الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

من بين الأكواخ

Share

فى ليلة قمراء سرت على غير قصد إلى شعب يعج بالأكواخ التى تقطنها الطبقة الفقيرة . وفيما انا اجوس عرصات ذلك الشعب سمعت صوت فتى ينبعت من أحد الاكواخ المتراصة - هناك - وكان ذلك الصوت ينم عن عواطف متأججة والم مبرح . وكان الحديث اشبه ما يكون بالمناجاه فاسترعى اهتمامي فاقتربت من الكوخ . ووأرهفت سمعي له فاذا هو يقول .

أماه - ما لمحياك الجميل قد عرته الغضون ؟ وما لجبينك المشرق قد حومت عليه الصفرة ؟

انى حينما ارى هذه الأعراض بادية عليك تأخذني الرجفه . ويستولى على الفزع . وتفيض عيناى بالدمع السخين . لاني اجد في هذه العلائم نذير السوء . وحادي الفرقة . وداعية الحزن والانكسار .

اني احس بنياط قلبي يتقطع . وممهجتي تتمزق . وبين جوانحى شعلة من نار الجحيم كلما فكرت في انك ما استعضت شيئا مما فقدته على من مال . وما بذلته على من جهد . وما لاقيته من نصب . وما قاسيته من عناء . . حتى رأيت اليوم الذي كنت تحبين ان تريني فيه رجلا أملك امر نفسي لتودعي اتعاب الحياة وتعتمدى على فبها فاذا انا لا املك امر اسعادك ولا استطيع الترفيه عنك : بل لا املك ان ازيل شيئا مما انت فيه من بؤس وشقاء

اماه - يعز على - وايم الله - ان آرى هذا الجسم الذى اتعبه سهر الليل واضوته اتعاب النهار . واهلته جهود التربية وهذا القلب الذي كان وما زال

ينبجس على بالعطف والرحمة والحنان كما تنبجس العيون بالماء العذب الزلال دون ما نضوب أو كلال تدب اليهما بواكير الشيخوخة وتتوافد عليه نذر اثناء . ولم يكن لى من القدرة ما يجعلني افي بما لهما على من حقوق وواجبات . . فيمتلئ قلبي اسفا . فاذا قلت لك انا اسف - يا اماه - فانما اعبر بهذه الكلمة عن اسف ممض يحز فى قلبي كما تحز المدى المثلومة فى حسوم الأحياء . وكيف لا اسف حينما أراك بمثل هذه الحال . وارى نفسي قد بلغت السن كنت ترتجين ان ابلغها فاذا بلوغي لها لم يجدك نفعا . ولم يحط عنك شيئا ولم يخفف عنك حملا

انا آسف يا أماه . وان للاسف الصادق آلاما تتضاءل دونها الالام . وان مابى من آلام هذا الاسف لا يستطيع أن يصوره بيان . او يكيفه تعبير او يجلوه قلم . ولعل هذه الدموع التى تذرفها عيناى مدرارا ابين شئ على ما كنه فى السويداء من الم مكمود . وهى فى انهمارها المتواصل تدل على مبلغ الاسف وما تركه بين جوانحي من حرارة . كما يدل الماء المنقطر من الشواء على شدة ما تحته من وهج الجمر ولهيب النار .

ما اقسى الحياة عليك - يا اماه - قست عليك طفلة وشابة . وها هى ذي تقسو عليك وانت فى سن الا كتهال . وما اجدرك الشفقة وانت في هذا السن فما انت للقسوة باهل وما انت الا الخليفة بان يبسم لك الزمن وترقص بين يديك مواكب الافراح . كما كانت لجموح الاتراح حولك ميدان . . قست عليك الحياة وانت طفلة فافتقدت عطف امك الحنون . ثم قست عليك شابة فاختطفت من بين يديك المنية شريك حياتك قبل ان تقضى اللبانة من سنك . فاحتملت مرارة الترمل ونار الفرقة وعناء العناية باطفالك الصغار فى جلد عجيب

ثم قست عليك الحياة حينما امتدت يد المنون الى وحيدتك واختصتها من بين احضانك فاذاقتك مرارة الثكل واشعلت فى قلبك جذوة . ما استطعت اطفاءها بالرغم مما جادت به عيناك من دموع غزار .

وكذلك ذقت من الصروف الوانا قصبرت واحتسبت . وتعزيت عن كل ذلك بطفليك الصغيرين - انا . واخي - ورايت فيهما سلوتك الوحيدة واشحت بوجهك عن كل الناس . وطلقت الحياة بما فيها من ملاذ ومباهج . وقاطعت الأهل وجافيت المعارف . لتقصري همك على تنشئتهما النشأة الصالحة التى رجوت ان تأتي اكلها . فلما كبرا قعد بهما الحظ فلم يحققا ما كنت تتمنين . وعاداهما الزمن فلم يصلا إلى ما كنت تودين كل ذلك مسطور فى صفحة لا تغيب عن ناظري فانا لا انفك اتلوها كلما ذرت الشمس وكلما غام علينا الظلام فاذا مارايتني اصمت فلا اتكلم . وادعي فلا أجيب . واخاطب فلا ارد . فانما يستولى على مثل هذا الصمت ومثل هذا الوجوم لما تطالعني به تلك الصحيفة التى ما يفتا فكرى عن استعراضها فى كل ان . فهى مصدر صمتي ووجومي . وهي التى تذكى فى قلبى عوامل الاسف والحسرة على مامنيت به من امل ضائع ورجاء خائب . وامنية لم تتحقق بعد كل ما بذلت من جهود وما قاسيت من اتعاب

ويزيد في الآمي إذا ما رأيت الوهن . يتسرب اليك والهزال ينتابك . والأمراض تهجم عليك بمثل هذه السرعة . وتدركني الخشية والرعب مما عساه أن تكون عواقب ما ارى عليك من شحوب . ان هذه الأعراض تزعجني ويكاد قلى يثب من مكانه مما تبعثه إلى ذهنى من خواطر سود تدع الدنيا على سعتها تضيق بي حتى لأراها كسم الخياط .

اماه . . انا لا اطيق الحياة . ولا الصبر على الحياة . إذا تغيبت عن الحياة وما قيمة الحياة إذا لم يحدثني فيها أمل . وهل املى فى الحياة سوى القدرة على ان انيلك امنيتك واحقق لك رجاءك . حتى أراك تنعمين فيها بعيش رضي . وبال هني . وحال رضى . وانى إذا افتقدتك - لا سمح الله - افتقد كل امالى فى الحياة

ان اسعد ايامي اليوم الذي أراك فيه قريرة العين مثلوجة الفؤاد بنوال ما تتوق اليه نفسك الطاهرة النقية . وهل تاقت نفسك الى غير اعمال البر والاحسان ؟ التى تودين تقديمها بين يديك قربى الى الله وزلفى منك اليه تلك الاعمال التى طالما حدثتنا عنها وقلت لنا انها امنيتك الوحيدة التى تأملين تحقيقها قبل الموت

ذلك اليوم الذي يتحقق فيه حلمك الجميل هو اليوم الوحيد الذي اسعى راكد من اجله . وهو اليوم الذي يتعلق به املى فعيشى - يا اماه - ولنعش بجوارك حتى نره ان شاء الله .

رباه ان هذه الام الرؤوم على بنيها . والمرأة الوفية التى رعت حقوق زوجها فحافظت على عهده . والت على نفسها عدم الركون الى غيره . والتى لم تدلس برجس ولم يعلق بها درن . ولم ترم بقالة سر قط . والتي لا تلجأ فى شدتها الا اليك ولا تعتمد فى كل أمورها الا عليك . فى امس الحاجة الى عنايتك وعطفك واحسانك ومنتك فارها يوما تسعد فيه وهب لها من العمر ما يجعلها تجنى ثمار مازرعت وتنعم بمارجت واملت ليمتلئ قلبها بالغبطة ويثلج صدرها ببلوغ الامل قبل ان توفى على اليوم الذي يدركها فيه الأجل .

واعقب هذه المناجاة باهة طويله : وتلت هذه الآهة سكتة ما سمعت اثناءها احدا فى الكوخ ينبس ببنت شفة . ولم اكد اهم بالانصراف حتى رن فى اذنى صوت حنون حسبته صوت الأم تخاطب ابنها

اى بني انا لا اريد منك ان تكون رقيق القلب حاد الشعور سريع التأثر بمثل ما ارى فانك بذلك لا تستطيع احتمال ما ستلقيه عليك الحياة من اعباء .

وسوف لا تجد فى نفسك القدرة على تلقي صدماته لكن اريدك ان تكون جلدا قويا تتقبل كل ما تطالعك به الحياة في هدوء وثبات ) فقو قلبك ( ولاتتأثر كل هذا التأثر بما تراه يبدو على من اعراض الهزال فانما هى اعراض لا تلبث ان تزول وكل الناس عرضة لأمثالها ومن ذا الذى في الاحياء عاش عمره صحيحا لم يعلق به مرض ولم يعره شئ من الاسقام ؟ أو لم تكن مريضا قبل ايام مضت ؟ وها انت - ولله الحمد - طبت وعوفيت . وكذلك سأطيع سامح وستعود الى قواى ونضرتى باذن الله . والا فما نحن الا عبيد الله وامين وما علينا الا الرضا باحكام القدر فلنتدرع بالصبر على بلائه إذا مسنا البلاء ولنشكره ونثن على آله إذا اصابتنا النعماء . وما من احد الا وسيوفى نصيبه وينال حظه فان الله لا يضيع عمل عامل من ذكرا وانثى وسيوفى الناس اجورهم - ان عاجلا

أو آجلا وقد اعد الله للصابرين والشاكرين ثواباجزيلا وخيرا كثيرا وما متاع الحياة الدنيا الا قليل . فلا يؤلمنك ما تراه بنا من بؤس فربما كنا اسعد حالا من غيرنا ثم نحن فى غفلة عما تخبئه لنا الاقدار . وربما كانت السعادة منا على قاب قوسين أو ادنى فلا تتعجل امر الله .

وكانها كانت وهي تتحدث الى ابنها تصعد برفقته الى سطح الكوخ او إلى غرفة فى سطحه فما زال الصوت يبتعد عني حتى لم اعد اسمع شيئا فانصرفت وبي من التأثر ما الله به عليم

اشترك في نشرتنا البريدية