناء ... فلا مناص انه من ذياك الطريق لافناء الحياة لكى يطمئن اخوه نزار على خلافته عندما تصله رقعة شاعرنا بمثل قوله :

شربنا -كما وجهت تسأل -  قهوة               كمثل صفاء الود جانبه الصد

برطل وغنينا عليه تطربا                             (( علامة ما بينبى وبينك يا هند ))

وناجتك منا انفس وخوالج                        كأنك فيها خاطر لم يغب بعد

فهو ينص على انه قد غنى على كأسه ، تطربا. وديوان شعره الذي لم توفق تونس لنشره ملي بالغناء والموسيقى ، حتى ان قصيدته لاخيه انما قدمها بصفتها (( شدوا على الاوتار )) وهى من بحر الرجز ذي النغم القصير الذى تتلاحق فيه النغمة الهزازة :

وهاكها نتيجة الافطار                   من رجز للشدو بالاوتار

كالوصل وافي اثر الاهتجار             أحر لفحا من لهيب النار

                    تنفي بها الوشم من الابشار

ويحدثنا تميم ان الموسيقى هى نجواه وسلواه ، خصوصا الغناء :

ليس الا الغنى يطهر مني                ويقوى على جيش السرور

يا نديمى اتخذ سواى ، فاني             لست احيا بغير بم وزير

سيما ان شدا بصوت رخيم            وتردى بلحظ طرف كسير

على أن تأثر تميم بالغناء يتضاعف إذا كان الغناء مصحوبا بالموسيقى ، وفي الحقيقة ، فإن أصحاب الفن الاذني - من عشاق السماع - لا يمكن ان يكرهوا، أصوات الحضارة بما ولدته صناعاتها الراقية من آلات التطريب ، التي تمهد الاذواق لقبول المعاني الرقيقة وتفرش لها فى الانفس . فالموسيقى تجدد حضرى على الانغام الطبيعية الاولى ، تتكامل بها وتزداد تأثيرا

وعذبة الالفاظ مشغوفة        ساحرة الاوتار والشعر

فهو يحشر لموسيقاه الاصوات والآلات فيكملها بموسيقى ثالثة من

المعاني الشعرية ويسوقها الينا من فم هاته القينة الفنانة الفتانة ، بما لها من موسيقى الانوثة من وقع في نفسه الذكورة

أما آلات الطرب فنجدها على ثلاثة ، مفصلة لآلات الموسيقى في عصره العبيدى من الحضارة القيروانية والحضارة القاهرية

وترية مزمارية نفخية مقراعية بين طبول وصنح

أما ترى العود صخب                 وقد مضى الزمر خبب

والطبل يجثو ويثب                     والراح يرمي بالحبب

يدور من غير قطب                   يقتل سكرا من شرب

ان ترمى ندمانا تصب                 فعقله منها سلب

لكن يعود ، فيثب

فاشرب وخذ من ذى النوب              ما لان واترك ما صعب

وعد عن " ليت " و " رب "              فالدهر قدما ذو شغب

فاقطع لياليه طرب                       فكم ناى ما قد قرب

وارتد مرا ما عذب                      وعاد بالامن الرهب

فالهم عجز وشغب

فهو قد جمع لك في الابيات الاولى من هذا المقطوع : العود و المزمار والطبل : وترا ونفخا وقرعا . . فبديع تعبيره على النقرات الخفيفة والضربات القوية من الطبل ، بانه (( يجثو ويثب )) بينما العود يصخب والمزمار يمشى الخبب فكلها عائشة حية ، تمثل النشاط فى مختلف اهتزازاته وطفحاته ... وفى الوقت نفسه يعقب عليه بمراجعة العقل والبصيرة . و . . وان يعدى هذا العقل والبصيرة عن حقائق الدهر واوجاعه ، فيغطيها بلهوه او ... تلهيه ! وهذا المقطوع قد قطعناه لك من قصيد عظيم عبر فيه عن ذات نفسه ودخائل حسه ... مما يحيى به ومما يغمس نفسه ويحبسها فيه من الانهماك . . والمقطوع والقصيد يشف شفافة واضحة جلية عما يحس به هذا الامير ، من القهر وما يحمل عليه نفسه من الاستسلام للقدر والزمن الغشوم الذى لا يرحم ، وانه يستنيم لذلك

القضاء استنامة اليقظة ، مادام الانسان محاطا بعوامل التعجيز فهو يخضع للواقع حتى يستعمل الامكانيات التى يلين بها الدهر ... لان الانسان يتقى الشرفان كان ولا بد ... فهو يختار .. . الين الشرين !.. والا ، فان تقلبات الدهر تاتي كل غريب ... و حسب الحكيم - فى واقع هذا الامير - ان يدفع همومه ما استطاع من الزهو والطرب ، الذى لا يجد غيره مصرفا لنشاطه !

لا تضق بالهم ، واقتل                  ذلك الهم جهارا

بمدام يقتل الهمـــــ                       ـــــم غبوقا وابتكارا

و دع الدهر وان جـــــ                  ــــــار مثيرا ما اثارا

انه اسفل من ان                      تبتغنى منه حذارا ...

لم تجد مما قضى اللـ                   ـــــــه من الامر فرارا

فاسقني صرفا ، وغن               " داو بالخمر الخمارا "

وماذا تريد ان يفعل هذا الامير ، مع هم قد اصابه من حيث لا يحتسب ؟ واطبق عليه ، فى آخر لحظة ، من اقرب الناس اليه ومن جميع عصابته الذين تآمروا ضده ، وقطعوا عليه طريقه الممهدة منذ نيف وعشرين سنة وهو ولي عهد انه وعصابة رأس الخلافة ... حتى اذ مات ابوه ، وجد البيعة قد بيعت الى اخيه ووجد نفسه في حالة عجز ، اللهم عن اثارة شغب لن يطمع من ورائه بطائل ووجد من اخيه الاصغر ومن مدبرى خلافته ان يكتفوا عن تعجيز مادى في حياته ، بان ينحر هو احلامه ويغرقها في تلهية واذهاب لعقله الثائر ... لينحبس في الفن واللهو والخمر والطرب المفروض ، فاصبح التهتك دريته ومجنه ووقايته وحصنه الحصين ، التى يتقى فيها دعاوى الحق ودعوات الباطل ... من المتربصين والنمامين المتزلفين بكل حق وكل باطل .. . والعيون الامينة المبثوثة حول مقامه السامي ! فلا مندوحة له ان يطمنهم ويعلن على كل ريح:

دع مقال العاذلات                   واله عن سعي السعاة

انا ما بين نداماى                     وراحي وسقاتي

ثمل ! لا يعرف الصحو              ولا وقت الصلاة

فاذا نومني السكــ                    ــــــر على تلك الهنات

لم ينبهني سوى حـــ                  ـــس مثاني الغانيات

وغناهن سحيرا                     سقينها يا حياتي ))

واكثر قصائده ، كان يتقدم بها لاخيه العزيز بالله فكان يضرب فيها على مثل هذا النغم من اللهو والتهتك المطلوب . . ويشكر له فيها انعامه وهداياه من الجوارى الغاوية والخمور القوية التى تذهب كل هم ورشاد ومن آلات البذخ واللهو والطرب ... وقد اقامه فى قصره العظيم المختار على شاطىء نهر النيل جنوبى مدينة القاهرة ... وهكذا تطمئن نفوس " السياسة " على ان صاحبنا قد نزع عن رأسه كل عقلية تتوثب للخلافة وكل طمع فى الحكم والتوجيه . وهو يعلن الاختيار لهذا الجبر المقدور:

اخترت بالمختار لذاتى             وكر كاساتى وطاساتي

بتنا نسقى قهوة مرة                على طنابير ونايات

من كف مخطوف الحشا أهيف     يرفل فى ثوب الملاحات

... ومع ذلك ، فان صاحبنا لا يحسن الصبر على التغفل ، فهو يعرف قيمة العوامل البشرية فى القدر الذى قدر عليه تقديرا ، ويعبر عن هؤلاء المقدرين بــــ (( بالحسدة )) ولكنه يعود ويغطى عن كل شي (( بالقدر )) و (( الجبر )) . وما هو الا مثال هذا الجبر وتمثاله المتحجر من نحت البشر الظلوم ... ولكنه يقنعهم بالواقع الذى يغمر نفسه فيه من الانتحار باللهو والخمر والحب ! وبالموسيقى والغناء والتطريب ، ثم يغمزهم :

لم يعل ذا الدهر سوى                               قوم لئام فسده

فدعه مع اشكاله                                    واتركه مع من عبده

ورح بنا نشربها                                       مدامة منتقده

فقم ، فقد جن دجى الليــ                          ـــل وغاب الحسده

واسعد اللهو ، فقد                                نال المنى من اسعده

لا سيما ان حركت                                عيدانها (( مخلده ))

وبعثت بالضرب من                               أيدى قيان نقده

لا يبق يوم لغد ...                                فأبعد الله غده

فهو يدققق ان جوقته كانت متألفة من البنات اللابسات لحلية الخلد في آذانهن ، مثل حور الجنة (( المخلدات ))... من جوقة العوادات ... ثم يعقبها باعلان الاستسلام لكل ذلك (( النعيم )) الذى لا يرجو له غدا ، فيدعو عليه ، ثم يعقب بتوكيد ذياك الاستسلام

                    لا بد مما قدر الله و مما عقده ومع ذلك فان نفسه جلية فى هذا القدر وتلوينه بالاشكال والالوان والانغام الزاهية . ونرى منه انه كامل الرجولة ، يوثر لانغامه وموسيقاه لمسات الجنس اللطيف من الجواري و القيان ، فهن ندمانه وعوادوه ... ونجده يصف

هؤلاء الندامى الانثيات والساقيات اللدنات والاعواد الخافقات الاوتار فيدقق توصيفهن في غير ما مقطوع من الادب الواقعي والادب الغني بالصور المتحركة والجميلة الدقيقة ، وربما جمعها فى بلاغة موجزة ، من مثل قوله

لا شئ احسن منظرا أبدا                    من غادة فى كفها قدح

تسعى بمحمر على عنم                      أطرافه العناب والبلح

وأغن أجوف فيه زمزمة                      وله بذلك السن فصح

فى كل عقد من معاقده                     نغم يهام به ويقترح

فلو توقف القارئ عند كل بيت وعند كل شطرة وعند كل كلمة من هذا الشعر ، لرأى غراث بديعه مما يصف ويحرك امام الذهن فيخلده فنا رفيعا، وهو قد صور (( العود )) وعبر عن صوته الموسيقى الخارج عن زمزمته بالالسن الفصحة . وكأنه يلح في رفع مقام الاوتار الى المرتبة الانسانية الناطقة بالفعل وبالقوة :

شكا العود بالاوتار ، شكوى فأطربا                  وترجم عن معنى الضمير فاعربا

فلم ير شاك مثله بث شجوه                         فافرح محزونا وفك معذبا

فالعود يشكو ويترجم ويعرب ، الاعراب الصحيح ، بما يفرحك بمغانيه وافصاحه ، وهو يزيدك تفصيل اجزاء العود ، من (( معاصير )) وهى التي تلوى عليها الاوتار لتشد حتى ينقر عليها في مستوى الدستان ويجس عليها في المعصم ، كما يجس الطبيب يد المريض ويحتبس نبض عروقه :

لقد نطق العود عن سره                 فغادر كل صحيح كئيب

فشبهت ميل معاصيره                اذا ملن عن استواء وضيب

بوجه حبيب بدا ضاحكا             فعن له لحظ عين الرقيب

فلما استوى نطق اوتاره            حكى نقرها حسن لفظ الحبيب

تجس الانامل دستانه              كما جس عرق المريض الطبيب

فيسمعنا حركات السرور         ويكشف عنا سبات الكروب

وهكذا يمكننا شعره من ان نرى آلات الطرب الشيعية كما كانت في وقته ، واحدة فواحدة منوعة فبى ديوان هذا الشاعر التونسي تميم بن المعز الفاطمي ، مفصلة اجزاؤها مع مختلف اوجه الايضاح الشعرى الذى طوعه بواقعيته لان يدقق كل شىء من العاديات ... العاديات التي هي من الوجود بحيث لا تأخذها العين الاعتيادية ولا ينتبه لدقائقها الا فطن موفق موهوب ... حتى ليمكنك ان تستعيد تلك الالات والادوات والأشياء والازياء وقصات الشعر وانواع التجمل التى كانت فى عصره ، ليخلدها لنا في

متحف ديوانه الذى لم يهتم جيلنا الناهض لطبعها واخراجها من ظلمات المخطوطات ، اللهم الشذرات التى اختارها الدكتور الاعظمي ليكمل بها كتابه عن (( عبقرية الفاطميين ))

وبلغت الموسيقى في ادب الامير تميم ان اصبح يقرب بها النغمات التي يريد ان يحببها اليك ، فيصف حصانه الفاره

صافي الصهيل فكأنه في رجعه-    غرد تبدى في الثقيل الاول فاذا كتبت بالخط الموسيقى رجع ذلك الصهيل ، فقد استعدت نغمة (( الثقيل الاول )) وهو (( طبع )) قد صعب على النقاد استخراجه ، على كثرة ما نوه به ابو الفرج الاصبهاني في دائرة معارفه الادبية الشهيرة (( الاغاني )) ، ولم نعرف لها اليوم تشكيلا الا من مثل هذا الادب العجيب ، اذ نستخرجه على طريقة (( عكس التشبيه )) اذ تبين المشبه الذى فات عنا وانقرض بالزمن ، بارجاعه الى المشبه به حيث بقي فى امكاننا ان نستمع لترديدة صهيل مثل هذا الحصان من فاره الخيل التي بقيت لنا من عهد الحضارة القائمة على جهد الحصان وما اليه !

ونجد للامير تميم كثيرا من هذه البلاغة التبى خلدت معنويات كثيرة وعاديات مهمة قد كانت تذهب عنا لولا ديوانه هذا حيث جسدها باضرب من الادب الرفيع الخالد ، ولكي نلزم موضوعنا من (( الموسيقى في ادبه )) نختم بما قاله فى تصوير ما يحس به من هرم الزمان الذى سقط به عن سدة الخلافة واضطره لان يقضى العشر سنوات الباقية من حياته في الموسيقى والخمر واللهو

شاخ الزمان - زمان السوء - واكتهلت به ايامه واعترته حبسة الكبر فصار اعجز من ميت وابعد من فوت ، واصمى من عود بلاوتر فهو ساكت عاجز عن ان يفيد موجودا او يستثير سرورا او حزنا ، و لا يمكنه ان يئن انة تستشعرك الحياة في اعجز صورها .

اننا لا يمكن ان نستوعب من ادب تميم ، في مثل هاته العجالة ، قسم الانغام والموسيقى ، وانما جئنا بهاته النتفة الصغيرة لنلفت انظار الجيل الى ان حياة التخلف التى ورثناها عن اعصر الانحطاط قد قصرت خطانا عن لحاق امواتنا في لهوهم ، فضلا عن لحاق دنيانا فى جدها وجهدها ومجدها . ومن واجب الجيل ان ينطلق من عقاله الفكري والنفسي لكى ينفض عن نفسه هذا الغبار المريب ... وتخرج لدينا الناس الذين يعملون ويسعدون ويثيرون اعجابنا من احياء الدنيا ومن امواتنا الذين قصرنا عن طبع كتبهم وتخليد آثارهم الماجدة !

اشترك في نشرتنا البريدية