الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

من رزقه

Share

عبر عبد الحفيظ بن سالم الواد ليدخل جنته . فمر بجنة جاره على الزبيدى فرفع رأسه يتأمل النخل ويقارنه بنخله . هذا غالبه سحوق ، ضعيف جريده يضرب الى الصفرة والارض خراب عطشى والعشب طاغ عليها . شتان ما بينها وبين جنته الربى الظليلة ذات الغروس الفتية التى تفتح جريدها فارعا كأنه يشكر السماء عن خضرته التى تضرب الى زرقة . لكن ، انطفأ زهوه لما وقعت عيناه على " طلوع " تقابل غرسة وتفرع جريده كفوارة خضراء تدلت منها عراجين ذهبية ممتلئة . نكس رأسه وتابع طريقة يلوم الطبعية التى تعطى الخير لمن لا يستحقه ودخل جنته

بادر الى الساقية ، فحفر رملها باصبعه ليرى مقدار البلل فيعرف مقدار خدمة " القنب " خماسه ثم ازال اعشابا ضارة من حوض الكرنب ثم طاف بنخلات بدرية بجانب البئر ، كانت لا تقل حسنا عن نخلات جاره ، لكن همه ان هل مستها يد ام هى سالمة كاملة .

دوى صوت حمه الصالح ، خماس جاره قائلا على بعد - صباح الخير أحفة . - صباح الخير . دخل حمه الصالح واقترب من الملاك وقال له : - وراسك تكلم " القنب " احفه يخلينا نعقب من المسرب ، ها الصباح جينا ع نجر القتب ما خلاناش - انا وصيته . ما تعقبوش - واش ع تخسر أحفه . اما خير والا ندورو على الكاف الكل . - وفاش مطلوب فيكم . - تعمل معروف على جارك . - كان بشرط . - قول - تنقى لى شبعه من هاك المشخب - ترضى نفس عرجون على كمشه ، هاو عيب من ربى ما اقبحك وما صح عينك . ما تفسدش العرجون وما تعقبش على غابتى .

واشاح عنه بوجهه وهو يحاكى صوته فى مبالغة وازدراء " عيب من ربى " وكان على حمه الصالح ان يجر عدة اجذاع ليقتب حاشية جنته من ناحية الوادى والسبيل الى ذلك طريقان

ان تعرج الدواب على رؤوس العيون فتصعد كئيبا رمليا ثم تنزل فتدخل الجنة او ان تخترق الوادى فتمر على مسرب فى جنة عبد الحفيظ وتدخل مباشرة . والفرق بين الطريقين ان الاول اطول من الثانى واشق بعشرة اضعاف

لكن سلوك الطريق الثانى يتوقف على اذن حفه ، وحفه عنيد مشاكس . لا يعرف الجميل ولا يسديه حتى الى نفسه . فرغم ثرائه المفرط لا ينفق من رزقه شيئا . وله فى ذلك طرائق قل من يتفطن اليها .

من ذلك انه يعرف مواعيد الزرد كلها فى البلد . فيتظاهر بتفان فى حب الزوايا والتبرك بها والاستشفاء بتذوق سماطها . فلا يتخلف عن واحدة .

نهوضه ، دائما ، فى الثلث الاخير من الليل فيطلع الى الصومعة ويبقى فى انصات ، فاذا سمع العويل عرف ان مريضا قد انتهى مرضه فيجرى الريق فى فمه كمثل صياد آنس حركة حجلة . فينزل من الصومعة ويخطو خطوات وينصت حتى يقوم نواح النائحة ويعرف وجهته فيخطو خطوات اخرى سريعة . وكلما اشتبهت عليه الطرق وقف وانصت حتى يعرف الدار فيمضى فى حال سبيله مطمئنا على وجبة الغد . سوف يكون من اول المعزين . . . وآخر القائمين عن قصعة الفدوة . وحتى مشقته ، فانه يتحيل عليها ، ينشق النفه ، لكن من حقق غيره . فلم يره احد يشترى من حانوت القمرق .

على انهم رأوه يجفف محرمته فى الشمس قبل ان يغسلها فى الواد . ثم يحكها على ورق فيتحتحت منها مسحوق التبغ فيجمعه ويصبه فى حقته . ولما قيل له فى ذلك اجاب - هذا مكرر ، كيف الحمص المكرر . يجى اطيب من الآخر .

ما كان لحمه الصالح الا يذعن . فوعده بشبعة من المشخب فسمح له بالمرور ولما كان العصر حدر فرأى جرة الدواب فى مسربه فصاح بحمه الصالح - هاك القضية

فأجابه - هاوينى " العلاقة " فى العريش . ازال السعف عن العلاقة فوجد شماريخ كالذهب الخالص . فجعل يصلى على النبى ويلومه ، بينه وبين نفسه ، على ان تكون مثل هذه الفاكهة عند غيره

يأخذ الكعبة بين اصابعه فينظر الى صفرتها الكرهبانية ويحفها فى فمه ويخرج ، بنفس الحركة علفة التى سبقت . فعل ذلك مرارا وتكرارا حتى فرغت العلاقة وامتلأ كفه علفا . فتنهد وتمطق

وارى ذلك العلف فى حفرة وقام عائدا عودا بطيئا . رآه حمه الصالح فصاح به . - سماح التميزات أحفه ؟ لذة للآكلين . يعطيك الصحة . يبارك فى الايديات اللى خدمتها . - راهم ايدياتك أحفه . هذا كه رزيقك حلالك - واش تقول ؟ - هاذوكم من الجباره اللى حذاء البير من قبلة رمى ببصره الى حيث قال حمه الصالح ، فرأى ، بفزع ، العرجون مشوشا . فالتفت اليه وقال له : الله ينعل والديك يا ابن الكلب . - ولاه أحفه ، ربى يهديك ، تنعل فى . - عاد انا قلت لك من جبارتكم والا من جبارتى انا ؟ ما بينت ليش . قلت لعود يكيدك رقى النخل . - يكيدنى رقى النخل ! برة ماك هزبتنى ها المرة .

سار حتى وصل الى المبانى . اختلطت امعاؤه وانعقدت فى صدره فانحنى على الحائط وتقيأ ما فى جوفه . تنفس قليلا ثم بربش قيأه وانصرف آسفا .

فانه وجد مع خليط التمر شيئا من العيش . فطفق يتساءل فيما بينه وبين نفسه . وهو يجر رجليه الى داره : " ذلك رزقى ، افهم ان امعائى لفظته ولكن ما للعيش يخرج وقد اصبته من فدوة فى الصباح ؟ "

اشترك في نشرتنا البريدية