اتسم العمل التربوى فى الدول المتقدمة - إزاء التحولات الحضارية المعاصرة - بميسم التقنيات ، وملاءمة الواقع المعاش ، ذاك الذى من أرسخ ركائزه : سيطرة الآلة على الكون . فمن أجل البقاء الأثرى اتجهت التربية حديثا ، لخلق طفولة ناضجة سوية ، نحو العمل اليدوى : صناعة وفلاحة ..
من هنا يبدو أن اقحام حصة العمل الفلاح أو الصناعى فى مدرستنا التونسية ضمن النشاط التربوى تدبير مبارك وسوى ، لاعلاء منهجية عليها سيزكو المواطن الصالح الذى نريد .. (1)
ولعل الداعى ، الى جانب ذلك ، مغامز فى العائلة التونسية ؛ ذلك انها ما زالت خامدة فى أساليب من العيش والسلوك ، هى الى البداية واقتفاء أثر الأجداد أقرب .
إن تفكير الأسرة - فى المجال العملى لم يتم تطوره بعد ، وكثيرا ما يبدد الحدث التربوى المدرسى ، أولا يضيف اليه ولا يواكبه أحيانا ، ومن هنا وإزاء عدم قيامها بواجبها على الوجه الأنقى ، يتضح أن سد الثغرات ، وتقويم الانحرافات ، ومؤلفة خبرات جديدة وطيبة ، قلت : يبدو أن ذلك هو من الاهداف التى يجب أن تنحو نحوها مدرستنا اليوم ، فدورها ثنائى :
1 ) تقويمى . 2 ( تعويضى ، فان تخلفت الاسرة فلا ينبغى للمدرسة أن تتخلف عن اتخاذ الدربة والمران اليدويين أرضية ومنهجا ، وإنك للاق ، فى مجال تنحى الاسرة عن الريادة - فى الميدان الفلاحى ( 2 ) - أكبر من فيها يبغض الى الطفل الفلاحة
- على الأعم - ويصورها - على أى نحو - بأنها الشقاء ومصير التعساء ! ومن ثمة فهو لا يرغب تعويده على أى عمل فلاحى ، وهو وإن استعان به فعلى أسلوب لا يتلاءم والطفل : جسديا ، ونفسيا ، وتربويا ، لذا كان حتميا أن يصاحبه الاشمئزاز والنفور .. !!
دور الأب ، أو من يقوم مقامه ، فى التدريب والارشاد الفلاحيين ضئيل ضئيل ، وقد نسأل عن السبب ؟
.. ربما لأنه يفقد الاسلوب الدافع الى التدرب ، أو لانه ورث فكرة احتقار هذا النوع من النشاط ، وإنما هو - لتبرير وضعيته كفلاح - يتذرع بأن لا حيلة لمن لا حيلة له ، أو لأنه يرى أنه نمط عمل غير مربح ، وهذا قد يكون مرجعه - عن علم منه أو دون علم - إما اتباعه لأساليب عتيقة تجاوزتها أساليب الانتاج العصرية ووسائلها ، وإما لتخبطه بين براثن أجهزة التوزيع والواسطة ( التاجر ) ، وإما لوقوعه - وهو الاجير - تحت عشوائية صاحب الارض من حيث الاجر القار والضمان الاجتماعى ، والتعطل ، وما الى ذلك . قلت : لكل هذا يجد ذلك الأب نفسه مبرزا نواحى السلب لابنه حتى يفر ، من كل ما يمت الى فلح الارض - فرار السليم من الاجرب !؟
اعتبارا لما سلف يبرز دور المدرسة الطليعى وانه لدور - ان استقام على الطريقة - سوف يبدل نظرة بنظرة ، وحياة بحياة ، وهروبا بشوق ، واتحاد !!
ولتلك هى ملامح التربية المدمجة ... ولنبدأ حيث تكون البداية : ما التعليم الفلاحى ؟
يبسط ولى الدين بن خلدون الاجابة فيقول : (( هذه الصناعة من فروع الطبيعيات ، وهى : النظر فى النبات من حيث : تنميته ونشوءه بالسقى والعلاج وتعهده بمثل ذلك )) ( 1 ) .
لقد دأب الانسان ويدأب ، فى استمرارية ملحمية على احبال الارض ، وواصل الكدح وقدح الزناد : تطبيقا ونظرا ، لتعميق رؤاه ، فى آفاق التنمية الفلاحية ، والتغذية البشرية : من أساليب استصلاح ، وأقلمة ، الى التهجين والانماء تصنيعا وتعصيرا . ولتلك هى كبريات مشاغل العالم ، لما لها من
جذور وامتدادات عليها يتوقف مصير الانسانية ( 1 ) .. قضية جد مصيرية : أن يدأب البشر كادحين ، لانضاج ( التفاحة الارضية ) فيبلغوا التعمير ، ويقهروا شبح المجاعة : كفارة فما مسته يدا آدم وحواء ..!!
على هدى من هذا ، يتراءى لى أن ذاك الادماج ، فى صلب العملية التربوية ، يلاحق مقاصد شتى :
1) احكام تأصيل الطفل ببيئته التونسية الفلاحية بالدرجة الاولى . 2 ) الوصول معه وبه الى تقديس النبتة ، وطريق ذلك أن يمر معها بنفس المراحل التى حنا فيها الفلاح على مزروعه ومغروسه ، ومن ثم تتوثق علاقته بأرضه فيسلم تعامله وما خرج ويخرج منها ، من التخريب والاهمال ، حريصا على التعمير ، وعلى الاثراء .. ولهذه أنبل المقاصد الربانية من تنصيب الانسان خليفة الله فى الارض .!
3 ) عرض نشاط آخر أمام الطفل حتى نتيح الفرصة لبعض الميول فتسايره وقد تبرز فيه . 4 ) إيقاظه على ضرب من ضروب السعى ...
5 ) المساهمة فى تربية الذوق وفى التعويد على حسن استغلال أوقات الفراغ . فقد ينشأ فى الطفل - ولا بد - الشغف بالقيام على حديقة المدرسة ، أو المنزل أو المدينة ، وفى هذا ما فيه من سمو وروعة ، ما أعمق الهوة التى تفصنا عن ذاك الآن !!
6 ) إذكاء الملاحظة ، والتعويد على سلوك مسلك التجربة والبحث ، إرهاصا للفكر حتى ينشأ ويروض على الروح العلمى .
والآن ألا ترى معى ، أن السعى بالطفل فى اتجاه نوعية حسن استثمار الخيرات وكيفية توفيرها والاسباب ، مما يخلق فيه دعائم الموافقة الاجتماعية ، حيث لا ولن ترى آنذاك فى عرى العقد الاجتماعى انفصاما ؟

