يتكون جسم الإنسان من مواد كثيرة أغلبها الماء ، وهذه حقيقة عجيبة لا يشعر بها أحد . وأعجب من ذلك أن الناس يجهلون قوة الماء كسائل مذيب وخاصة بالنسبة للأقمشة التى تظهر للعيان غير قابلة للذوبان . وإذا أمكن لنا أن نسمى ماء المطر ماء نقيا من الوجهة الكيميائية ، فى حالة خلوه من الغازات ، فإن هذا الماء النقي يمتلك قوة الإذابة الفعالة ولا يحتاج في الحقيقة لإثباتها إلا قليل من الوقت ، أي أنه بطئ التأثير ، بخلاف
الأحماض سريعة المفعول . وما علينا للتحقق من هذه الحقيقة إلا أن نفكر في مياه الينابيع المعدنية ، إنها مشتقة من مياه الأمطار التى تنزل من السماء وتخترق طبقات الأرض مذيبة فى طريقها مختلفا من الأملاح والمعادن
والمركبات في ترتفع مرة أخرى إلى سطح الأرض في شكل ينبوع ، أو ممر في النباتات التي تستخلص من المياه الباطنية مختلفا من المعادن والأملاح التى تكون خلاياها الخشبية والليفية ، والتي تكون الزهور والثمار والحبوب وما إلى ذلك من أجزاء النبات . . كل أولئك يرجع أصلها الى الماء .
ولهذا كله أيضا ليس من العجيب أن نرى مفعول الماء كعامل الإذابة على أشياء مما نعتبرها نحن غير قابلة
للتآكل أو الذوبان . انظر الحديد كمادة مثلا ، فلو عرضناه للرطوبة ( الماء ) فإنها تصدأ وتتآكل وتذوب رويدا رويدا . وكذلك الإسمنت أو (البتون ) وهي المادة البنائية القوية إنها أيضا تتأثر بالماء لأنه إذا وقع
عليها يذيب كمية الكلس الداخل في تكوينها .
وليس عفوا أن يسمى الكيمائيون تلك المادة التى اخترعوها للوقاية من مفعول الماء باسم ( أينرتول ) ، وهي مستخرجة من مواد كامنة تحت الأرض منذ آلاف السنين مثل الفحم الذي يستخرج منه القار أو الإسفلت الذي يستخرج من النفط .
ولكن هذه المواد الواقية من مفعول الماء لا تخرج من الأرض صالحة لوقاية الحديد أو البتون من إذابة الماء لها ، ولذلك درس الكيميائيون هذه المسألة حتى وصلوا إلى صناعة مادة سائلة
منها يمكن طلاؤها على الحديد أو البتون فتحفظها دون الرطوبة والماء . وعلاوة على قدرتها الفائقة على وقاية المعادن من التآكل ، تتمتع الأنرتول أيضا بالقدرة على إزالة الألوان غير المرغوب فيها مثل البقع السوداء الموجودة على الحديد أو البتون ( الإسمنت المسلح ) .
ولذلك لم يتردد المنتجون فى إخراج كميات منها إلى الأسواق على هيئة رقائق (أفلام ) تسمي ( الأيكوزيت ) مستخرجة من المطاط الكلورى . وبوساطة هذه المواد الواقية من الصدأ والتآكل ، أمكن اليوم الإحتفاظ بالمباني والمنشآت المعرضة للصدأ وإذابة المياه دون الخوف عليها من التقلبات الجوية والرطوبة أو الأمطار . وخاصة فى البلدان الشرقية الحارة ، حيث تتجمع قطرات الندى - وهي قطرات المياه النقية قوية المفعول الكيميائى - على أعمدة البنيان الحديدية وغير ذلك من
الأدوات المصنوعة من المعادن القابلة للصدأ . ومادتا ( الأينرتول ) و ( الأيكوزيت ) ليستا من المواد التى اكتشفت بين عشية وضحاها ، وإنما تطورت صناعتهما خلال سنوات طويلة من التجارب والإختبارات والأبحاث الإختصاصية المضنية ، حتى برهنت على قوتها ومفعولها الناجع في الوقاية من الصدأ والتآكل .

