لقد سبق ان قدمنا خواطر حول كتاب من تأليف الدكتور عبد الرحمان الطيب الانصارى الاستاذ بجامعة الرياض الذى أفرده الى قرية (( الفاو )) التى تنتشر معالمها غربى الربع الخالى وشمال نجران . ويسعدنا ان نقدم اليوم كتابا سعوديا يعنى بأصول الحضارة العربية القديمة انطلاقا مما كشف عنه الغطاء من اطلال مدينتين كان لهما شأن كبير قبل الرسالة وهما العلا ( ديدان ) والحجر ( مدائن صالح ) وكلتاهما تقع بالشمال الغربى من المملكة السعودية فى ربوع ترويها مياه وادى القرى وتخصبها خضرة وحياة حتى انهما موطنان للازدهار والعمران والحضارة .
لقد رفعت كتب المحدثين والمؤرخين ذكر وادى القرى وكانت العلا والحجر نافذتين تفتحان على حضارة البحر الابيض المتوسط ، بل كانت جسرا تعبره الحضارات وتلتقى على حافتيه وتتحاور فتتزاوج وتتمازج وكان بذلك لقاء الجنوب بالشمال ولقد تغنت الكتابات المقدسية برحلة سبأ الى فلسطين ورحلة فلسطين إلى سببا فترددت أصداء مأرب وسد مأرب ذلك الذى كتب له أن يكون حقيقة وأن يكون خيالا وأن يكون حدثا تاريخيا تسجله النقائش المسطورة على صفحات من حجر وأن يكون أسطورة يهتز لها الوجدان ويثريها الخيال روعة وبهجة وترددت أصداء بلقيس وأصداء سليمان وأساطير سليمان وبني كنعان , ففى العلا والحجر توابل وطيوب وفيهما خير كثير وتجارب الناس الفنية والعقائدية .
تقع العلا والحجر على طريق تجارية عريقة مطروقة منذ القدم تربط بين حضارات جنوب الجزيرة العربية - أى حضارات سبأ ومعين وحضرموت واليمن والبحر الاحمر , حيث تنبثق أشعة الشمس وبين حضارات البحر الأبيض
المتوسط وموانىء بني كنعان وما قد يصل اليها عبر المسالك الصحراوية الرابطة بين دجلة والفرات وعلى متن السفن من بابل وأشور ومنف النيل وفى ذلك سنفونية تجارية حضارية تنشل اليناعة والازدهار .
عنوان الكتاب ؟ (( مواقع أثرية وصور من حضارة العرب فى الملكة السعودية العلا ( ديدان ) والحجر ( مدائن صالح ) )) . أصدره قسم الآثار والمتاحف بكلية الآداب جامعة الملك سعود وهو تأليف جماعى شارك فيه كل من الاساتذة الدكاترة عبد الرحمان الطيب الانصارى واحمد حسين غزال وجفرى كنج : نشر سنة 1984 بمطابع جامعة الملك سعود .
يعرف الكتاب بمدينتى العلا والحجر تعريفا يمتاز بالوضوح دون ما دخول فى التفاصيل بل كانهم أرادوه مدخلا يفتح للقارئ أبواب المد فتفتح وله اذا رام ذلك ان يتوغل فى شوارعها وأزقتها وأن يتعرف الى مميزات العمارة فيهما ويحاول الوصول الى حل ما تثيرانه من مشاكل تاريخة حضارية بما فى ذلك من قضايا لغوية وعقائدية واقتصادية ومعمارية وغير
تجد فى بداية الكتاب تقديما يبين فيه المؤلفون قيمة مثل هذه الدراسات حول حضارة العرب قبل الاسلام ومما ورد فى التقديم قولهم : (( وكل هذه الآثار تحكي لنا جذور حضارتنا العربية ولا تزال فى حاجة ماسة الى الدراسة الجادة . ومن هنا جاءت مسؤولية قسم الآثار والمتاحف بكلية الآداب - جامعة الملك سعود - فى اعداد المختصين لدراسة هذه المناطق وغيرها على أسس علمية دقيقة والتعرف على مراحل تطورها التاريخى حتى يتبلور دورها الحضارى الذى قام به العرب على مدى التاريخ )) ص . 1 .
واذ يجدر بنا التنويه بمثل هذه المواقف ازاء تراثنا العربى وازاء دور الجامعات العربية من حيث ضرورة اعداد المختصين القادرين على الاستجابة لحاجيات تراثنا مهما كانت ملامحه اللغوية والعقائدية وعلى تعاقب عصوره وتعدد أطواره ، فلا بد من الاشارة إلى تقصير الجامعات العربية بالمشرق والمغرب فيما يتعلق بتراثنا وتاريخنا . من ذلك أن مفاتيح كتاباتنا القديمة ما زالت عند الآخرين وكاننا قبلنا أن يستأثروا بها وكاننا لم نتحرج من أن نترك لهم دور قراءة ما خلفه لنا أجدادنا فى ربوع دجلة والفرات وفى الربوع الكنعانية وفى الجزيرة العربية وما أثرى الجزيرة العربية وما أثرى اليمن السعيد صاحب سبأ وحضرموت ! فلقد أصبح أبناء أرض الكتابة والكتب المقدسة
بعيدين كل البعد عن القراءة والكتابة ونسوا الاسماء وكانهم لذاتهم جاهلون . أما عن سرجون ملك أكادة وعن ملحمة جلجامش العظيم وعن ألواح إبلة تلك المدينة التى تنتشر اطلالها قرب تل مرديخ على الطريق الرابطة بين دمشق وحلب , فليس العرب بقادرين على أن يحدثونا عنها بغير وسيط . وهل تقول لأمى : اقرأ ؟
وبعد تقديم الكتاب تجد مدخلا ضبط فيه المؤلفون ملامح المحيط الجغرافى وقيمة الموقع كما أشاروا الى أهم الدراسات التى تناولت العلا والحجر وغالبها من وضع علماء أجانب أقبلوا من البلاد الاوربية والامريكية سعيا وراء التعرف إلى حضارة العرب قبل الاسلام على ان بعض الدراسات قام بها علماء عرب من أبناء المملكة السعودية . نرجو لهم التكاثر والتوفيق . ثم نصل إلى مدينتى العلا والحجر . فبعد وصف المحيط يذكر المؤلفون أهم الاطلال والتحف التى وجدت فى كلتيهما .
مدينة العلا :
فبالنسبة إلى مدينة العلا تجد اشارات عابرة الى اطلال معبد لكنها لا تكفى القارئ الذى يريد معرفة تخطيط المبنى ومعرفة عناصره وما قد كشف عنه الغطاء أثناء الحفرية . ثم تجد اشارات أخرى أكثر دقة وتفصيلا الى المدافن التى نحتت فى منحدرات صخرية وحاول أصحاب الكتاب ان يصفوا زخارفها وصفا شاملا يتناول الاجزاء كلها فيفيد القارئ من حيث معرفته لهذه المعالم ومن حيث الاسماء التى استعملت لتسمية كل عنصر منها .
على أنهم ركزوا على نقائش سطرت على واجهات المدافن وهى تعتبر كنوزا لغوية جديرة بفائق العناية وعميق الدرس فمنها نقائش لحيانية ونقائش ديدانية وأخرى معينية ، ومعلوم ان اللغة اللحيانية هى لغة العلا وهى لغة عربية شمالية كتابتها متميزة على انها من أصول جنوبية . وأما النقائش المعينية التى عثر عليها فى العلا فهى تشير الى علاقة جنوب الجزيرة بشمالها . وقد كان تجار اليمن يتحولون الى العلا طلبا للثروة بيعا وشراء .
وفيما يتعلق بالحدود الزمنية لمدينة العلا ، فقد يعسر ضبطها بكل دقة فالثابت أنها كانت مزدهرة خلال القرن السادس قبل الميلاد (( ذلك انها تاجرت مع دول الجنوب والشمال فى الجزيرة العربية وفلسطين وسوريا ومصر ومناطق أبعد من ذلك )) ص . 8 .
ويبدو أنها تقلصت منذ القرن الثالث قبل ميلاد عيسى عليه السلام ولعل نجمها أفل فيما بين القرن الثانى والقرن الاول قبل الميلاد ولكن المسألة ما زالت قائمة .
مدينة الحجر :
ورد ذكر مدينة الحجر فى القرآن الكريم : ( ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين . وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين . وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين . فأخذتهم الصيحة مصبحين . فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ) الحجر ( مدائن صالح ) لينمى دور مدينة العلا )) ص . 16 ، فلقد تألق نجم الحجر المدافن المنقورة فى منحدرات صخرية تلك التى ما زالت شاخصة يشاهدها الزائر ويعجب بها ؟
ويعلق المؤلفون فى الحديث عن الحجر بقولهم : (( وعلى أية حال فقد جاء ظهور الحجر ( مدائن صالح ) لينمي دور مدينة العلا )) ص . 16 ، فلقد تألق نجم الحجر مع ظهور الانباط وكانت المدينة تسمى حجرا ولكن الى متى يعود الاستقرار السكانى بربوع هذه المدينة ؟ سؤال عسر على المختصين الاجابة عنه ومهما يكن من أمر فازدهار المدينة كان فى أيام الانباط خلال القرن الاول ميلاديا وما سبق ذلك التاريخ فضباب كثيف يحجبه عنا ولا فائدة فى سرد الافتراضات العديدة المتناقضة : (( ولن يوضح ذلك الا حفائر أثرية جادة فى الحجر ، وقد تفيدنا أيضا هذه الحفائر فى ايجاد حل لمشكلة العلاقة اللحيانية النبطية )) ص . 20 .
أما . عن تقلص الحجر فيبدو انه أضحى واقعا ملموسا ابان سيطرة الرومان على المدن النبطية لما تحولت البطراء إلى مقاطعة رومانية سنة 106 ميلاديا . فلما كان ذلك باتت مدينة الحجر تعيش حياة فاترة واختفت اخبارها .
ومن الاطلال التى ما زالت شاخصة بالعلا والحجر قبور نقرت فى الصخر وكأنها البيوت التى ورد ذكرها فى القرآن الكريم : (( وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا )) تمكننا هذه المدافن المنحوتة من الوقوف على بعض ما تمتاز به العمارة فى العلا والحجر كما تمكننا من الوقوف على تأثير الحضارات المجاورة لهما فى جزيرة العربية كانت أو خارجها كمصر والبطراء وفلسطين . ولقد تعرض اصحاب الكتاب الى بعض هذه المدافن وتناولوها بالوصف والشرح مستعملين مصطلحات فنية تثرى معجم المختصين فى العمارة والآثار عامة .
ومما يستوقف القارئ مجموعة من النقائش سطرت حروفها على واجهات المدافن ونقلها المؤلفون بالحرف العربى تبسيطا وتقريبا . ففى العلا نقائش ديدانية ونقائش لحيانية ونقائش معينية وأخرى نبطية تحمل معلومات ثمية حول الذين عمروا المدينة ، منها معلومات تخص النظم السياسية والشؤون الاقتصادية كالتجارة وما يتولد عنها من أرباح ومشاكل ونزاعات ومنها معلومات حول التشريع والشريعة النبطية . وفي النقائش أسماء الآلهة وأسماء الملوك وأسماء الرجال والنساء وأسماء الشهور والاسم يحوي فى طياته كنوزا من المعلومات تبرز بعد الدرس والتحليل .
ومما تجدر الاشارة اليه فى هذا الصدد ان اسم الله كان معروفا بين الانباط فهذه نقيشة تتحدث عن مقبرة وثنية قام بنحتها ناحت يدعى خلف الله وتفيد نقيشة أخرى من نقائش الحجر ان لتيم الله مقبرة وهبها لزوجته . والمرجح ان كلا من خلف الله وتيم الله وثنى مشرك فخلف الله كان يعبد ذا شرى ومنوتر فهل كان اسم (( الله )) يطلق على بعض آلهة العرب قبل الاسلام ؟ قد يكون ! ومهما يكن من أمر هذه القضية من قضايا تاريخ الديانة العربية القديمة , فمعلوم أن أبا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم كان يدعى عبد الله وكاد يقدم ضحية للآلهة من قبل أبيه .
وفى الكتاب معلومات أخرى عديدة يفيد منها دارس الحضارة العربية وتاريخ العرب قبل الاسلام ، ففى النقائش التى استعرضها المؤلفون أضواء عن المجتمع وعناصره ومشاغله وطموحاته وفيها كنوز لغوية لا تحصى على اننا كنا نود لو قدمت النقائش بحروفها الاصلية قبل نقلها الى الحرف العربى ولا شك ان القارئ كان يستفيد أكثر لو قدمت له النقائش مرتبة على أساس اللغة والمحتوى .
ثم لا ننسى الزخرفة المعمارية التى حاول اصحاب هذا الكتاب وصفها وصفا دقيقا معززا بألواح بيانية تساعد القارئ على تصور الموصوف وتقربه من الواقع الذى عاشه أهل العلا والحجر ، فهنيئا للذين تفضلوا بانجاز هذا العمل المفيد وهنيئا للقارئ الذى سيستفيد .
