الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

موجة النقد الأدبي الجديد بفرنسا

Share

اولا : النقد الماركسى والاجتماعى : (( لوسيان جولدمان )) ( 1913-1970 )

الاطروحة الاولى تقول : إن كل فكرة وكل اثر لا يكتسب دلالته الحقيقية الا عند دمجه فى مجموع حياة معينة ومجموعات تصرف معين وهنا يعتنق ((جولدمان)) المنظور الماركسى الذى يجرد الشعور من الدور الذى يقوم به اثناء حياة الانسان ولا يعترف بالنزعات المثالية التى لا تفهم الانسان فى فعاليته اليومية المحسوسة ولا تؤطره فى مجتمع معين وفى حقبة تاريخية معينة ويعتبر ان العمل الادبى يعكس درجة معينة من الوعى الجماعى على الكاتب المبدع الذى يقوم بدوره بعكس هذا الوعى بطريقة مميزة وممتازة لان وعيه يمثل جزءا من الوعى الجماعى . وهذا المنظور يرى ان وظيفة النقد تتلخص فى تفسير العمل الادبى تفسيرا موضوعيا ، لا الحكم عليه او تقييمه ويوجه كل اهتمامه نحو مضمون العمل لانه اغنى العناصر من حيث كشفه عن الدلالات الاجتماعية والتاريخية لان الكاتب كما يقول (( لوكاش )) اب النقد الماركسى ليس خالقا للشكل بقدر ما هو كاشف عنه . لان الشكل يكون مدونا قبل ذلك فى المعطيات الاقتصادية والاجتماعية التى يلقى الضوء عليها وهو يعرض نفسه (( كانعكاس عارف للواقع )) .

الاطروحة الثانية : حول اكتشاف الدلالة الموضوعية للعمل الادبى يقول (( جولدمان )) علينا ان نضع العمل الادبى من جديد فى مجموع تطور التاريخ وان نرجعة الى مجموع الحياة الاجتماعية بالرجوع الى مفهومين وهما مفهوم الكلية ومفهوم التماسك اى بالكشف عما هو جوهرى واساسى فى النص وتفرقته عما هو عرضى ودخيل وهذا لا يتم الا بنسبة اجزاء الاثر الى كليته لكن من المفروض دمج العمل فى مجموع حياة معينة وفى تصرف معين : (( ليس الفكر سوى مظهر جزئى من واقع اقل تجريدا هو الانسان بكليته وهذا الانسان بدوره ليس سوى عنصر جزئى من مجموعة هى الطائفة الاجتماعية ، وكل فكرة وكل اثر لا يستمد دلالته الحقيقية الا عند دمجه بمجموع حياة معينة ومجموعات تصرف

معين يضاف الى هذا ان كثيرا ما يحدث بان التصرف الذى يتيح فهم الاثر لا يكون تصرف المؤلف بل تصرف طائفة معينة ( من الممكن ان لا ينتمى اليها المؤلف ) وبالاخص تصرف طبقة معينة عندما يتعلق الامر بمؤلفات مهمة وبعبارة اخرى يجب على النقد الادبى ان يتخذ مبدأ الفكر الديالكتكى لان (( معرفة الوقائع تبقى مجردة ما دامت لم تجسم بدمجها فى مجموع قادر وحده على تجاوز الظاهرة الجزئية المجردة للوصول الى جوهرها المحسوس وبصورة ضمنية الى دلالتها - وكل محاولة لتفسير العمل الادبى بالاعتناء بتسليط الضوء على حياة الكاتب وشخصيته هى محاولة عقيمة لانه من الصعب تصور وجود فرد معين غير مندمج فى بنية اجتماعية معينة ... )) .

الاطروحة الثالثة : اما بالنسبة للاثر الادبى نفسه فعلى الناقد ان يوجه اهتمامه نحو بنائه باعتبار ان هذا الاخير يحتوى على مجموعة من العلاقات المنطقية والعاطفية تمكن الناقد من فهم وتفسير تصرفات اشخاص الرواية أو المسرحية مثلا وفق اجزائها الواحدة بانتسابها الى البناء الكلى للاثر . ان الاثر الادبى له بناؤه ومنطقه الداخلى الخاص الذى يجب على الناقد ان يوجه اهتمامه نحوه ليبين لنا خصائص تماسكه الداخلى ، ويبين لنا ايضا طبيعة العلاقة بينه وبين بنية الوسط الاجتماعى . ان التماسك الداخلى للاثر ينشأ عادة من مجموعات العلاقات الضرورية التى تتألف من العناصر المختلفة التى يتكون منها الشكل والمضمون معا وبناء على هذا فان الاتجاه الذى يركز اهتمامه على احد عناصر الاثر دون مراعاة مجموعة العناصر التى تكون اجزاءه يعد اتجاها معيبا لانه يقضى على وحدة البناء والتماسك الداخلى للاثر .

ثانيا : موجة التحليل النفسى والنقد النفسى : (( شارل مورون )) ( 1899 - 1966 )

الاطروحة الاولى : كان هدف النقد الادبى المعتمد على فرضية التحليل النفسى هو كشف مغلقات لا شعور الكاتب ، لكى يفسر بها اعماله ، ويلجأ فى ذلك الى الشهادات والمذكرات والملاحظات التى تركها الكاتب وهذا ما فعله (( رينيه لا فورغ )) فى كتابه : (( اخفاق بودلار )) (1931 ) وما فعلته (( مارى بونابارت )) فى كتابها (( ادجاربو )) الذى قدمه فرويد ( 1943 ) وهذا النوع من النقد ينتمى الى مجال الدراسات الطبية لانه يعتبر الاديب كشخص مريض وان العقد ( عقدة اوديب ، عقدة الاخصاء .. ) هى التى تتحكم فيه وتكيف اعماله . اما مذهب

((مورون)) فانه ينطلق من العمل نفسه يبحث عن تداعى الافكار اللاإرادية تحت بنيات النص الارادية اى انه يهتم بالعمل بالدرجة الاولى . ويعتقد ان النص الادبى شبيه بنسيج خيوطه مرتبطة متشابكة مع بعضها البعض اى ان كل شكل فى النص لا يحيا الا بعلاقته بشكل او باشكال اخرى . وكل هذه الاشكال تتألف لتبرز الخصوصيات الجوهرية لشخصية الاديب اللاشعورية . وتمثل شخصيات الرواية والمسرحية نمطا اسطوريا عميقا متجذرا وبالتالى من المفروض أن لا تدرس الشخصية لذاتها بل يدرس موقفها فى الشكل العام للعمل .

الاطروحة الثانية : تعتمد هذه المدرسة فى نقدها للنصوص ، فى تحليلها النفسى لها ، الى ما يسمى (( بتنضيد النصوص )) وهى غير مقارنتها كما بين (( مورون )) : (( مقارنة النصوص يكون موضوعها محتويات شعورية ارادية وهى من اختصاص النقد الكلاسيكى اما التنضيد فانه على العكس يشوش المحتويات الشعورية لكل واحد من النصوص المنضودة وهو يضعفها الواحد بالآخر لا ليظهر تكرارات ملحة وهى مشكلة يجيد حلها الاحصاء بل ليكتشف علاقات خفية تزداد او تقل درجة لا شعورها .

الاطروحة الثانية : تعتقد هذه المدرسة بان هنالك العديد من العوامل التى تلعب دورها فى عملية الخلق الادبى (( الذى هو ظاهرة فريدة لا يمكن التبؤ بها وهذه العوامل هى : الوسط وتاريخه ، اللغة المستعملة شخصية الاديب الواعية وتاريخها واخيرا شخصيته اللاشعورية وهى التى تركز عليها هذه المدرسة لارتباطها بالأثر )) .

ثالثا : المدرسية الظاهراتية : (( فاستون باشلار )) ( 1884-1962 )

الاطروحة الاولى : احد مشاريع (( باشلار )) الاساسية فى النقد الادبى هى : (( فصل جميع لواحق الجمال وبذل المجهود لايجاد الصور المختفية وراء الصورة الظاهرة والانطلاق الى اصل القوة المتخيلة نفسها )) . (( وباشلار )) لا يهتم كثيرا بجمالية النص فالادب بالنسبة له يجب ان يثير الدهشة بواسطة الصور وبالتالى تبقى جدة الصورة واصالتها هى اهم شئ بالنسبة له وهو يعجب بصورة خاصة بالشعر السيريالى وهو يقول بان الصورة قذف واع تكونه صور النماذج الاصلية اللاشعورية بواسطة الخيال : (( لكى تستحق الصورة لقب صورة ادبية يجب

ان تتسم بقدر من الاصالة . فالصورة الادبية معنى فى حالة كامنة والكلمة تأتى لتتلبس هذا المعنى بحيث تكتسب دلالة جديدة قادرة على اثارة الاحلام . والوظيفة المزدوحة للصور الادبية هى ان تعنى شيئا آخر وان تثير الاحلام بصورة مختلفة . والصورة الادبية لا تتبعث لالباس صورة عارية وهى لا تزود صورة صامتة بالكلام بل الخيال فينا هو الذى يتكلم والاحلام تتكلم وافكارنا تتكلم . وعندما يصبح هذا الكلام شاعرا بذاته ، فعندئذ يتوق النشاط الانسانى الى الكتابة اى الى ترتيب الاحلام والافكار . والخيال يغتبط بالصورة الشعرية . فالاددب اذن ليس بديلا لاية فعالية اخرى بل هو يروى غليل رغبة انسانية وهو يمثل انبثاقا للخيال وبالتالى على الناقد عندما يدرس عملا ادبيا ان يكون ذاتيا وموضوعيا فى نفس الوقت وان يحلم مع الآثار لا ان يقتصر على (( رؤيتها )) .

الاطروحة الثانية : وهى تمثل المرحلة الظاهراتية : يقول فيها (( باشلار)) : إنه ينبغى ان لا ندرس الصورة الشعرية بالاعتماد على قواعد فلسفية لان هذا يعرقل ابراز الواقع الجوهرى للصورة . وبالتالى ينبغى ان يكون الناقد حاضرا امام الصورة معتبرا ان الفعل الشعرى لا ماضى له وبانه لا توجد علاقة سببية بين الصور الشعرية المبتكرة وبين نموذج اصلى لصور شعرية تكمن فى اللاشعور لان الصورة ليست فى جوهرها صدى للماضى وهى تملك كيانها الخاص وديناميكيتها الخاصة وبالتالى يكتب : ((من اجل ايضاح مشكلة الصورة الشعرية فلسفيا يجب ان نلجأ الى فلسفة ظاهراتية للخيال . ويعنى ذلك دراسة ظاهرة الصورة الشعرية عند انبثاق هذه الصورة باعتبارها نتاجا مباشرا للقلب وللنفس ولكيان الانسان فى واقعه الحاضر )) . وهكذا فالظاهراتية وحدها (( اى تأمل انطلاق الصورة فى شعور فردى معين )) تكفى لمساعدتنا على انعاش ذاتية الصور وعلى مقياس قوة عبورها من ذات الى اخرى . وعلينا ان لا نعتبر الصورة موضوعا أو بديلا عن موضوع بل يجب علينا ان نستحوذ على واقعها الخاص المتميز .

رابعا : المدرسة الوجودية : (( جان بول سارتر ))

الاطروحة الاولى : قضية الالتزام : وهى احدى الافكار الرئيسية للنقد الوجودى التى تقول بان وظيفة الادب لم تعد جمالية فقط بل يجب ان تكون مظهرا عاما من مظاهر الشعور الانسانى وكنتيجة لذلك عليها ان تكون وعلى الدوام ملتزمة ، اذن فالكتابة طريقة معينة فى التصرف وهى ((عمل كاشف)) لا بد

من ان تبلغ رسالة . بايجاز عليها ان تكون (( وظيفة اجتماعية )) وعلى الاديب ان يناضل سياسيا بادبه لان كل ما يقوم به هو محسوب عليه . والوجودية تعطى اهمية للكاتب اكثر من اثره وهى لا تهتم باسلوب الكاتب بل بالقضية التى تطرحها ويقدم (( سارتر )) نظريته فى التحليل النفسى الوجودى كما يلى : (( ان الانسان كلية وليس مجموعا وبالتالى فهو يعبر عن نفسه بكليته فى اكثر تصرفاته سطحية واكثرها تفاهة ، وبعبارة اخرى ليس هنالك ذوق او عادة او عمل انسانى لا يكون كاشفا)) وسارتر يعتقد بان الكائن الانسانى صفحة بيضاء وانه يبنى نفسه وفق مشروع اساسى وكل الاختيارات الثانوية تتوحد فى (( اختيار اصلى )) وحيد .

الاطروحة الثانية : بالنسبة للناقد الادبى الوجودى يجب ان ينطلق مدار فهمه للاثر من الاثر الى المؤلف ليعود الى الاثر لا العكس لان الاثر المدروس هو موجود حتى بدون معرفة واضحة لواضعه لكن يستحيل وجود اديب بدون وجود اعمال له معروفة فهنالك مآسى (( راسين )) اولا ثم راسين ثانية ومن واجب النقد الوجودى ان يبرز لنا العلاقة بين العمل الادبى وبين المشروع الجوهرى لحياة الاديب . (( فراسين )) الوحيد الذى نعرفه هو راسين الموجود فى مآسيه اى اننا لا نعرفه الا بواسطة مآسيه التى هى نقطة الاتصال الوحيدة به باعتباره كاتبا. اى ان الاعمال الادبية هى الكلية الوحيدة ذات الدلالة التى على الناقد ان يعرفها بدون اهتمام بغيرها .

الاطروحة الثالثة : تعتبر هذه المدرسة الاثر الادبى كمجموعة من التركيبات الادبية وكتنظيم معين للغة معينة اى ما يعبر عنه الاثر صراحة ثم يبحث عن ما هو ضمنى فى هذا الاثر اى ان النقد هو نشاط توفيقى او تأليفى بين ما هو صريح وما هو ضمنى فى الاثر يقصد الى استخلاص المعنى الكامل للاثر انطلاقا من مبناه ووصولا إلى معناه باعطاء اللغة بعدها الوجودى باعتبارها وسيلة التبليغ الوحيدة ولانها هى التى تحيلنا الى حضور الكاتب فيها . لان اسلوب الكاتب هو الذي يدل على الاختيار الوجودى الذى يحققه هذا الكاتب .

خامسا : المدرسة الشكلية او البنيوية ( رولان بارت )

الاطروحة الاولى : النقد بالنسبة ((لبارت)) أولا وقبل كل شئ عمل تفسيرى لنص ادبى معين لابراز معناه العميق . واللغة الادبية هى حزمة من العلامات التى

من المفروض تفسيرها للعثور على الحد الاقصى لمدلولها ( باعتبار ان العلامة هى تركيبة من دال ومدلول ) ودور الناقد البنيوى يعتمد على اعداده للغة لها نفس تماسك ومنطق لغة الكاتب المنقود . اى على الناقد ان يستبطن اكبر كمية ممكنة من لغة الكاتب لان القضية ليست التوصل الى حقيقة نقدية (( بل يجب ان نتكلم عن تماسك لغة ما ومشروعيتها . وبعبارة أدق عن انضباطها وهنا يقول ((بارت)) ليست اللغة بذاتها صحيحة او مغلوطة ، بل هى سليمة او غير سليمة . والمقصود من كونها سليمة انها تؤلف نظاما متماسكا من العلامات . والعلامات التى تخضع لها اللغة الادبية لا تتعلق بمطابقة هذه اللغة للواقع ( مهما كانت ادعاءات المدرسة الواقعية ) بل فقط بخضوعها لنظام العلامات الذى حدده المؤلف لنفسه . ويقول (( بارت )) ان للمقال وحداته وقواعده وصرفه ونحوه عبر الجملة ، وهو بالرغم من كونه مركبا من جمل لا غير ، لابد ان يكون موضوع علم لغة ثانوى . وهو يعتقد ان هنالك تطابقا بين اللغة والادب لانه - بالنسبة له - لم يعد بالامكان تصور الادب كفن تنصل من كل علاقة له باللغة ما دام يستخدم هذه اللغة للتعبير عن الفكرة والهوى والجمال . فاللغة توافق المقال بدون انقطاع . ويتساءل وماذا يفعل الادب اليوم ؟ الا يصنع لغة من شروط اللغة ذاتها ؟ وهو يعتقد بضرورة تغير لغة النقد وان لا تكون ثابتة وموروثة لانها لن تكون فاعلة ان هى لم تتغير مع النص المنقود . والناقد غير مقيد فى اختيار منظور بعينه لكن هذا لا يعنى ان له مطلق الحرية بل عليه ان يستبطن - كما قلنا - لغة الكاتب ليستطيع تحليلها كليا . وبالتالي عليه ان تكون الشبكة التى يختارها ويعتمدها كافية للاستحواذ على كل الخاصيات النوعية للنص المنقود .

الاطروحة الثانية : يقول (( بارت )) بان الادب غواية (Perversion) اى انه ممارسه ترمى الى خلخلة الذات ، الى تذويبها ، والى بعثرتها مباشرة فوق الورق وخلال مدة طويلة . وبالنسبة له لا يوجد الكاتب الا فى اللحظة التى ينتج فيها ، وليس فى اللحظة التى تعقب انتاجه . ويعتبر ان النص يشتمل دائما على معنى لكنه يشتمل بكيفية ما ، على عودات للمعنى ، فالمعنى يجيء ويذهب ، ويعود على مستوى آخر وهكذا دواليك ، وانه يتحتم علينا ان نلتقى بصورة نيتشاوية هى صورة العودة الابدية ، العودة الابدية للمعنى ، انه يعود ، لكن كاختلاف وليس كهوية .

سادسا : مدرسة (( تال كال ))(Tel quel) (( بول فاليرى ))

(( فاليرى )) هو الذى أسس هذه المدرسة ، لكن الاطروحات التى سنضعها امام القارىء ليست كلها من ابتكاره .

الاطروحة الاولى : تقول بانه لم يكن هنالك تصور لعلاقة عضوية بين الكاتب والقارئ وبانها هى أول من اعتبر ان الكاتب قارىء اساسا ، لانه يقرأ الواقع المحيط به ويحلل عناصره كقارئ ثم يحوله الى ابداع يتقبله قارىء آخر ويحلله بدوره فيصير هو ايضا قارئا - كاتبا . والنص يبقى دوما غير مكتمل فى الزمان والمكان لان عملية اكتمله الشكلى ( تحريره ) غير مهمة بقدر عمليات الاستكمال اللامحدودة التى يقوم بها كل قرائه . ومن هنا فكل نص يحتوى على نسخ ديناميكى يحوله من نبتة واهية الى شجرة باسقة بمفعول القراءات المتتابعة له والنتيجة هى انه لا وجود لفاعل فرد للنص بل فاعلين كثيرين لان النص صيرورة وتحويل وزعزعة وصعق ، ولا يمكن اعتباره خطابا موجها لقارئ او مادة لها ابعاد وزوايا معروفة وثابتة ، انه بابعاده اللفظية واللغوية والقواعدية تجاوز وتحد للواقع والجمود وفى هذا تكمن ديناميته التى اسموها (( النص الاقصى ))(Texte limite ) اى انه (( تجاوز وطاقة طافحة )) كما تقول (( رانية سمارة )) .

الاطروحة الثانية : تقول هذه الاطروحة بان النص جزء من كل وبالتالى تستحيل دراسته منعزلا ولو افتراضا . لان النص ككل هو كائن حى له ماض وحاضر ومستقبل لانه نابع من الانسان ومن تاريخه . والنص محرك ومتحرك يتفرع دائما الى عدة مسارات . وبالتالى على المتعامل معه ان يرجع الى جذور النص وبيئته وأن يتعرف على كل التطورات التى طرأت عليه وان يستبصر اهم ابعاده المستقبلية مع اعترافه مسبقا بانه لن يستطيع البتة استكشافها برمتها لان النص كواضعه ، عالم متشابه متقاطع متواصل متباعد متآلف متنافر وليس فى امكان خطوط مسطحة على وريقات جامدة ان تفهم منابعه وحركته وصيرورته . وتلاحظ هذه الاطروحة بان لغة الشعر لغة مترامية الاطراف لا متناهية تتقاطع مع اللغة العادية دون ان تكون اياها ، واذا بها تجاوز لها اذ تتوفر فيها طاقة ديناميكية تملؤها بشحنات معدودة او خفيفة فى اللغة العادية .

الاطروحة الثالثة : تقول إن الرواية هى الشكل الذى به يخاطب مجتمع ما نفسه . وهى الطريقة التى بها يحيا الفرد ليكون مقبولا فى مجتمعه (...) ولذا

فمن آلمهم ان تتمتع الرواية بجميع المستويات : الطبيعى منها والواقعى والتوهمى والخيالى والاخلاقى والنفسى وما دون النفسى والشاعرى والجنسى والسياسى والتجريبى ) ( فيليب صولارز ) . ويقول ( جان لوى بودرى ) وبعكس الكتابة الشعرية التى تتسم بالمثالية الاخلاقية والميتافيزيقيا والتى تظهر بثوب النقاوة ، فان الكتابة الروائية تريد ان تكون أثيمة ، أى محفورة فى الواقع وفى لغة الواقع ، انها لا تريد ان تكون خارج القانون ، وانما ضد القانون وخارجة عليه )) .

سابعا : المدرسة الجذرية( Thematique )(( جان بول فابير ))

الاطروحة الاولى : الجذر بالنسبة )) لفابير )) حادث او موقع يظهر بصورة شعورية او لا شعورية بواسطة الرمز او صراحة فى عمل او فى مجموعة اعمال ادبية وهو يشبه معنى المركب او العقدة الفرويدية لانه يبقى لا شعوريا فى اغلب الاحيان وغير مفهوم من الكاتب نفسه لانه يرجع الى فترة الطفولة الاولى لكنه لا يتطابق مع المركب او العقدة لانه ليس نتيجة للكبت او لبعض الدوافع او الموانع . والجذر يعبر عن نفسه فى كل اثر ادبى تارة بوضوح واخرى بتورية. و(( فيبار )) يعتبر ان الخلق الادبى بكليته بالامكان فهمه (( كتنغيم )) او (( تجويق )) موسيقى لا نهاية له لجذر وحيد . والجذر هو تجربة وحيدة متينة طبعت لاشعور الكاتب وذاكرته منذ طفولته المبكرة . وهو يفرق بين الحذر والفكرة الاساسية للأثر . فالفكرة الاساسية هى كل عنصر لغوى يكرر بالحاح فى الاثر اى انها مجرد ظاهرة واضحة مرتبطة دوما بمفردات لغوية . فمثلا الطير عند ((مالارميه)) فكرة رئيسية بينما الجذر عنده هو الطير الميت مع تنويعاته الضمنية : الطير الجريح ، الطير الساقط .. الخ )) .

الاطروحة الثانية : وهى منهجية ، يقول (( فيبار )) على الناقد فى البداية ان يفترض جذرا لكاتب ما ثم يستعمل التحليل (( التماثلى )) للنصوص لكى يتبين مدى صحه افتراضه واذا اخفق نسبيا فعليه ان يتعرف على (( ذكريات طفولة )) الكاتب باستغلاله لكل الوثائق التى تركها والتى تشير لهذه الطفولة وعليه ان يعثر على الذكرى التى تتكرر بالحاح طى النصوص المتنوعة . اما اذا انعدمت الذكريات الطفولية الصادقه فانه على الناقد ان يمارس التحليل الجذرى (( الارتدادى )) منطلقا من الاثر سابرا اغواره قصد الصعود نحو الذكرى .

اشترك في نشرتنا البريدية