بمناسبة موقف الغرب من العرب والاسلام فى الوقت الراهن
- ١ -
سيجعل الله لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا . . " هذا ما قاله الرسول عليه السلام ، لابى بصير عتبة بن اسيد الثقفى ، حينما وافاء بالمدينة المنورة ، فارا بدينه من اضطهاد قريش له بمكة وكان مقدم ابى بصير بعد ابرام معاهدة الحديبية بين الرسول وقريش . . وقد طلبت قريش اذن من النبى اعادة ابى بصير الى مكة ، وفاءا بالعهد المبرم ، وقبل الرسول ذلك ، ووجه الخطاب الى الصحابى اللاجئ المضطهد قائلا : " يا ابا بصير ! إنا قد اعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ، ولا يصلح فى ديننا الغدر ، وان الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ، فانطلق الى قومك " . . قال . يا رسول الله ! اتردني الى المشركين يفتنونى فى ديني ؟ قال : " يا أبا بصير ! انطلق ، فان الله تعالى سيعجل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا .
وفهم ابو بصير ان الله سيجعل له من امره فرجا ، فقد اكد ذلك له رسول الله فى حديثه مرتين فامتثل الامر ، وقفل الى مكة ، ومعه حارس من قريش ، حتى إذا كانا بذى الخليفة ، احتال ابو بصير على الحارس ، وتناول سيفه منه بحيلة
بارعة وضربه به فارداه قتيلا وعاد الى الرسول وقال : يا رسول الله وفت ذمتك وادى الله عنك . . أسلمتني بيد القوم ، وقد امتنعت بديني أن افتن فيه او يعبث بى . فقال الرسول حينئذ مشيرا له اشارة رمزية ثانية ، اشارة المقاومة من طرف خفي . . قال : " ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال "
وتلقفها ذهن ابى بصير اللماح ، كما تلقف الكلمة النبوية الاولى بحرص واهتمام . وسرعان ما خرج فنزل بطريق قوافل قريش الذاهبة والآيبة من الشام ؛ على ساحل بحر القلزم : ) البحر الاحمر ( وأزمع النكاية بقريش ، فانه مسعر حرب . وبلغ المسلمين المحبوسين بمكة قول الرسول العظيم لأبى بصير ، فتوافدوا على ابى بصير ، حتى اجتمع اليه منهم قرابة سبعين رجلا ، وهكذا تلقف الصحابة المضطهدون بمكة الشطر الثاني من القول الرمزي السامى الذى وجهه الرسول الى ابى بصير . . " ويل امه مسعر حرب لو كان معه رجال . . " فها هم الرجال وقد انضموا الى مسعر الحرب ، ليوقدوها حربا شعواء لاهوادة فيها على اقتصاديات قريش ، وقد امعن هؤلاء فى التضييق على قريش ، حتى ضجت منهم فكتبت الى رسول الله عليه السلام تسأله ان يضمهم اليه بالمدينة ، وهكذا جعل الله الفرج والمخرج لابي بصير ، ولمن معه من المسلمين وانقذهم من الضيق والكرب الكارب ، بسبب صدق ايمانهم ، وثبات عزائمهم ، ثم بسبب عملهم شيئا من أجل ايمانهم وانفسهم ، اضطر اعداءهم للتسليم بواقع الامر واضطرهم الى الاعتراف بمكانتهم الاجتماعية والاسلامية . كما اضطرهم الى نقضهم بايديهم اهم شروط الهدنة ، التى كانوا يحرصون على تدعيمها ، وما ذلك الا بسبب تضييق هؤلاء المسلمين القلة عليهم .
2
" هم ثلاثون علجا فماذا يفعلون ؟ " هذا ما قاله مسلمو الاندلس عن أنصار " بيلاي " من الاسبان ، الذين لم يقبلوا بواقع الامر وما رضخوا لفتح . المسلمين للاندلس ، وأزمعوا المقاومة حتى النهاية . . وقد استبسل هؤلاء " العلو وأووا الى الصخرة المعروفة هنالك بصخرة
بيلاي ، منضوين بحث لواء زعيمهم هذا . . وكانوا فى الاصل ثلاثمائة رجل وعشر نسوة . . ومن وعور جليقية ، ومن صخرتهم الشماء صاروا يشنون الغارات تلو الغارات على المدن الاسلامية ، قانعين بميسور عيشهم ، وكان من عسل النحل ، ومن عسل النحل وحده ، الموجود بذلك الجبل بكثرة ، وظلوا على مقاومتهم للفتح الاسلامى ، لا تلين لهم قناة ، ثم تناقص عددهم بحكم القتل المستحر فيهم من قبل المسلمين ، اثناء اغاراتهم عليهم ، حتى بلغ عددهم ثلاثين رجلا فقط ، وعندئذ استهان المسلمون بأمرهم ، واهملوا مقاومتهم ، وتناسوهم ، وقالوا عنهم . قولهتهم التى مر ذكرها . . قالوا عنهم : " هم ثلاثون علجا فماذا يفعلون ؟ "
وقد كانت نتيجة الاستخفاف بأمر هؤلاء العلوج الثلاثين ، ان اطمأنوا ، ورتبوا خططهم الدقيقة للمقاومة الفعالة ، وجردوا من عزائمهم سيوف وثبة ناجحة لألقاء المسلمين وراء البحر ، ولأخراجهم دفعة واحدة من " الفردوس الارضى المفقود ومازالوا كذلك يعظم أمرهم الضئيل ويعظم ، ويضؤل أمر المسلمين العظيم ويضؤل ، حتى تمكنوا من احداث الفتن بين المسلمين ، امراء وزعماء وكبراء ، ثم تكاثر عددهم وتوافد اليهم من قومهم المتحمسون ضد الاسلام ، وامدوا بالغذاء والكساء وبالرجال والسلاح والعتاد ، ومازالوا ينتصرون ، ويندحر المسلمون عن الاندلس الخضراء ، مدينة بعد مدينة ، وقطرا بعد قطر ، حتى تمكنت لك الشرذمة اخر الامر من دحر المسلمين وطردهم مرة واحدة من بلاد الاندلس الرحيبة وهكذا جاء الجواب الفعل لتساؤل المسلمين : هم ثلاثون علجا فماذا يفعلون ؟ لقد فعلوا الشئ الكثير ، ورموكم ابها المسلمون وراء البحر وطردوكم من الفردوس الارضى ، وما ذلك الا نتيجة تواكلكم واهمالكم . والاستخفاف بشأن عدوكم حتى هيأ له ذلك جو الانتقام . .
3
واليوم يقف العرب والمسلمون ، من الغرب وذيوله ، وقفة المناضل ، المدافع عن حقوقه السلبية ، واستقلاله المراد له هضما واحتلالا ، ويحشد الغرب فى قلب البلاد
العربية والاسلامية " جرثومة " الفساد الانسانى ، ويحاول ان يقيمها دولة اسرائيلية ، على حساب بلاد العرب ، ومقدرات العرب . فهل آن للعرب ، وهل آن للمسلمين أن يستيقظوا ، وأن ينفضوا عن ارواحهم وجسومهم غبار التواكل والتخاذل ، والاستهانة بشأن الاعداء الرابضين لهم والمتربصين بهم من وراء عقر ديارهم ؟ ! . إن الحمل ثقيل ، والعدو المتربص متكتلان وذوا قوة مادية هائلة ، فلا بد من حشد العزايم ، واستبسال الهمم ، والاستقتال فى بث روح التضحية ، والجلاد والايمان القوى العميق يفعل الغرائب والمدهشات ، ويطغى على المادة الهائلة اذا سوعف بمادة ملائمة . . وكل عربى ومسلم مطالب بأن يعمل شيئا من أجل ايمانه ووطنه ، وأي شئ يكون هذا الشئ الذي يعمله العربى والمسلم لمصلحة دينهما وبلادهما فهو عظيم وناجع ، ليكن علما يتقنانه ، أو عملا يتفنان فيه ، أو جندية يتعرفسان بها على احدث الأصول ، أو أدبا يدعوان فيه فى حرارة واخلاص الى القوة والاستعداد أو مقاومة سلبية أو اقتصادية ، أو استخبارا عن اسرار العدو الرابط واسرار العدو المتربص ، للافادة منها ، فليس كالاستخبارات أفيد لدحر الاعداء ، ولا ننس حادث الصحابى الجليل ابى نعيم فى غزوة الخندق ، اذ خذل الله به عن المسلمين اعداءهم المتجمهرين للقضاء على الاسلام القضاء الاخير . . فى تلك الغزوة الهائلة . . ليعمل كل واحد منا ما يستطيع باخلاص ، وليعتبر كل واحد من العرب والمسلمين أيا كان ليعتبر نفسه جنديا من جنود الاسلام والعروبة ، وليأت كل منا ما يستطيع اتيانه من خير للعرب وضر لاعداء العرب . فالقليل الى القليل كثير ، ورب امر ضئيل وكيد نزر ، يقوم به فرد عادى يقلب وجه التاريخ لنبعد عن انفسنا داء الغرور وداء الاستخفاف ، فما ضرامة من الامم شئ كما يضرها داء الاستخفاف بمقدرات العدو ولله در الاسلاف حينما حذرونا فى احد امثالهم الحكيمة البليغة من الركون الى هذا الداء الوبيل ، فقالوا انا فيما قالوا : " اذا كان عدوك نملة فلا تنم له " . والسعيد من اتعظ بغيره ، ومن افاد من الاحداث ما يقيه شرورها المتطايرة
