كان شتاء السنة الماضية شتاء قارصا لاذعا لا يمر يوم واحد لا يطلق فيه جيوشه الجرارة فتغدو تفتك بالناس بقلوب جبارة لا ترحم صغيرا ، ولا توقر كبيرا ، تغزو الناس بسيوفها الصارمة ، لا فرق عندها بين القوى والضعيف ، ولا الغني والفقير ، النساء والرجال ، الحيوان والانسان ، فاينما تذهب نجد السنة الخلق تشكو ضغطه ، واينما توجهت وحدت مرضى وجرحى وقد علا انينهم ، وتصاعد نحيبهم . . واذا استطاع الانسان ان يخفف بعض الامه بكثرة شكاويه فكيف تكون حالة تلك الحيوانات البكم يا ترى ؟ وقد اخذ هذا الشتاء يجلدها بسياطه المؤلمة وهى صامتة صابرة ، وما هى حالة تلك النباتات وقد اخذ يخسر أغصانها ، ويسقط أوراقها
ضج العالم كله من قر الشتاء وحره ، وردت الألسنة الدعاء الى الله . وكان ربك بخلقه رحيما ، وما هي الا أيام قلائل حتى ارتفع الشتاء ، وما هى الا لحظة حتى برح هذا العالم حالا ، وما كادت تتحرك مركبته حتى زفت بشرى رحيله في جميع انحاء البلاد ، وتناقلتها المخلوقات بفرح وسرور واقيمت تلك الليلة الحفلات والافراح
رحل الشتاء بخيله ورجله ، وها هو القادم الجديد عند الابواب وخرجت الناس زرافات لملاقاته وهى فى حيرة من امرها متسائلة " هل هذا القادم الجديد ارحم وألطف من سلفه أم اشد وقعا وهولا ؟ " .
وما كاد يبدو موكبه من بعيد حتى نسي الناس همومهم واشرابت اعناقهم متطلعة مستفسرة . فما كنا نرى الا خضرة ، فاردية القوم خضراء ، واعلامهم خضراء ، والاثاث والرياش خضراء ، فاستبشرنا خيرا بهذا اللون البهيج
وأخذ الموكب يتقدم رويدا رويدا متبخترا في مشيته الى ان قرب منا وتجلى لنا واذا بالقادم شاب فى مقتبل العمر وسيم الطلعة ، حسن الهندام ، رشيق القد ، ما أروعه فى هذه الثياب الخضراء الفضفاضة ! . وما أبدعه فى هذا التاج المرصع باكاليل الزهور وقد كتب عليه بزهور ذهبية " بهاء الربيع " وما اجمله فى هذا الموكب الفخم الجميل فهو مبتسم ، وموكبه مبتسم ، وكل ما حوله مبتسم ، ولم يسعنا امام هذا المنظر البهيج الا ان نبتسم وقد نسينا آلامنا وقروحنا ! !
وأخذ القوم يتساءلون هل هو جامع بين الخلق والخلق ، أم مبتكر في هذه الحلة القشيبة ؟ . فكان الناس اقساما فمنهم المتشاتمون ومنهم المتفائلون ومنهم الساخطون ومنهم الراضون ومنهم المحذرون ومنهم المستبشرون ، والناس فى ذلك معذورون فان شتاء هذه السنة انتزع منهم كل ثقة غير ان المتقائلين كانوا الاكثرية وكنت اسمعهم ما بين الفترة والفترة يكررون هذه العبارة " التمسوا الخير عند حسان الوجوه " تقدم الربيع ، وعلت الآلسن بالتهليل والترحيب وقد انقسم الناس وفودا وفودا حيث شكلت كل طائفة وفدا من كبارها يتقدمها ، ونصبوا للربيع اريكة على ربوة مخضرة فتربع فوقها وابتسم فابتسم له العالم كله وأخذت الطيور تعزف أجل الحانها ، وأخذت الوحوش ترقص فرحا وطربا ، واكتفت الاشجار بان تجملت باجمل ثيابها وتحلت بابدع حليها وهي تتمايل يمينا وشمالا ، مرحبة مسرورة ، وحتى المياه فى جداولها كان خريرها المتواصل يعبر عن آيات سرورها وابتهاجها .
أخذت الوفود تتقدم وفدا فوفدا مسلمة مستفرة عن حقيقة هذا الجديد ... تقدم أولا وفد الشيوخ الوقور .
- على الرحب أيها الضيف الكريم وأهلا وسهلا بك أيها القادم الجديد فنحن وفد الشيوخ جاء مسلما ومرحبا وسائلا بماذا قدمت للشيوخ فقد اوهن الشتاء عظامهم وضاعف سعالهم واحنا ظهورهم والزمهم افرشتهم وانقص عددهم وأضعف بصرهم فبماذا قدمت لهم ياتري ؟ .
- اشكر عطفكم ولطفكم أيها الشيوخ وأرجو المولى ان يزيل بأسكم فأخفف عن كاهلكم حمل السنين الثقيلة فتخف اجسامكم وتنشط حركاتكم ، وسابعث في ارواحكم ذكريات الشباب العذبة فتنسيكم شيبكم وتغذي ارواحكم فتتمتعون بالصحة والهناء بقية أيامكم مادمت بين اظهركم فلتطب انفسكم ولتنزع عنها ذكرى الراحل القارص .
ثم تقدم وفد الكهول
- اهلا ومرحبا أيها القادم الكريم ماذا هيأت لنا نحن الكهول وقد انهك الشتاء قوانا وعافنا عن اعمالنا وتركنا نتساءل عن اعمارنا وكاد يدخل علينا الشيخوخة قبل اوانها ، فثقل اجسامنا بمتاعبه وملابسه وهي ثقيلة من قبل بأعمالنا الكثيرة .
- أتييتكم أيها الكهول بالاعتدال والراحة والاطمئنان فسأخفف عنكم عبء الحياة الثقيل حيث اجمل لكم الاشجار بالفواكه المختلفة ، واعشب لكم الربى والوهاد فتشبع مواشيكم فتدر عليكم البانها وتمتعكم بلحومها وأصوافها . سأغذي زراعتكم بنسيمي العليل فأتركها تنمو ما بين الفترة والفترة وهي تحمل أفيد الثمار ، فاطمئنوا سأنسيكم متاعبكم وآلامكم
تم تقدم وفد الشبان
- أيها القادم الشاب ! نحن شبان مثلك أتعبنا الشتاء وكاد يقضي علينا فذهب بنضارتنا ورونقنا ، فاصفرت وجوهنا ، وهزلت عضلاتنا ، واذبلت زهرة شبابنا فبأي شئ قدمت لنا .
- قدمت لكم بالجمال . قدمت لكم بالحياة . . فانا ربيع الحياة والجمال . . فسأصلح لكم ما اثر فيه الشتاء من شبابكم ، سارد لكم جمالكم ، فرشت لكم الفيافى الشاسعة باجمل الزوابي تمرحون فيها وتلعبون ، اتيتكم بأنطف النسم واعذبه ، فسترتاح قلوبكم وتهدأ افكاركم وتنمو أجسامكم فانا ربيعكم أيها الشبان
ثم تقدم وفد الأدباء بملابسهم الباهتة تقدموا يجررون ارجلهم من شدة العناء .
- بماذا قدمت لنا آيها الربيع . . فقد كسر الشتاء اقلامنا وعطلها . . وكسد ادبنا فاصبحت كتابتنا منثلجة باردة ، لا منظر لها ولا رواء ، وقد حرمنا من المتمتع بالجبال والوديان والربي والوهاد التى هى سلوتنا ومتاعنا ، والويل لمن خالف حكمه فانه يلزمه الفراش . . وحتى الأكل كنا نكتفى بكسرة من الخبز نغمسها فى ماء الجداول الصافية ونأكلها وهي الذ عندنا من الاطعمة الفاخرة واذا به يضيق علينا حتى هذا العيش البسيط وكأنه يحسدنا عليه
قام الربيع اجلالا لوفد الأدباء المتمثل بين يديه وعجب الحاضرون كيف يقوم الربيع لهؤلاء الفقراء ولم يقم لمن تقدمهم ، وكان الربيع احس بما يدور في نفوس الحاضرين فتقدم خطوة وقال : يعذلنى العذال لاحترامكم وهم لا يدرون باني لولا كم لا يعيرني احد التفاتا ، بل امر كما يمر غيرى فى سكينة وهدوء ، ومن الذي يعرف قدرى ويتذوق نعيمي سواكم ايها الادباء ، ومن الذى يشيد بذكرى ، ومن الذى يرسم مناظري ، ومن الذي يعزف الحان بلابلى ويضرب على فيثارته سجع عصافيري غيركم ، ومن الذى يطرب لخرير مياه جداولى وهي تسيل ما بين الحصى ، ويستمع لحفيف اوراق أشجارى وهى ترقص من مداعبة النسيم .
فان فضلكم على لعظيم وسأبذل جهدى فى مكافأتكم قدر الطاقة ، أما
ما اتيتكم به ايها الأدباء فانه لا يشارككم فيه غيركم فسأجعل لكم من الوديان شوارع افرغ فيها كل فنى حتى تصبح اية فى الجمال تفوق اجمل المدن وساجعل لكم من الجبال الشامخة قصورا شاهقة تسمو فى بنائها وتروق فى رياشها . وسأفتح لكم ابواب الخيال تسرح فيه أفكاركم ويجد كل فيه ضالته المنشودة تقطفون من ازهاره وتجنون من ثماره لا يعارضكم معارض ولا يحسدكم حاسد
ساكسو لكم الاشجار حللا خضراء وسأحليها بعقود من الزهور الزاهية مرصعة بالالماس وسأحملها اشهى الفواكه واجملها ، فتبدو لكم فى حللها وحليها كما بها عرائس جميلة تسر انظاركم وتهيج شاعريتكم ، وتغذى ادبكم وسارصع لكم اديم الارض المغبر باجمل الجواهر واليواقيت بعد ما افرشها بأبدع الزمرد واي زمرد ابدع من تلك الحشائش الطرية الخضراء وقد ثقلت اوراقها قطرات الندى فتركتها تتهادى بحملها يمنة ويسرة. . واى يواقيت انضر من شقائق النعمان وهي راكعة كانها فى معبدها بين يدي خالقها ، وما الطف ازهار النرجس وهي تغمز بعيونها السوداء وهي مطلة من وراء الغصون .
سألطف لكم الطبيعة وانمقها . فتتحفكم الشمس باشعتها الألماسية وتطربكم الطيور باناشيدها وحتى الاغصان بحفيف اوراقها .
فسيجد الشاعر شاعريته ، والمتفنن فنه والكاتب مادته كل يجد مطلوبه ومقصده .
ثم تقدم وفد الاطفال وهم مصفقون صائحون : -
- بابا ربيع جاءا بابا ربيع جاء فتقدم الربيع نحوهم وضمهم الى صدره ثم قدم لهم أجمل الهدايا من باقات الزهور والفواكه اللذيذة فانصرفوا مسرورين وانصرف الحاضرون بعدهم مستهجين منادين بحياة الربيع

